التسريبات في مواجهة الاستخبارات: لا أسرار بعد اليوم

الأربعاء 2014/06/25
وصفت تسريبات سنودن بالعملية الأخطر في تاريخ الولايات المتحدة

لندن- وضعت تسريبات إدوارد سنودن نهاية للشعارات الأميركية المزيفة الوردية حول مدى الحرية والأمان اللذين تتمتع بهما شبكات الاتصالات والانترنت؛ وتنضمّ إلى قائمة الاختراقات التي تؤكد زيف مبدأ الخصوصية عند وكالات الاستخبارات الالكترونية

مرت حوالي سنة منذ قام المتعاقد السابق مع المخابرات الأميركية إدوارد سنودن بكشف المراقبة الضخمة للأنترنت التي تقوم بها وكالة الأمن القومي. وقد تسببت عمليات الكشف التي قام بها في غضب جماهيري عريض، ووصل الأمر إلى حد توجيه توبيخ حاد ونقد لاذع من الحلفاء المقربين للولايات المتحدة مثل ألمانيا.

وكان سنودن كشف في مطلع العام الماضي أن المخابرات الأميركية تتنصت على المكالمات الهاتفية لا للمواطنين الأميركيين العاديين فحسب، بل ولقادة الدول والحكومات الأجنبية، بما فيها الدول الحليفة للولايات المتحدة.

وفي نظر مارك ستيفنس، رئيس مستقل لمبادرة الشبكات الدولية، تأتي تسريبات سنودن، الذي جاء على رأس قائمة أهم 100 شخصية لعام 2013، لتضع نهاية للافتراضات الوردية حول مدى الحرية والأمان اللذين تتمتع بها شبكات الاتصالات والانترنت.

ويضيف ستيفن، في تقرير صدر عن منظمة “بروجيكت سنديكت”، قائلا: “منذ سنة نبه سنودن العالم إلى الخروقات الفاضحة الــتي تقوم بها الحكومــات لحياة الناس الخــاصة.

ويبقى بيد صناعة التكنولوجيا ومنظمات المجتمع المدني وعامة الناس جعل الحكومات صادقة في التزامها بالقيام بإصلاحات ملحة، عندها فقط يمكن أن توفر الانترنت مكسبا من مكاسب الحرية الذي طالما وعدت به”. قامت تسريبات سنودن بتغيير كيفية نظر الناس لهواتفهم وحواسيبهم، كما أطلقت شرارة نقاش عام حول حماية المعلومات الشخصية.

ويكيليكس: الولايات المتحدة الأميركية تجسست على حلفائها في الأمم المتحدة

انتهى النقاش بأن أقر مجلس النواب الأميركي بغالبية كبيرة مساء الخميس تعديلا يحد من صلاحيات وكالة الأمن القومي في مجال المراقبة الإلكترونية في الولايات المتحدة.

لكن هذا القانون، وفق المراقبين والمنظمات الحقوقية المعارضة لمشاريع التجسس، بلا جدوى حيث يعدّ العمل الاستخباراتي ركنا أساسيا في مجال حماية الأمن القومي لأية دولة، كما أن وكالات الاستخبارات الأميركية والدولية تعتمد كثيرا على التجسس الإلكتروني الذي وصفه الكاتب النيوزيلندي نيكي هاجر بـ”الجيل الرابع من الحروب”.

التجسس عملية قديمة قدم الإنسان. وفي الماضي كانت الاستخبارات البشرية (HUMINT) الأكثر اعتمادا، وهي عملية الاستخبارات المستخلصة من العملاء والجواسيس والخلايا النائمة.

وشأنها شأن الكثير من الممارسات فقد تطورت عمليات التجسس بتطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال، فتنوّعت مصادر المعلومات وآليات الحصول عليها، من أمثلة ذلك:

* استخبارات المصادر المفتوحة(OSINT): وهي العمليات الاستخباراتية المستخلصة من المصادر المفتوحة مثل الإنترنت.

* استخبارات الاتصالات (COMINT): التنصت على الاتصالات واعتراضها (مثل التنصت على المكالمات الهاتفية) ويضم استخبارات الإشارات (SIGINT) والاستخبارات الإلكترونية(ELINT).

* الاستخبارات بالأقمار الصناعية: (IMINT) توفر مجموعة من المعلومات المستخلصة من عدد من أصول التجميع مثل الأقمار الصناعية الاستطلاعية أو طائرات المراقبة.

* الاستخبارات الفنية: (TECHINT) تعتمد على خصائص علمية وفنية في أنظمة الأسلحة والأجهزة التقنية وغيرها.


استخبارات الإشارات


المشكلة ليست في عملية التجسس بحد ذاتها بل في مدى قدرة البلدان المستهدفة على حماية نفسها من الاختراق

في كتابه “الآذان المترصدة.. كيف يتجسسون عليك” يقول نيكي هاجر إن “أعلى أنواع الاستخبارات قيمة وسرية وأكثرها غموضا هي الاستخبارات الالكترونية. ويطلق على هذا النوع من التجسس مصطلح “استخبارات الإشارات”، ويقصد بها العمليات الاستخباراتية التي يتم جمعها عن طريق التجسس على اتصالات الراديو والهاتف والإنترنت”.

جاء في تقديم الترجمة العربية لكتاب هاجر: “حينما تقرأ هذا الكتاب ستعلم أنك جزء من هذا الكون الخاضع لعمليات تجسس واسعة يقوم بها النظام الأميركي المهيمن على العالم، لحلفائه قبل أعدائه. وستعلم كيف تتم عمليات التجسس عبر البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية وفيسبوك والتليكسات وغيرها.. للأفراد كما للدول والمنظمات، بما فيها الكيانات المعروفة بولائها للولايات المتحدة وحلفائها مثل منظمات الأمم المتحدة.

وستدرك أن تسريبات إدوارد سنودن، الموظف بوكالة الأمن القومي الأميركية المتعلقة بتجسس البيت الأبيض على العالم، ما هي إلا جزء صغير من معلومات تم إعلانها ثم توقف الحديث فيها بأوامر من القوة العظمى الحاكمة لهذا العالم”.

ومما يبينه الكتاب أيضا، بالوثائق والدليل عمليات التجسس التي تعرضت لها دول الشرق الأوسط، من عدة قواعد اسرائيلية ودولية، وانتقد الكاتب في هذا السياق دول الشرق الأوسط التي: “تدرك جيّدا أهمية القوة العسكرية التقليدية (الطائرات والسفن والقنابل)، لكن معرفتها بالعمليات الاستخباراتية التي توجه القنابل وتشكّل الجانب الخفّي من السياسات الدولية أقل بكثير”.

كما يكشف هاجر حقيقة منظمة “إتشيلون” بدولها الخمس والقابعة في نيوزيلندا لمتابعة دبيب البشر وأسرارهم وأدق تفاصيل علاقاتهم، عبر كل الوسائل المتاحة ومن خلال العديد من محطات وأقمار التجسس المنتشرة بعناية فائقة في كل بقاع العالم.

ومنظمة “إتشيلون”، ويطلق عليها أيضا “العيون الخمسة”، تعتبر أشهر شبكة تجسس إلكتروني في العالم، وتضمّ إلى جانب نيوزلندا كندا وأستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية. وقد كشفت تسريبات سنودن عن هذه الشبكة التي تترأسها الولايات المتحدة.

وتقضي بتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الحكومات مع الحفاظ على السرية التامة لصيغة هذه الاتفاقيات، وفق تقرير مارك ستيفنس. ويقدم الكتاب أمثلة ملموسة عن عمليات تجسس نفذتها “العيون الخمسة” ضد دول من بينها روسيا والصين وفيتنام وفرنسا واليابان والأرجنتين وغيرها. ويؤكد هاجر أن هذا الحلف الاستخباراتي الأنجلو-أميركي، قادر على الوصول إلى معظم الاتصالات الدولية.


كشف الأسرار

نيكي هاجر: الحلف الاستخباراتي الأنجلو أميركي يصل إلى معظم الاتصالات الدولية


مثلما ساعد التقدم التقني والرقمي في تطور عمليات التجسس والتنصت، ساعد كذلك في فضح هذه العمليات والكشف عن كثير من الأسرار التي لم تكن لتخرج للعلن إلا بعد أن تفرج عنها الحكومات بنفسها، وبعد مرور عدد محدّد من السنوات. وعادة ما تكون الوثائق المفرج عنها تأكيدا لقراءات سابقة قام بها الخبراء، فيما عدى ذلك تبقى كثير من عمليات التجسس في طي الكتمان.

ومن هنا اكتسبت تسريبات سنودن، ومن قبلها ويكيليكس، التسريبات الأكبر والأشهر في التاريخ إلى حد الآن، زخمها وأهميتها.

ومن أشهر تسريبات سنودن فضيحة برنامج “بريزم” للتنصت، المعتمد منذ العام 2007 الذي يتيح لوكالة الأمن القومي الدخول إلى “سيرفرات” الشركات، من خلال بوابة، ثم تصفح معلومات حول مستخدمين لديها.

وبحجة محاربة الإرهاب، جمعت وكالة الأمن القومي الأميركية معلومات عشوائية عن ملايين الأشخاص حول العالم من شركات الإنترنت الأميركية.

ضاعفت هذه الفضيحة من التوترات الدبلوماسية وأثارت نقاشا واسعا حول مشكلة العصر وكيف تتحول البيانات الشخصية إلى أدوات للسيطرة. فكل ما نقوم به على الإنترنت مكشوف.

ولأول مرة يكتشف الناس خفايا عمليات التجسس، وجوانب كثيرة من السياسة الأميركية وعلاقاتها الدولية.

وكانت دول منطقة الشرق الأوسط على قائمة الجهات الأكثر اختراقا من قبل المخابرات الأميركية والبريطانية. ويذهب بعض الخبراء إلى أن ما نشرته وثائق ويكيليكس عن بعض الحكومات العربية كان متعمّدا وأحد أسباب اندلاع الانتفاضات في دول “الربيع العربي”.

من مؤيدي هذه النظرية المؤرخ المصري عاصم الدسوقي، الذي قال إن “ثورات الربيع العربي من صناعة ويكيليكس الأميركية، والهدف من تسريباتها في أواخر 2010 إثارة الأوضاع في الشرق الأوسط، وتشجيع الثورة ضدّ حكّام المنطقة تمهيدا للإطاحة بهم وتمكين مشروعات بديلة”.

7