التسعيرة الاسترشادية ردة اقتصادية لتخفيف غضب المصريين

وصف اقتصاديون قرار الحكومة المصرية بتطبيق نظام التسعيرة الاسترشادية بأنه ردة اقتصادية عن آليات السوق الحر، ورجحوا أن تتسبب في اختلالات خطيرة في منظومة التجارة الداخلية في البلاد. وأكدوا أن هذا النظام ثبت فشله ولم يفلح في حل مشكلة ارتفاع الأسعار.
الجمعة 2017/02/17
الدولة تحشر نفسها بين البائع والمشتري

أعلنت الحكومة المصرية عن بدء تطبيق نظام الأسعار الاسترشادية في الأسواق، وبدأت بوضع قائمة للخضر والفاكهة، يتم تحديثها أسبوعيا. ومن المقرر أن يشمل النظام الجديد خلال الأيام المقبلة عددا من منتجات الصناعات الغذائية. وسوف يطبق النظام أيضا على منتجات الشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية وأن تمتد المرحلة الثانية لتصل إلى منتجات المصانع التابعة للقطاع الخاص.

وقال اقتصاديون لـ“العرب” إن تلك الخطوة تعد ردة اقتصادية من الممكن أن تحدث خللا كبيرا في آليات وقواعد السوق المتعارف عليها، وتثير حفيظة المستثمرين في وقت يواجه فيه الاقتصاد عقبات أدت إلى زيادة تكاليف الإنتاج. وأعلنت لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري عن مناقشة مشروع قانون لتحديد هامش الربح للتجار لمواجهة انفلات الأسعار، إلى جانب تحديد هامش ربح لكافة المراحل التي تمر بها المنتجات وحتى وصولها إلى المستهلك، في وقت أكد فيه البنك المركزي أن معدلات التضخم وصلت مستويات قياسية في يناير عند 30.8 بالمئة.

محمد المرشدي: ضبط الأسعار يبدأ من رقابة الأسواق وتغليظ العقوبة على المخالفين

وأدت القرارات الاقتصادية الصادمة بتحرير أسعار الصرف وفرض رسوم وضرائب جديدة إلى غليان الأسعار في الأشهر الأخيرة، أثر على القدرة الشرائية لمعظم المصريين. وتحاول الحكومة الحد من الزيادة الكبيرة والسيطرة على جنون الأسعار. ووصف أشرف حسني عضو شعبة المواد الغذائية في الغرفة التجارية للقاهرة، التسعيرة الجديدة بأنها خطوة لعودة التسعيرة الجبرية والتي كانت مطبقة في مصر خلال عقد السبعينات.

وقال لـ“العرب” إن هذا الإجراء ليس حلا لمواجهة ارتفاع الأسعار، وإنه يمكن أن يفتح بابا جديدا للصراع بين الحكومة والقطاع الخاص. وأوضح أن موجة تضخم الأسعار التي تشهدها البلاد سببها خفض قيمة الجنيه بعد قرار تحرير أسعار الصرف في 3 نوفمبر الماضي، ما أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج. وطالب الحكومة بدعم المنتجين المحليين بهدف إحلال المنتج المحلي ليصبح بديلا عن المنتجات التي يتم استيرادها من الخارج، وقادرا على المنافسة.

ودعا حسني إلى التوسع في أسواق الجملة بشكل كبير، بهدف عرض السلع بأسعار منافسة للمواطنين. وحذر من تأثير التسعيرة الجبرية على المنتج والمستهلك لأنها ستؤدي إلى تردي جودة المنتجات. وتؤكد بيانات الجهاز المركزي للإحصاء أن مجمـوعة الحبوب والخبز واللحوم استحوذت على 95.7 بالمئة من معدل التضخم في قطـاع الطعام والمشروبات.

ويحذر محللون من أن تؤدي التسعيرة الجبرية إلى حالة من الانفصال التام بين الحكومة والشعب والتاجر، ووصفوها بأنها تهرب حكومي من المسؤولية. ورجحوا أن تؤدي إلى ظهور أسواق موازية لبيع السلع، تتحكم في عرضها في الأسواق، لأن عملية تحديد الأسعار بقرارات حكومية منفصلة عن آليات الاقتصاد لن ترضي جموع التجار. وشهدت الفترة الماضية مجموعة من المبادرات من جانب مستثمري الصناعات الغذائية عبر عرض السلع بأسعار مخفضة بنحو 20 بالمئة تحت شعار “الشعب يأمر”.

ياسر عمارة: تجارب نظام التسعيرة أثبتت فشله في مصر وأزمة السكر دليل على ذلك

وقال محمد المرشدي النائب البرلماني ورئيس جمعية مستثمري العبور، إن ضبط منظومة الأسعار تبدأ من تعزيز عمليات الرقابة على الأسواق. وأكد لـ“العرب” أن هناك دورا كبيرا يقع على عاتق جهاز حماية المستهلك لضبط تلك المنظومة، مع تغليظ العقوبة على المخالفين لحماية المواطنين من جشع التجار، بدلا من نظام التسعيرة الاسترشادية. وأكد أسامة الشاهد عضو جمعية مستثمري السادس من أكتوبر لـ“العرب”، أن عودة نظام التسعيرة يعني التحكم في آليات السوق، مما يستلزم تدخل جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، حفاظا على حرية السوق.

وتمتلك وزارة التموين والتجارة الداخلية في مصر نحو 600 مجمع استهلاكي موزعة على مختلف المناطق، يمكن من خلالها طرح المنتجات بأسعار رخيصة لمحدودي الدخل. واقترح بأن يُلزم جهاز حماية المستهلك، المصانع بطبع السعر على السلعة، على سبيل الاسترشاد فقط، وهذا يعني أن الدولة لن تلزم المنتجين بسعر معين، ولكن تعزز الشفافية ومعرفة المواطن بسعر السلعة.

وقال الخبير الاقتصادي ياسر عمارة إن دور الدولة في النظام الرأسمالي قوي جدا، وبالتالي فإن الرقابة على الأسواق هي التي تضمن منافسة عادلة، ولكن ليس بوضع أسعار استرشادية. وأكد لـ“العرب” أن تجارب نظام التسعيرة أثبتت فشله في مصر خلال الفترة الماضية، وخير دليل على ذلك أزمة السكر التي شهدتها البلاد الفترة الماضية، وكان يتم بيعه بالسوق الموازية بأسعار تزيد على ضعف السعر الذي كانت تعلنه وزارة التموين. وأضاف أن قيمة الكثير من السع لا تزال تفوق القدرة الشرائية لفئات عديدة من المواطنين، وهـو ما يستلزم أن تتدخل الحكومة سريعا لضبط ما أصبح يعرف بـ“جنون الأسعار”، خشية أن تترتب على التطورات الاقتصادية انعكاسات اجتماعية وسياسية.

10