التسريبات والغثيان العربي

الثلاثاء 2015/02/10

غثيان شامل انتشر في الفضاء العربي، بسبب إصرار قناة الجزيرة على إعادة بث حوار شخصي مسرب منذ العام الماضي بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ومدير مكتبه عباس كامل، وعضو المجلس العسكري محمود حجازي. لاشك في أن الكلام كان مخيبا للآمال، والمخيب أكثر هو إصرار الجزيرة على تضخيم الموضوع، والدعوة إلى موقف خليجي ضد مصر. إذا كانت الجزيرة توجه هذا التسريب للقيادة السعودية وتتوقع منها ردات فعل، فإن هذا يدل على عدم خبرتها بعمق المملكة وحكمتها. يلاحظ المراقبون أن السعودية لم تعد تصرح دوريا كالسابق، وهذا يعني بأنها منهمكة في هندسة سياستها الجديدة. المملكة ليست صيدا سهلا لا للمرتزقة، ولا لدعاة الفتن.

في عام 1990 بث التلفزيون العراقي مكالمة هاتفية مشوشة بين زعيمين خليجيين، وضخّم الإعلام العراقي حينها الموضوع، رغم أن الحوار كان عاديا جدا. ولننظر جميعا أين وصل العراق اليوم؟ وماذا كانت فائدة تلك المكالمة المسربة، والتحريض الأحمق؟

القيادة السعودية صاحبة خبرة طويلة، فحتى الزعيم جمال عبدالناصر كان يوجه خطاباته، وإعلامه لمهاجمة المملكة، وتحريض شعبها، وفي فترة عزل الملك سعود بن عبدالعزيز، لم تتردد القاهرة في تسخير إذاعتها، للتحريض ضد الملك فيصل بن عبدالعزيز. لم يتوقف عبدالناصر عن التحريض ضد القيادة السعودية، حتى رأى بعينيه موقف الملك فيصل بن عبدالعزيز عام 1967 حين عرض حياته وعرشه وشعبه للخطر في سبيل فلسطين والقدس والمبادئ العربية. عندها شعر الزعيم عبدالناصر بالخجل وأوقف الحملات الإعلامية.

سياسة الملك الجديد سلمان بن عبدالعزيز تبدو من النوع الأكثر هدوءا وحذرا. وهذا مع الوقت سينعش الإعلام والدبلوماسية السعودية، لأن تصريح القيادة باستمرار في التفاصيل السياسية، يجعل الحوار يتوقف، ويسير في اتجاه واحد دائما. السعودية تعلم أن الواقع العربي اليوم في أحلك أيامه، وها هي رايات الحوثي ترفرف على صنعاء بعد أن أعلن “أنصار الله” الحكم المطلق والانقلاب، وألغوا العملية السياسية.

إن طائرات الحلفاء لن تحلق فوق الحوثيين، إلا كما تحلق فوق الميليشيات الشيعية في العراق، لملاحقة المتطرفين السنة. ولعلنا نسمع عن صحوات يمنية قريبا، وأن الزيدية أغلبية، وعن تهجير السنة من صنعاء.

نحن اليوم في حاجة إلى شعور عربي بالمسؤولية، يشبه موقف القيادة الإماراتية وحرصها. فالإمارات قد علقت، فعلا، طلعاتها الجوية ضد الدولة الإسلامية لأسباب كثيرة، ولكنها حين رأت أن الأردن يتعرض لمحنة قد تقوده إلى التفكك، أرسلت فورا طائراتها المقاتلة إلى الأردن ودعمت قيادته، للحفاظ على وحدة الشعب، وتماسك الجيش الأردني.

المحنة كبيرة اليوم، والكل يتطلع إلى القيادة السعودية والإعلام السعودي والخليجي، فقد سقط الإعلام المصري بكل أسف، في التهريج والغطرسة في صراعه مع التآمر الإخواني، والنتيجة هي أن الإعلام المصري، بكل ألوانه، فقد هيبته القديمة.

يجب الاحتفاظ بإعلان عربي متماسك، ولو في حدوده الدنيا. فمهاجمة الإخوان أو الدولة الإسلامية، يجب ألا تنزلق إلى مهاجمة الإسلام مثلا.

السعودية بلاد الحرمين الشريفين، ومازالت تحكم بالقرآن، والكثير من شرعيتها وقوانينها مستمدة من الإسلام، لا يمكنها الذهاب بعيدا في تحالف مع العلمانيين، رغم رفضها للأحزاب الدينية المتآمرة، والحركات الإرهابية المتطرفة. ولا ننسى هناك دولة عقائدية صفوية مثل إيران تتمدد في المنطقة، وعينها على البحرين. لابد من احتفاظ السعودية، في ظروف كهذه، بوزنها الإسلامي في العالم السني. خصوصا وأن إيران تحتفظ بجميع أتباعها في المنطقة، وغير مستعدة للتخلي عنهم، أو التراجع خطوة واحدة.

التسريبات التي تبثها الجزيرة أدت رسالتها في تسميم النفوس، وبث الفرقة بين العرب. فما هي الفائدة؟ وفي مصلحة مَن تصب هذه الحملات؟ نحن مع توجيه النقد للقيادة المصرية والإعلام المصري، إذا كان ذلك النقد مكتوبا بمشاعر الإصلاح والتصحيح ومحاصرة الفساد، غير أننا نرفض زعزعة الاستقرار وتفكيك الدول العربية.

هل يمكن لنا الارتفاع عن الصغائر، والوصول إلى موقف عربي متماسك، تقوده المملكة العربية السعودية مثلا. هل يمكن للقيادة القطرية أن ترأف بالعرب، وتستثمر صعود قيادة سعودية جديدة اليوم، لصالح التماسك الخليجي والعربي وليس العكس؟


كاتب عراقي

9