التسريبات في تونس.. أسلوب سياسي لتصفية حسابات شخصية ضد الخصوم

نائب يوسع دائرة استهداف السياسيين مستفيدا من التهاون الأمني معه.
الثلاثاء 2021/05/18
التسريبات طالت خصوم الإسلاميين ومنهم الرئيس سعيد

وسع النائب الإسلامي التونسي راشد الخياري من دائرة استهداف شخصيات سياسية وإعلامية في بلاده من خلال تسريبات صوتية ومراسلات أثارت جدلا واسعا حيث باتت تطال حياة هؤلاء الخاصة في خطوة مخالفة للقانون التونسي، لكن يبدو أن التراخي الأمني مع هذا النائب الصادرة بحقه بطاقة جلب من القضاء العسكري جعله يتمادى في ممارساته.

تونس - فجرت التسريبات الصوتية التي ينشرها تباعا النائب البرلماني الإسلامي في تونس راشد الخياري والتي استهدفت سياسيين وإعلاميين جدلا واسعا، خاصة أن العملية تعتبر خرقا للقوانين في البلاد التي تشهد أصلا أزمة سياسية حادة.

وكان النائب المذكور، الذي صدرت في حقه بطاقة جلب من القضاء العسكري، قد استهدف في مرحلة أولى الرئيس قيس سعيد الذي اتهمه بتلقي تمويلات من الولايات المتحدة إبان الحملة الدعائية للانتخابات الرئاسية في 2019 وهو ما ردت عليه السفارة الأميركية في تونس بالنفي.

ونشر الخياري الأحد تسريبات جديدة استهدفت هذه المرة النائب البرلماني فيصل التبيني حيث وضعت تلك التسريبات النائب المذكور أمام قضية أخلاقية، لكن الرجل أكد أنه تم استدراجه.

وتختبر قضية التسريبات التي تصاعد الجدل بشأنها، خاصة أنها استهدفت فاعلين بارزين في المشهد السياسي والإعلامي، مدى جدية القضاء التونسي والأمن في مواجهة هذه العملية التي تكاد تُجمع الأوساط القانونية على أنها تُعد خرقا واضحا للقانون والدستور.

واعتبرت أستاذة القانون الدستوري هناء بن عبدة أن هذه التسريبات تُعد خرقا جسيما للدستور والقانون التونسي على حد السواء.

هناء بن عبدة: تسريب المكالمات جريمة يُعاقب عليها القانون التونسي

وقالت بن عبدة في تصريح لـ”العرب” إن “الدستور التونسي يحمي المراسلات، ويحمي الحياة الخاصة، عملية نشر مكالمات خاصة ومعطيات خاصة هي جريمة في القانون.. الاعتماد على مثل هذه الممارسات الدنيئة لإدانة هذا الطرف (السياسي) أو ذاك هو في حد ذاته جريمة يُعاقب عليها القانون التونسي”.

وتابعت “هذه الممارسات تحيلنا إلى تساؤلات عما إذا كان هؤلاء يريدوننا أن ننصب محاكم أخلاقية للأشخاص من خلال مكالمات سرية يحميها القانون ويجرم إفشاءها، لا يمكن إلا إدانة التعدي على سرية المراسلات وحق الحياة الخاصة”.

وينص الفصل 24 من الدستور التونسي على أن “تحمي الدولة الحياة الخاصة وحرمة المسكن وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية. لكل مواطن الحرية في اختيار مقر إقامته وفي التنقل داخل الوطن وله الحق في مغادرته”.

وتُحمل أوساط سياسية تونسية حركة النهضة الإسلامية التي تقود الائتلاف الداعم للحكومة برئاسة هشام المشيشي مسؤولية نشر هذه التسريبات، خاصة أنها استهدفت مباشرة إعلاميين وسياسيين مناهضين لها ولسياساتها على غرار التبيني والإعلامية والمحامية مية الكسوري.

وكان رئيس الحركة راشد الغنوشي الذي يرأس البرلمان قد وجه دعوة لوزير الدفاع الوطني إبراهيم البرتاجي من أجل الاستماع إليه بشأن صدور بطاقة جلب عسكرية في حق النائب  الخياري، وهو ما أثار حفيظة كثيرين في تونس.

وقال النائب البرلماني حاتم المليكي إن “المتابع للشأن العام في تونس يُدرك أن المكاسب التي يُمكن أن تفرزها التسريبات أكبر بكثير من الخياري، حتى توقيت تحركاته كان في سياق خدمة حركة النهضة”.

حاتم المليكي: النهضة توفر الحماية السياسية والأمنية للنائب راشد الخياري

وأردف المليكي لـ”العرب”، “في كل مرة تبدو حركة النهضة في ورطة، مثلا مؤخرا بسبب تلقي نائبة تابعة إليها جرعة من التلقيح وهي لا تتمتع بالأولوية، إلا ويتحرك الخياري، أو عندما تصدر تصريحات ومواقف من الرئيس سعيد إلا ويتحرك أيضا، المسألة مرتبطة بمستويين قانوني وأخلاقي”.

وأضاف أن “الخياري يتمتع بحماية خاصة من حركة النهضة لذلك لم يُطبق عليه القانون خاصة بعد صدور بطاقة جلب ضده، هذا أمر بديهي”.

 وبالرغم من مرور 10 سنوات على انتفاضة 14 يناير التي أطاحت حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، إلا أن هدف الدولة العادلة التي يُطبق فيها القانون على الجميع يبدو صعب المنال في تونس، لاسيما في ظل ما بات يوصف بـ”الحماية تحت الطلب” للنافذين والسياسيين.

وقالت بن عبدة “هنا تكمن المعضلة في تونس؛ لا توجد لدينا مساواة في تطبيق القانون، القانون يطبق حسب الأشخاص.. باختصار شديد تونس دولة قوية مع الضعفاء ضعيفة مع الأقوياء في تطبيق القانون وهنا ندخل في مفهوم الدولة المتهاوية التي ترضخ لضغوط اللوبيات وللأحزاب، تونس رضخت تماما للأحزاب”.

وعلى صعيد آخر، تعيد هذه القضية إلى الواجهة السجالات بشأن الحصانة البرلمانية في تونس وهو موضوع حساس، لاسيما في ظل اهتزاز صورة مجلس النواب (البرلمان) في عيون التونسيين وتسجيل العديد من الخروقات التي قام بها نواب برلمانيون.

وأوضحت بن عبدة “هناك من يتحدث عن الحصانة، الحصانة موجودة لكن هناك طريقة لتطبيقها، كان على النائب المذكور أن يذهب إلى القاضي ثم الأخير يقرر إطلاق سراحه بناء على طلب من مكتب البرلمان ولكنه بقي طليقا وحصانة النائب أصلا مرتبطة بمهامه فقط، خارج مهامه لا توجد حصانة ولا أعتقد أن مهامه تشمل التجسس على الناس”.

4