التسلية والترفية أسهل الطرق لتحقيق أهداف القنوات المصرية

يطغى على برامج القنوات التلفزيونية الفضائية المصرية الخاصة والحكومية ما يشبه التوجه العام نحو التسلية والترفيه والمنوعات والابتعاد عن مناقشة المشكلات الحياتية والمجتمعية الحيوية، ويرى خبراء الإعلام أن هذه الإستراتيجية تحقق أهداف مالكي القنوات الفضائية والحكومة معا.
الاثنين 2017/05/08
الترفيه صناعة رائجة

القاهرة – استثمر الإعلام العربي والمصري على وجه الخصوص حالة الضجر والإحباط لدى الجمهور من البرامج السياسية والاجتماعية، ليفتح الباب واسعا لبرامج التسلية ومسابقات الحظ لتغزو القنوات الفضائية، وكادت البرامج الجادّة التي تحاول إيجاد حلول واقعية للمشكلات القائمة أن تنقرض تقريباً بفعل عوامل اقتصادية وتسويقية وسياسية متنوعة.

ويمثل الاتجاه نحو الترفية عنصرا مؤسسا لانطلاق الفضائيات المصرية مؤخرا ويشي بأن هناك توجها عاماً نحوه، سواء من قبل أصحاب تلك القنوات أو من دوائر حكومية قريبة من مالكيها.

ويبدو من اللافت أنّ نجوم الدراما سحبوا البساط من الإعلاميين ليتصدروا واجهة هذه البرامج إمعانا من أصحاب القنوات الفضائية في الاستفادة من شعبية الفنانين في رفع نسب المشاهدة واستقطاب المعلنين لضمان النجاح والاستمرارية، مثل محمد صبحي وغادة عادل والمطربة شيرين وأشرف عبدالباقي وإياد نصار وصلاح عبدالله وهالة فاخر وانتصار وبيومي فؤاد وهيدي كرم وغيرهم، وأصبح الأمر ظاهرة واضحة تملأ الإعلام المصري.

ويقول متخصصون في الإعلام إن الصورة الكلية للإعلام المصري في الوقت الحالي تتحكم فيها ثلاثة عوامل، أولها مرتبط بالقنوات الفضائية والتي يكون الهدف الأساسي من وراء تأسيسها جني الأرباح والحفاظ على مصالح مالكيها، وبالتالي فإن التسلية والترفية تعدان أقصر الطرق وأسهلها لتحقيق أهداف إنشائها، على أن يكون ذلك من خلال وجوه تمتلك شعبية وجماهيرية وفقا لرؤى تسويقية تشير إلى نجاحها في جذب الجمهور.

وتأتي الظروف الاقتصادية في المرتبة الثانية إذ تتحكم في الإنتاج الفني بجميع أنواعه، بالإضافة إلى ارتفاع أعداد الفنانين الجدد وتأثير ذلك على بعض الأسماء الكبيرة التي كانت تحتل صدارة المشهد الفني، ما مثّل دافعاً لخوض غالبية الفنانين التجربة الإعلامية في محاولة للتواجد على الساحة الإعلامية والفنية بشكل عام.

وساهم في رواج الاستعانة بالفنانين، ذلك العدد الكبير للفضائيات العربية التي اقترب عددها من ألف قناة تقريباً وحاجتها إلى البحث عن أساليب ترويجية عديدة، خاصة وأن فشل أي من هؤلاء الفنانين في المجال الإعلامي سيكون تأثيره أقل ضررًا بكثير مما لو فشلوا في السينما أو التلفزيون.

الرقابة الحكومية على الإعلام الخاص تتم من خلال مالكي القنوات الذين تربطهم مصالح متشابكة مع الحكومة

والعامل الثالث هو التوجه الحكومي العام، ويعتبر المحدد الأكبر لشكل الصورة الحالية، إذ أن الحكومات باتت تتخذ نفس الموقف الذي يأخذه المتفرج تجاه المشهد الحالي، ورغم قربها من دوائر رجال الأعمال المالكة لتلك القنوات إلا أنها لم تشرع في اتخاذ أي مواقف تجاه تغيير الوضع الراهن، وظهرت كأنها راضية عنه.

ويرتبط بالعامل ذاته، الحديث المتكرر عن مشاركة دوائر تنفيذية تابعة للحكومة المصرية في ملكية الفضائيات، على غرار فضائية “دي أم سي” التي انطلقت مؤخراً وتوسعت في ظاهرة استقدام الفنانين لتقديم برامج سطحية لا تناقش مشكلات حقيقية على أرض الواقع، بل وتجاهلت الحديث عن مشكلات المجتمع، خاصةً الشباب.

وعلّق حسن علي، رئيس جمعية حماية المشاهدين، على هذا الوضع في تصريحات لـ”العرب”، إن سيطرة الحكومة على ما يتم بثه من محتويات إعلامية على الفضائيات الخاصة من المفترض أنه أصبح غير موجود من الناحية القانونية بحسب الدستور الجديد، أما من الناحية الفعلية فإن الرقابة موجودة من خلال مالكي تلك القنوات الذين تربطهم مصالح متشابكة مع الحكومة في مجالات عدة، وبالتالي فإنه من المستحيل الخروج عن الدائرة التي ترسمها جهات حكومية عدة لتلك القنوات، بمعنى أن ذلك يتم وفق رغبة مشتركة من قبل الطرفين.

وأضاف على أن رجال الأعمال المالكين للقنوات الفضائية أدركوا بما لا يدع مجالًا للشك أن البرامج التي تناقش قضايا جدلية داخل المجتمع تتسبب في مشكلات عدة، وأن بوصلة الحكومة حالياً تتجه نحو التسلية والترفية، في محاولة لإعطاء صانعي القرار الفرصة للعمل بعيداً عن آراء الرأي العام المتناقضة والتي لا تتفق على هدف محدد.

ويظهر التوجه الحكومي نحو تشجيع الترفية وعدم الاهتمام بما يتم إنجازه من مشروعات تنموية، من خلال ما يبثه التلفزيون الرسمي للدولة والذي يسير على الدرب نفسه.

وبرهن متابعون على أن التوجه نحو الترفية ظهر من خلال تقليص عدد ساعات برامج “التوك شو”، وكذلك على نوعية الموضوعات التي تناقشها، وإدخال قوالب إعلامية جديدة عليها ارتبطت بالتسلية والطهي والجوانب الفنية والرياضية، مع الاستعانة بالفنانين لتقديمها.

ويرى المتابعون أن تسطيح المشهد الإعلامي في مصر برمته له علاقة بمجمل الأوضاع السياسية بالمجتمع، حيث مرت الدولة المصرية بأربع سنوات لم تغب عنها السياسية يوماً واحداً منذ اندلاع ثورة يناير وحتى انتخاب البرلمان الأخير مطلع يناير 2015، أما الآن فلم يعد الاستغراق في المشكلات الاجتماعية والسياسية في البرامج التلفزيونية مفضلاً لا بالنسبة للمشاهدين أنفسهم، ولا للدولة التي تحاول إنهاء المرحلة السابقة لتدشين مرحلة جديدة أكثر استقراراً وأمنا.

كما أن الأدوار السياسية الكبيرة التي لعبها الإعلام الخاص في فترة ما قبل اندلاع ثورة يناير كان لها التأثير الكبير على رسم سياسات الإعلام الحالية، وذلك بعد أن أثبتت دراسات أنّ تركيز الإعلام في الفترة الماضية على التظاهرات والاعتصامات كان عاملاً مشجعا على خروج الملايين إلى الشارع أثناء الثورة.

لكن في المقابل فإن تعمّد الإعلام تجاهل المشكلات التي يعانيها المجتمع قد يدفع المشاهدين مرة أخرى إلى اللجوء إلى وسائل إعلام عربية تحمل بعضها توجهات سياسية معارضة للحكومة الحالية، وقد تنبه المسؤولون إلى ذلك، فتم تدشين قنوات إخبارية مصرية نجحت في التركيز على القضايا السياسية المصرية والعربية أيضاً.

وخلال الأشهر القليلة الماضية نجحت قناتا “إكسترا نيور” و”أون لايف” في تقديم خدمات إخبارية وتحليلات سياسية متنوعة على المستوى المحلي، فيما لم تحقق النجاح ذاته على المستوى الإقليمي ولم تنافس القنوات العربية الإخبارية الأخرى.

18