التسوق حيلة مكلفة لإزالة أثار القلق والتوتر

الأربعاء 2014/09/03
التسوق مضاد للملل ويجلب الشعور بالرضى

باستثناء قطع الأثاث الرئيسية وأطر الديكور، تعج أغلب المنازل بعدد لا متناه من المقتنيات التي تمثل في أغلبها سلعاً استهلاكية غير ذات قيمة في الاستخدام، أواني طعام وأكواب ملونة غير قابلة للاستخدام ترقد منذ سنوات في أدراج المطبخ، معدات رياضية مهملة في مخزن الحديقة وقطع ملابس غير مستعملة تزدحم بها خزانة الملابس وغيرها الكثير. ولأن بعض الناس لا يجدون إجابة محددة عن سبب وجود هذه المقتنيات في منازلهم، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً يتمثل في السبب الذي يدفعهم لشراء سلع هم ليسوا في حاجة حقيقية لها.

يرى بعض المتخصصين إن العقل الباطن هو الذي يحدد السلوك الاستهلاكي للناس، إضافة إلى عنصر الإغراء والتقنيات التسويقية التي يستخدمها أصحاب المحلات في جذب الزبائن لشراء بضائعهم، الذي يجعلهم يتنقلون بين سلعة وأخرى كالفراش، الذي يبحث عن الرحيق في بستان مليء بالأزهار من جميع الألوان والأشكال.

يشبه متخصصون في علم النفس المتسوق أو المستهلك –في أحيان كثيرة- بالمقامر الذي يغامره شعور طيب عند فوزه في اللعب للمرة الأولى ليستمر بعدها بالدافع ذاته للحصول على المزيد، حتى يكتشف في النهاية بأنه انساق وراء رغبته أكثر مما يجب، فالمدمن على التسوق قد يقع تحت طائلة الشعور بالرضا في أول الأمر إلا أن التمادي في ذلك يقوده في النهاية إلى الوقوع في مطب الإسراف.

ومع ذلك، فإن بعض الناس يستمدون قدراً هائلا من المتعة لمجرد امتلاك شيء جديد، حيث يقابل فعل الشراء لديهم مفهوم “التمكين” الذي لا يستطيعون تحقيقه في مجالات الحياة الأخرى إلا فيما ندر.

المدمن على التسوق قد يقع تحت طائلة الشعور بالرضا في أول الأمر إلا أن التمادي في ذلك يقوده في النهاية إلى الوقوع في مطب الإسراف

في حين، يرى البعض أن عملية التسوق مع ما تتطلبه من وقت وجهد كبيرين تدفع البعض للاعتماد على خاصية “الاستدلال المنطقي”، وهي طريقة مفيدة تساعد الناس على اتخاذ قراراتهم بسرعة ومن دون الحاجة إلى التحقق من التفاصيل، وهذه هي الثغرة التي ينفد من خلالها تجار التجزئة لإضافة بعض الحيل التي تجذب المستهلك وتختصر عليه الوقت والجهد وليس المال طبعاً، من خلال طريقة عرض وتغليف المنتجات والمزاوجة بين مقتنيات مختلفة أي بين الضروري والاستهلاكي، بطريقة قد تجعل من السلعة الاستهلاكية ضرورة بدورها. وهذا الأمر قد ينطبق على موسم التخفيضات، فرغبة البعض في توفير المال قد يدفعهم لشراء السلع الاستهلاكية المخفضة الأسعار، والتي تقتصر على مواسم شراء محددة من دون الحاجة الفعلية لها.

من ناحية أخرى، يزعم بعض الناس أن جولة تسوق حرة حتى وإن كانت من دون هدف محدد، من شأنها إزالة التوتر أو أي شعور بالملل أو الضجر أو حتى الاكتئاب البسيط، خاصة إذا كانت حصيلة هذا التسوق الحصول على زوج فاخر من الأحذية.

إلا أن متخصصين اعترضوا على هذا التفصيل على الرغم من إقرارهم بفكرة التسوق باعتبارها (حيلة) مكلفة لإزالة أثار القلق والتوتر لدى البعض، مؤكدين على أن شراء منتجات تقدم فائدة وتجربة مفيدة كالأحذية الرياضية والآلات الموسيقية وحتى ألعاب الفيديو، من شأنها أن تحقق نتائج ناجعة لعملية التسوق بشكل أفضل من مجرد اقتناء بضائع بداعي التباهي كالأحذية والحقائب والملابس ذات العلامات التجارية ذائعة الصيت.
وفرت كل من المقتنيات التي تقدم الفائدة معدلا أعلى من الرفاهية شأنها شأن التجارب الحياتية الممتعة، مقارنة باقتناء البضائع العينية

ورصد متخصصون في جامعتي ميتشيغان وولاية سان فرانسيسكو الأميركيتين، ردود أفعال متسوقين على اقتنائهم للمنتجات التي تقدم تجربة وفائدة إضافة إلى قيمتها المادية، ومدى أهميتها في تحقيق الرفاهية لهم.

وكانت دراسات سابقة عقدت مقارنة بين تسوق المواد العينية المادية التي يمثل الحصول عليها هدفا بحد ذاته، والمواد الأخرى التي يتمثل الحصول عليها في مدى فائدتها واستخدامها بصورة عملية. في حين جمعت هذه الدراسة بين المكونين في صورة بضائع لها قيمتها العينية والعملية في الوقت ذاته، مؤكدين على مدى فاعليتها في تحقيق الرضا وتحويل عملية التسوق إلى متعة وفائدة. وأشار الدكتور داروين غيفارا، المشرف على الدراسة التي ظهرت نتائجها في مجلة “علم نفس المستهلك”، إلى أن المنتجات التجريبية العملية تحقق عنصر الرفاهية للأفراد أكثر من المقتنيات المادية العينية، حيث تعبر الأولى عن استقلالية الفرد وهويته الذاتية وتعزز علاقته بالآخر وثقته بمهاراته.

وكان غيفارا وزملاؤه في جامعة ولاية سان فرانسيسكو، طلبوا من المشاركين التعبير عن مشاعرهم فيما يتعلق بقائمة مشترياتهم في الآونة الأخيرة، وما إذا بلغت جولات التسوق هذه هدفها في تحقيق السعادة والرضا الداخلي، حيث تم حصر قوائم المشتريات أو المقتنيات في مجموعات ثلاث: المقتنيات المادية- العينية مثل الملابس والمجوهرات والمنتجات التجريبية – العملية مثل الأجهزة الرياضية إضافة إلى التجارب الحياتية الممتعة مثل تناول الطعام خارج المنزل أو السفر أو حضور حفلة موسيقية، حيث وفرت كل من المقتنيات التي تقدم التجربة والفائدة معدلات أعلى من الرفاهية شأنها شأن التجارب الحياتية الممتعة، مقارنة باقتناء البضائع العينية. ومع ذلك، أكد الدكتور غيفارا على أن تجارب الحياة الممتعة في رأس القائمة على الدوام.

21