التسجيلي السوري "الرقيب الخالد": سينما بواقعية مفرطة

الجمعة 2014/08/15
شخصيات سيزيفية تؤمن بالعدالة القادمة رغم وجع الحاضر

لوكارنو - يعود المخرج السينمائي السوري الشاب زياد كلثوم بفيلمه التسجيلي الجديد “الرقيب الخالد” (2013)، والذي يعرض ضمن فعاليات مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، ليقدم شريطا تسجيليا متمايزا على مستوى الشكل الفني عن تجربته السابقة في فيلم “آي دل” (أيها القلب).

يبقى المشترك في تجربتي كلثوم هو إصراره على الاشتغال، وبجرأة وذاتية قل نظيرها، على موضوعات كانت أبعد من المحاذير التي استطاع الرقيب فرضها وصونها طويلا.

ويتجلى الأمر السابق في فيلم “أيها القلب” في طرحه لحكايات كردية سورية، جمع أبطالها شتى أنواع القهر والظلم الممارس عليهم، وهذا ما لم يتجرأ عليه معظم سينمائيي سوريا في زمن ما قبل الثورة السورية.

يرصد الشريط السينمائي الذي عرض بلوكارنو في 12 من شهر أغسطس الجاري، كأول عرض رسمي له، فضاءين مختلفين، يتحرك بينهما صانع الفيلم. ففي الفضاء الأول: يصحو زياد الرقيب الملتحق بالخدمة الإلزامية على صوت المنبه صباحا، ليتوجه إلى مكان خدمته في إدارة الدفاع الجوي بالمليحة، مصورا بكاميراته الثكنة العسكرية الموجود بها.

كما أنه يسجل بها إيقاع القذائف التي تنهمر على أحياء دمشق وغوطتها. الشاب الذي درس الإخراج السينمائي لن يفوّت فرصة كهذه، لتروي الصور التي التقطها بكاميراته المخفية اهتراء “المؤسسة” العسكرية للنظام السوري، وتعفن بنيتها الداخلية من خلال كمية الشعارات المبتذلة، وكثافة صور الأسد الأب والابن داخل أسوار الثكنة.

كما تفضح الرسومات والشعارات الساذجة (الموجودة على جدران إحدى صالات العروض السينمائية العسكرية - سينما باسل الأسد)، عقلية هذا النظام ورجعيته المتأصلة.

وضمن البشاعة البصرية المقيتة التي تشكل الهوية البصرية لهذا الفضاء، يغدو صراخ أحد الجنود، الذي سجلته كاميرا كلثوم بـ”يا علي” لحظة إطلاق إحدى القذائف، أمرا أكثر من طبيعي.

ما وراء الكواليس في فيلم محمد ملص "سلم إلى دمشق"، شكل مادة فيلم زياد كلثوم

وفي الفضاء الثاني، حيث يعمل زياد كمساعد مخرج لمحمد ملص في فيلم “سلم إلى دمشق”، يتقصد كلثوم أن يشكل من الفنيين والكومبارس أساس فيلمه. ففي كواليس الفيلم الذي يصنعه ملص يحضر أبطالا حقيقيين، فهم القادمون من الأطراف، ليؤمنوا لقمة عيشهم في أقسى الظروف.

الموسيقى التصويرية لفيلم كلثوم هي هدير الطائرات التي تقصف دمشق وأطرافها. ما هو وراء الكواليس في فيلم ملص، شكل مادة فيلم كلثوم. فحكايا الأبطال تحت هذه السماء المسكونة بالطائرات، لا ترغب كاميرا الأول في إظهارها بفيلم تنتجه المؤسسة العامة للسينما.

استطاعت عدسة المخرج الشاب عبر تقديمها لشخصيات تنتمي، وبمرارة، لهذا السياق أن تؤكد على واقعية السينما.

شخصيات “الرقيب الخالد” التي تبتسم وتمزح، بل وتصنع السينما رغم وعيها بمأساتها. فـ”كروان” المولع بالسينما، والذي يقدم نفسه كشاعر وأديب ورسام كاريكاتير، ما زال يكتب الشعر، ويروي قصصا خيالية عن صداقته بفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ.

يتحدث مجبولا أمام الكاميرا بكلام يمتزج بالحنين المفرط إلى زمن كانت فيه صالات السينما في دمشق على قيد الحياة. يبدو كروان كشخصية سينمائية هاربة من سبعينات دمشق.

رجل خمسيني مرمي على رصيف للعابرين أمام سينما الفردوس، يجلس ممسكا بيده قلم حبر ويخط به على ورقة مهترئة.

كروان ما هو إلا سليمان سليمان الجاثي أمام حائط علق عليه منذ أشهر نعي ابنه الذي قتل وهو ذاهب إلى عمله خلال الثورة السورية.

الموسيقى التصويرية لفيلم كلثوم هي هدير الطائرات التي تقصف دمشق وأطرافها

لا تبدو أحوال الشخصيات الأخرى في الفيلم أقل فجائعية من شخصية كروان، فالمرأة العجوز الهاربة من حي باب السباع الحمصي بعد أن دمرت مدينتها وفقدت ابنها، اضطرت أن تسكن في فندق رخيص وأن تعمل ككومبارس لتؤمن بعض النقود.

وكذلك الشاب الذي يعمل كفني مساعد في فيلم ملص، وهو الذي سبق أن اعتقل من قبل مخابرات النظام، أصرّ على تناول المخدرات لكي يتوقف قلبه مرة واحدة عوضا عن توقفه مئات المرات يوميا على حدّ تعبيره.

هو لا يبدو أقل سيزيفية من غيره من أبطال الفيلم، حيث يصرّ على أن العدالة ستنصفه يوما ما، وسيستطيع مقاضاة قتلة والده الذي قضى تحت التعذيب، حيث أنه ما يزال يحتفظ بتقرير طبي يفيد بموت والده جراء نزيف داخلي في الدماغ، على عكس رواية النظام الذي أخبر عائلته أنه مات نتيجة أزمة ربو!

يكاد يكون فيلم “الرقيب الخالد” من أول الأفلام في الثورة السورية التي تبتعد عن محاولات أسطرة السوريين، كما أنه محاولة جادة للخروج عن الآليات الرجعية في تعويم النخبة.

هو فيلم ينتمي إلى سينما الناس العاديين، الناس الذين هم بإصرارهم على الحياة وبقدرتهم على انتزاع الابتسامة، يؤكدون على حقيقة الواقع لا على سينمائيته فقط. هكذا يغدو أحد أبطال الفيلم أكثر انتماء للواقع عوضا عن الإصرار على أيقنته، وذلك عندما يصرخ أمام الكاميرا في لحظة هيستيرية: أقسم بالله العظيم سأنتخب بشار الأسد في عام 2014، فقط ليتوقف عن قتل أصدقائي!.

16