التسريبات المسجلة.. مصائد المغفلين

منذ أحداث ما سمّي بـ"الربيع العربي" إلى يومنا هذا، واجهنا سيلا من التسريبات السياسية المسجلة سراً، في ظاهرة بات علينا أن نسمعها بين الحين والآخر.
الخميس 2021/05/06
الفضيحة قضت على ظريف ووضعت حدا لطموحه السياسي

تسريبات الدبلوماسيين التي كثرت خلال الفترة الماضية أشهرها تسريبات “خيمة القذافي”، أما آخر تلك التسريبات فكانت لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وهو يشتكي معاناته من تدخلات الحرس الثوري في السياسة الخارجية. هذه التسريبات يشبّهها البعض بالأسلاك الشائكة التي تستخدمها الجيوش في الحروب لإسقاط قوات العدو، وأحياناً أخرى يسمونها مصائد المغفلين، على اعتبار أن بعض الجنود غير الواعين والمنتبهين لخطط العدو يسيرون بلا حذر فيسقطون في تلك الحقول الملغمة، وفي الحالتين تنتهي حياتهم إما أسرى حرب، وهذا في أحسن الحالات، أو قتلى.

ظريف وأغلب الدبلوماسيين الذين تسربت تسجيلاتهم، إما يعتذرون للرأي العام ولقياداتهم السياسية أو أنهم يتنكرون لها، لأننا في زمن القرصنة وتركيب الأصوات وهي حجة باتت جاهزة للتهرب من الفضيحة.

لكن الشيء المثبت أن أيّا من الموقفين لا يشفع لهم خاصة إذا تسببت تسجيلاتهم بأزمات سياسية في الداخل، كما حدث مع ظريف الذي كشف عن حقيقة العلاقة بين إيران الممثلة في الحرس الثوري وبين إيران الدولة التي يمثلها هو، أو سببت حرجاً لدول إقليمية كما فعلت تسجيلات “خيمة القذافي”. فالنتيجة هي إنهاء المسيرة السياسية والدبلوماسية لصاحب التسريبات لأنها تكون بمثابة “مصائد المغفلين” السياسية التي تجيد لعبتها أنظمة سياسية معروفة بهذه الأعمال، منها إيران مثلما أجادتها ليبيا في عهد معمر القذافي. وفي هذه الحالة ليس أمامهم سوى الاستقالة من مناصبهم كما هو متوقع من ظريف، أو إعفائه من منصبه لأنه بلغ سن التقاعد والأمثلة كثيرة.

التسريبات مصائد للمغفلين تجيد لعبتها أنظمة سياسية كثيرة، وليس أمام ضحايا تلك المصائد سوى الاستقالة وترك مناصبهم كما هو متوقع من ظريف أو إعفائهم من مناصبهم لأنهم بلغوا سن التقاعد

يحرص الدبلوماسيون دائماً على انتقاء مفرداتهم زيادة في الحرص والحذر على عدم التسبب في إحراج أنفسهم أو توريطها في فهم مغلوط لما يقصدونه، لكن في حوادث التسريبات الأخيرة، سواء لخيمة القذافي أو مع ظريف، بدأ الأمر وكأنهم يؤكدون اعتقاد سائدا بين الناس أن ما يقومون به في أعمالهم ليس هو الواقع الحقيقي بل هو مجرد مشهد تمثيل، ويؤكد خيالات الناس العاديين أن السياسيين لا يمكن الأخذ بتصريحاتهم العلنية، أو أنهم نسوا الحذر والحرص اللذان يغلبان عادة على تصرفاتهم، من باب أن العلاقة التي تربط بينهم كفيلة للحفاظ على ما يدور من أحاديث داخل الغرف المغلقة، وفي هذه الحال يكون الأمر بمثابة الوقوع في حقل الألغام لأن تلك الصراحة ستستخدم ضده يوماً ما، كما حدث مع ظريف وغيره.

منذ أحداث ما سمّي بـ”الربيع العربي” إلى يومنا هذا، واجهنا سيلا من التسريبات السياسية المسجلة سراً، في ظاهرة بات علينا أن نسمعها بين الحين والآخر. بل إن بعض التسريبات تفتقد إلى الحياء السياسي لما تضمّنته من اتفاقات لنجد في مرحلة لاحقة أن تصريحات بعض هؤلاء السياسيين، بعد مغادرة مناصبهم، تطابق ما تم تداوله سرّا،ً وكأنه يريد أن يوثق كلامه وتوجهاته، وأن ما حصل هو تسجيل مفبرك لا جدل في ذلك.

نحن هنا أمام أزمة انسلاخ تام عن معاني القيم في العمل السياسي، وبالتالي أقرب إلى نظرية ميكيافيلي، الذي يلعنه أغلبنا وينكر عليه أسلوبه، مع أن ما جاء به هو الحقيقة التي يمارسها أغلبنا دون أن يعترف وهي أن “الغاية تبرر الوسيلة”.

هناك من يجادل أن اتخاذ خطوة تسريب التسجيلات السرية لا تخرج عن احتمالين اثنين؛ الاحتمال الأول أن الشخصية المستهدفة عادة ما تكون لديها قاعدة شعبية مؤيدة لنشاطه الدبلوماسي والسياسي، وأنه صار مؤثرا وسط قاعدة كبيرة، وربما يأتي من يوظّف هذه القاعدة الشعبية لتحقيق مصالحه. في مثل هذه الحالة يكون التسريب أفضل وسيلة لإنهاء تاريخه ونجاحاته. فظريف، مثلا، عرف عنه قدرته على إقناع الغرب (5+1) في الملف النووي، وبالتالي لديه القدرة لأن يكون المرشح الإصلاحي للانتخابات الرئاسية القادمة، ولكن يبدو أن الفضيحة قضت عليه ووضعت حدا لطموح مثل هذا.

الاحتمال الثاني، أن صاحب التسجيل انتهى مهنياً بشكل فعلي ولم يعد لديه من جديد يقدمه، وأن مرحلته السياسية عفا عليها الزمن نتيجة لتغير قواعد اللعبة، وبالتالي بدلاً من أن يكون رمزاً في منصبه يمثل عبئاً على من يأتي بعده، والأفضل ظهور تسريب لتسجيل يفضح حقيقة توجهاته.

9