التسوية السياسية في أفغانستان تصنع سلاما لآسيا الوسطى

حركة طالبان تحاول طمس خطوط التواصل مع الجماعات المتطرفة لبلوغ أهدافها.
الاثنين 2021/03/22
السلام مثل الحرب.. معركة لها جيوش

تحاول حركة طالبان طمس خطوط التواصل والتلاقي التي جمعتها بالجماعات السلفية الجهادية في آسيا الوسطى، والتي كان لها دور مهم في تطوير نفوذ داعش والقاعدة المركزي، لتسكين هواجس وشواغل القوى الدولية والولايات المتحدة من أجل سحب قواتها من أفغانستان وإلزام إدارة الرئيس جو بايدن ببند مغادرة القوات بحلول الأول من مايو المقبل وفق الاتفاقية التي وقّعتها الحركة مع إدارة دونالد ترامب في الدوحة في فبراير 2020.

لن يقتصر تأثير التسوية السياسية في أفغانستان في حال اكتمالها بالتوصل إلى اتفاق بين طالبان وحكومة كابول على الوضع في الداخل، بل من المتوقع أن يمتد إلى المحيط الإقليمي، بالنظر إلى ارتباطات الجماعات السلفية الجهادية في آسيا الوسطى بحركة طالبان.

وكشف تقرير صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مؤخرا عن حجم التقارب والتعاون بين الجماعات السلفية الجهادية في آسيا الوسطى وطالبان والقاعدة، ما أعطى انطباعا، بأن السلام الأفغاني ستصل رياحه إلى خارج الحدود، وأن ترسيخ وجود المتمردين الإسلاميين كقوة رئيسية في البلاد يقتضي إعادة تموضع وتغييرات في السياسات المتعلقة بمجمل نشاطات الجماعات الجهادية المرتبطة بطالبان في دول آسيا الوسطى، وهي خمس جمهوريات سوفييتية سابقة أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان.

إذا سارت جهود السلام والمصالحة في أفغانستان نحو وجهتها الصحيحة ستتوخى طالبان الإمعان في تسكين هواجس وشواغل القوى الدولية والولايات المتحدة، خاصة في ما يتعلق بطمس خطوط التواصل والتلاقي التي جمعتها بجماعات السلفية الجهادية في آسيا الوسطى، والتي كان لها دور مهم في تطوير أداء داعش والقاعدة المركزي، ما منح منظمات إرهابية قدرة على الصمود في وجه التحديات في كافة أنحاء العالم.

كبح الجهاد العالمي

شكلت جماعات السلفية الجهادية في آسيا الوسطى المرتبطة بالقاعدة وطالبان تهديدا للقوى الغربية، والولايات المتحدة تحديدا، ونُسب الهجوم الإرهابي وسط مدينة نيويورك في أكتوبر 2017 الذي أوقع ثمانية ضحايا لمواطن من أوزبكستان يُدعى سيفولو سايبوف، كما أن انفجار مترو سانت بطرسبرغ في أبريل 2017 نفذه متشدد أوزبكي من جنوب قرغيزستان يُدعى أكبراجون دشاليلوف.

وحاول إرهابي أوزبكي يُدعى أولوجبيك كوديروف قتل الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في يوليو 2011، وجرى توجيه الاتهام إلى أكثر من عشرة من الأوزبك بالإرهاب بين عامي 2012 و2016 في الولايات المتحدة الأميركية، ووُجه الاتهام بشأن الهجوم على شاحنة في وسط العاصمة السويدية ستوكهولم في أبريل 2017 إلى مهاجر من أوزبكستان يُدعى رحمت عقيلوف.

وفي دلالة على تنامي الإرهاب والتطرف بين المهاجرين من آسيا الوسطى وتشعب نشاطاتهم في مختلف الساحات حول العالم خلال العشر سنوات الماضية، أدى الهجوم الإرهابي الذي نفذه مواطن من وادي فرغانة في آسيا الوسطى يُدعى عبدالقادر مشاريبوف في 31 ديسمبر 2016 إلى مقتل 39 شخصا في ملهى رينا الليلي في إسطنبول، كما وُجه الاتهام ضد مواطنين من قيرغيزستان وطاجيكستان، على خلفية الهجوم الإرهابي على مطار أتاتورك الدولي في يونيو 2016.

طبيعة أنشطة مقاتلي تنظيمات السلفية الجهادية القادمين من جمهوريات آسيا الوسطى والمرتبطين بعلاقات نوعية متينة بكل من طالبان والقاعدة والمتعلقة بساحات الجهاد العالمي واستهداف المصالح الأميركية والغربية، جعل طالبان لا تتوانى في استغلال هذه الورقة على سبيل المساومة وممارسة ضغوط مضافة على الولايات المتحدة لتسريع سحب قواتها من أفغانستان وإلزام إدارة الرئيس جو بايدن ببند مغادرة القوات بحلول الأول من مايو المقبل وفق الاتفاقية التي وقعتها الحركة مع إدارة دونالد ترامب بالدوحة في فبراير 2020.

طالبان لا تتوانى عن استغلال ورقة التنظيمات الجهادية المرتبطة بعلاقات نوعية معها لمساومة الولايات المتحدة

حرصت طالبان على الامتناع عن إبداء حفاوة وترحيب بما يعلنه قادة وجهاديو آسيا الوسطى بشأن العلاقات القوية التي تربطهم بالحركة، ومنعتهم من توثيق تلك العلاقات عبر نشر مقاطع الفيديو والصور على وسائل التواصل الاجتماعي.

وبضغوط من قادة طالبان اضطر أبويوسف المهاجر قائد الجناح السوري لكتيبة الإمام البخاري، وهي أحد الفصائل الجهادية الأوزبكية، وفق تقرير مجلس الأمن السابع والعشرين بشأن تهديدات وتحديات المنظمات الإرهابية العالمية، إلى حذف قصيدة نظمها لتهنئة طالبان بانتصارها على المعتدين الأميركيين في أفغانستان من قناته على تليغرام، كما أزال منشورا في يوليو الماضي تباهى فيه بالعمليات العسكرية الناجحة المشتركة للجهاديين الأوزبكيين مع طالبان ضد الجيش الأفغاني.

كي تحقق طالبان هدفها الرئيسي خلال هذه المرحلة، وهو وضع بنود اتفاقها مع واشنطن حيز التنفيذ وفي مقدمتها مغادرة القوات الأجنبية، تتوخى الحركة الظهور كأنها تمتثل لاتفاق الدوحة وبنوده المتعلقة بقطع الأواصر مع القاعدة والتنظيمات السلفية وفصائل الجهاد العالمية.

وفي الوقت الذي تمتنع فيه عن إظهار أي نوع من الترابط والتعاون مع تلك الفصائل مطالبة قادتها بالمثل، تترك طالبان لقادة تلك التنظيمات حرية إطلاق البيانات شديدة اللهجة والتحريضية ضد الولايات المتحدة، وهو ما وضح من تهديدات جهاديي آسيا الوسطى على صفحاتهم على تليغرام للغرب وواشنطن، مفادها تحويل أفغانستان إلى جحيم على القوات الغربية التي تمكث بعد تاريخ موعد سحب القوات الأجنبية، في ما يبدو تهديدا ضمنيا صادرا من طالبان، والتزاما ظاهريا ببنود الاتفاق المتعلقة بها عبر نفيها أي علاقة تربطها بتلك الفصائل.

وهذا التكتيك خدم إستراتيجية طالبان خلال المرحلة التي ترتكز على المُضي تحت غطاء رايات السلام مع مواصلة الهجمات في كافة أنحاء أفغانستان لخروج القوات العسكرية الأميركية من البلاد، واستعادة إمارة أفغانستان الإسلامية بقيادة أميرها الملا هبة الله أخوند زاده.

تشديد إدارة جو بايدن ضغوطها للحصول على شروط وضمانات كاملة وحرص طالبان على إنجاح الاتفاق، سيجعل الأخيرة أكثر حرصا على قطع علاقات المنفعة المتبادلة بينها وبين جهاديي آسيا الوسطى وعدم السماح بمشاركتهم في تنفيذ عمليات ضد الجيش وقوات الأمن الأفغانية، وهو ما ينعكس بالسلب على أداء الفصائل الجهادية الأوزبكية والطاجيكية وعلى مستوى تمويلها، ما من شأنه إحداث تغيير نوعي في خارطة العنف داخل أفغانستان ومحيطها الإقليمي، بالنظر للأدوار التي لعبتها فصائل جهاديي آسيا الوسطى في تطوير النشاط الإرهابي خلال السنوات الماضية.

سلام لخمس دول       

Thumbnail

نجاح عملية السلام الأفغانية بكل حمولاتها المناوراتية والتكتيكية من قبل قادة طالبان له انعكاس إيجابي على خمس دول ما بعد سوفييتية، نظرا لما ستؤثره بالسلب على حضور وأداء ومستوى دعم الجماعات الإسلاموية الأوزبكية الناشطة بتلك الدول التي لجأت إلى أفغانستان وشاركت في التمرد الذي قادته طالبان.

كانت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الشرارة الأولى لانضواء جهاديي آسيا الوسطى في صفوف القاعدة، حيث تحول العديد من أعضاء الحركة الإسلامية في أوزبكستان، وحركة تركستان الشرقية الإسلامية، إلى اعتناق أيديولوجيا القاعدة التكفيرية وانتقلوا إلى أفغانستان وقاتلوا تحت جناح طالبان.

أثبت جهاديو آسيا الوسطى تمرسا في القتال ضد جيوش باكستان وأفغانستان وحلف الناتو، لتبدأ موجة أكبر من زحفهم إلى الخارج عقب اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، وهي المرحلة التي انقسم خلالها الآلاف من مقاتلي آسيا الوسطى، فمنهم من اختار الاستمرار في صفوف طالبان والقاعدة، ومنهم من أعلن الولاء لداعش.

حركة طالبان تحاول طمس خطوط التواصل مع الجماعات المتطرفة لبلوغ أهدافها

الانضمام إلى خلافة البغدادي هو المحظور الأكبر بالنسبة لطالبان، خاصة إذا تعلق بالفصيل الأوزبكي المتمرس، لذلك سارع قادة طالبان بتوجيه ضربة قاسية للمنشقين أواخر 2015 وقتلوا زعيم التمرد عثمان غازي ومئة من مناصريه في قاعدة في مقاطعة زابول، وبعدها عاد معظم الجهاديين الأوزبك إلى حظيرة طالبان.

ظلت العلاقات وطيدة بين طالبان والحركات الجهادية الأوزبكية والطاجيكية الجهادية، وزادها رسوخا سقوط زعيم الجماعة المسلحة الأوزبكية عبدالعزيز يولداش وهو يقاتل بين صفوف طالبان خلال عملية نفذتها القوات الخاصة الأفغانية في نوفمبر الماضي، ونجل مؤسس الحركة الإسلامية في أوزبكستان الذي يحظى بمكانة رمزية القائد العسكري المتمرس طاهر يولداش الذي ربطته علاقة وثيقة بأسامة بن لادن وقاتل أيضا في صفوف طالبان.

يرجع تأثير السلام الأفغاني الذي تُعد طالبان أحد أركانه إيجابيا على خمس دول ما بعد سوفييتية إلى نجاح طالبان أولا في كبح تحول الحركة الأوزبكية الجهادية بالكامل إلى مبايعة داعش، وتاليا إلى قدرة طالبان على التحكم في مسارات وتوجهات جهاديي آسيا الوسطى عبر استخدام أدوات متنوعة في سبيل الالتزام ولو ظاهريا بمقتضيات بنود اتفاقية السلام المبرمة مع واشنطن.

يخضع جهاديو وسط آسيا للسيطرة العملياتية والمالية المباشرة لحركة طالبان، رغم توسع وتمدد نفوذهم وأنشطتهم القتالية من وادي فرغانة المكتظ بالسكان والواقع بين قيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان عبر أفغانستان إلى المناطق القبلية في باكستان نحو سوريا والشرق الأوسط.

لذا ذكر تقرير مجلس الأمن الحادي عشر بتاريخ 27 مايو الماضي بشأن عقوبات طالبان “أن الحركة الإسلامية في أوزبكستان لم تُظهِر أي نشاط عملياتي مستقل منذ عدة أعوام، ولا تزال تحت قيادة طالبان وسيطرتها المالية”.

مصالح الصين وروسيا

gggg

تهدف الصين خلال مرحلة ما بعد إتمام السلام الأفغاني وسحب القوات الأميركية لمنع التنسيق والتواصل بين طالبان والمتشددين المسلمين من طائفة الأويغور الساعين للانفصال عن الصين، لاسيما المنضوين بحركة تركستان الشرقية الإسلامية الناشطة بإقليم شينغيانغ، كما تسعى لتعميق شراكتها مع أفغانستان وباكستان لتحقيق هدفها الإستراتيجي المتمثل في إنشاء طريق حرير يربط القوقاز بغرب الصين.

بكين التي تواصل تعاملها الإيجابي مع طالبان تنظر إلى أفغانستان كحلقة وصل رئيسية بين جمهوريات آسيا الوسطى، وبمثابة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، حيث توفر أفغانستان أقصر طريق بين الصين والشرق الأوسط، وبين آسيا الوسطى وجنوب آسيا.

أحجمت طالبان بدورها عن التجاوب مع دعوات عبدالحق التركستاني زعيم حركة تركستان الشرقية الإسلامية مطالبا القاعدة وطالبان بتقديم الدعم لقضية الأويغور، على الرغم من علاقة التحالف والشراكة في القتال التي تربط بينهما، نظرا لرغبة الحركة الأفغانية في عدم استعداء الصين وتقديمها لمصلحتها حال صعودها للسلطة في أفغانستان مع الصين التي تعد أكبر شريك تجاري لأفغانستان وأكبر مستثمر في مشروعاتها.

تدرك موسكو مدى أهمية أمن واستقرار الجمهوريات السوفييتية السابقة التي تُعد بمثابة فضائها الحيوي والإستراتيجي، خاصة جمهوريات آسيا الوسطى الواقعة بوسط القارة وتبلغ مساحتها أكثر من أربعة ملايين كيلومتر مربعة ويزيد عدد سكانها عن ستين مليون نسمة.

وهي مستهدفة منذ عشر سنوات بأيديولوجيا السلفية الجهادية التكفيرية ومهددة بعودة الآلاف من الناشطين والمقاتلين الذين مارسوا العنف والإرهاب في صفوف داعش والقاعدة في ساحات الشرق الأوسط.

تحول روسيا إلى بناء تحالفات مع حركة طالبان الأفغانية بالنظر لمآلات الأوضاع بعد الانسحاب الأميركي وإتمام السلام الأفغاني، ينجم عن توجس موسكو من انتقال خطر داعش إلى جمهوريات آسيا الوسطى خاصة مع تبلور مشروع جهادي مواز يناهض سياقات وخيارات طالبان، رابطا بين نشاطات أفرع تنظيم الدولة من ولاية خراسان بأفغانستان وباكستان إلى سوريا والشرق الأوسط وصولا إلى توفير الدعم الفني والعون اللوجستي لتنفيذ الهجمات الإرهابية داخل بلدان آسيا الوسطى.

السلام الأفغاني والمسؤوليات التي ستقع على عاتق طالبان ضمانا لأمن ومصالح القوى التي ساندتها وأسهمت في إنجاح تحولها مجددا إلى حركة حاكمة ومن ضمنها روسيا، يقتضي المزيد من الاحتواء للجهاديين والإسلاميين داخل التجربة المحلية الأفغانية، والمزيد من مظاهر بسط طالبان هيمنتها على مفاتيح الحل والعقد لمختلف تلك الفصائل داخل أفغانستان وبجوارها الإقليمي.

لمجابهة خطر الجماعات السلفية الجهادية في آسيا الوسطى ومقاتلي دول ما بعد الاتحاد السوفييتي الذين قادوا الجهاد في سوريا وأفغانستان، تراهن روسيا بشكل رئيسي على بناء شراكة إستراتيجية مع حركة طالبان بعد إتمام السلام الأفغاني، بالنظر لمكانة أفغانستان كملاذ آمن وساحة جهاد وتدريب للحركة الإسلامية في أوزبكستان واعتمادا على علاقتها القوية وطويلة الأمد مع قيادة طالبان.

13