"التسوية السياسية" لعراق ما بعد داعش.. توافق على أهميتها

الثلاثاء 2016/12/13
سياسيون: العراق سيبقى عصيا عن التقسيم

بغداد ـ مع احتدام المعارك مع تنظيم داعش في مدينة الموصل (شمال)، آخر المراكز الكبيرة للتنظيم في العراق، أعلن التحالف الوطني الشيعي (أكبر كتلة برلمانية) أنه بصدد بلورة مبادرة لـ"تسوية سياسية" تهدف إلى تصفير أزمات البلد الداخلية والخارجية لخلق بيئة سياسية مواتية للنهوض بالعراق في مختلف النواحي في مرحلة ما بعد طرد التنظيم الإرهابي.

وبينما يبدو أن هناك توافقا بين القوى السياسية الرئيسية في العراق، وخاصة السنية والكردية، على أهمية هذه "التسوية السياسية"، إلا أن بعض القوى تشكك في جدية الطرف المبادر إليها؛ بدعوى أن مبادرات سابقة تم الاتفاق عليها، لكن لم يتم تطبيقها فعليا، مشددة على ضرورة أن تكون التسوية شاملة، ومقبولة من الأطراف كافة.

المبادرة يشرف عليها عمار الحكيم، رئيس التحالف الوطني الشيعي، وضمن حشد الدعم لها، بدأ الحكيم تحركات خارجية، شملت زيارة إلى الأردن، الأربعاء الماضي (7 ديسمبر الجاري)، التقى خلالها الملك عبد الله الثاني.

على هامش اللقاء، قال الحكيم إن لدى التحالف الوطني مشروعا وطنيا هدفه جمع العراقيين جميعا تحت مظلة العراق ووحدة شعبه وأراضيه، معربا عن الأمل بأن يلقى هذا المشروع الدعم من الأطراف كافة، دون أن يكشف عن تفاصيله.

وقالت مصادر سياسية عراقية مطلعة إن الحكيم طلب وساطة ملك الأردن لإقناع الأطراف السنية بالمشاركة في مفاوضات التسوية، خاصة أن البعض يبدي عدم ثقة في التحالف.

كما بدأ الحكيم، السبت الماضي (10 ديسمبر الجاري)، زيارة إلى إيران على رأس وفد شيعي، والتقى بالمرشد الإيراني الأعلى، على خامنئي.

وفيما لم تخرج تفاصيل عن الاجتماع، قالت المصادر السياسية العراقية ذاتها إن المباحثات تعلقت بمبادرة "التسوية السياسية"، وكيفية دعم طهران لها، خاصة أن الأخيرة لديها علاقات واسعة مع كثير من القوى السياسية في العراق، وخاصة المكون الشيعي.

ضد التقسيم ومع التنمية

وبينما لم يتم الإعلان رسميا عن بنود مبادرة "التسوية السياسية" بانتظار بلورة كافة تفاصليها، كشف حبيب الطرفي، وهو عضو في التحالف الوطني، عن الخطوط العريضة للمبادرة.

الطرفي، وهو من "كتلة المواطن" التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى، بزعامة الحكيم، قال إن المبادرة تركز على نقاط عدة، أبرزها مواجهة مخططات لتقسيم العراق في مرحلة ما بعد طرد "داعش"، وخلق بيئة سياسية تمكن من النهوض بالبلد في مختلف النواحي، وخاصة التنموية والاقتصادية.

ومضى قائلا إن "المبادرة ستطرح للرأي العام بكل تفاصيلها بعد تحرير مدينة الموصل (ذات أغلبية من العرب السنة) من داعش (يسيطر عىلى المدينة منذ حزيران 2014)، وهي خارطة طريق لمرحلة ما بعد داعش، كون العراق قبل داعش ليس كما بعد داعش؛ لذا فإن التسوية تؤكد على أن العراق سيبقى عصيا عن التقسيم".

واعتبر أن "ملف التسوية السياسية يمثل ضرورة ملحة لإدارة مرحلة ما بعد داعش، وهي تبحث عن ضرورات العيش المشترك بين أبناء الشعب الواحد، ولن تشمل التسوية من تلطخت أيدهم بدماء العراقيين والبعثيين (المنتمين لحزب البعث الحاكم إبان عهد الرئيس الراحل صدام حسين) وكل من هو مطلوب للقضاء".

و"التحالف الوطني الشيعي" هو تحالف سياسي عراقي، أعلن تشكيله رئيس الوزراء الأسبق، إبراهيم الجعفري، في 24 أغسطس 2009، وفاز بانتخابات البرلمان عام 2014، حيث يمتلك 180 مقعدا من مقاعد البرلمان البالغة 328 مقعدا.

ويضم هذا التحالف معظم التيارات الشيعية في العراق، وأبرزها "ائتلاف دولة القانون"، بزعامة نوري المالكي و"المجلس الإسلامي الأعلى"، بزعامة عمار الحكيم، و"حزب الإصلاح"، بزعامة الجعفري، و"التيار الصدري" بزعامة مقتدى الصدر، و"منظمة بدر"، بزعامة هادي العامري.

تشكيك سني وشيعي

التيار السني التقط طرف الخيط من التحالف الوطني، حيث دعا رئيس البرلمان، سليم الجبوري، المنتمي إلى كتلة "اتحاد القوى العراقية" (الكتلة السُنية)، السبت الماضي، إلى عقد لقاء عاجل للأطراف السياسية في العراق والاتفاق على تفاهمات لمرحلة ما بعد "داعش" دون شروط مسبقة. لكن رغم ذلك، تبدي الكتلة السنية تشككا في جدية التحالف الوطني في التوصل إلى تسوية سياسية فعلية.

وقال مظهر خضر، عضو كتلة "اتحاد القوى العراقية" (53 مقعدا)، إن "القوى السُنية لا ترى أي تغيير في الواقع السياسي، سواء بوجود التسوية السياسية أو دونها.. لدينا تجربة سابقة مع القوى الشيعية، فهناك نحو أربع مبادرات للتسوية طرحت على مدى السنوات الماضية، لكنها لم تطبق بشكل فعلي على أرض الواقع".

تطبيق المبادرات بشكل فعلي على أرض الواقع

خضر تابع بقوله، في تصريحات أن "الإبقاء على العراق موحدا لا يحتاج إلى تسوية سياسية وتوافقات؛ فالقوى السُنية لا تريد التقسيم أو إقامة أقاليم (فيدرالية) طالما العدل والمساواة والحقوق متحققة ومحفوظة من الطرف الآخر، الأمر يحتاج إلى مصداقية وتطبيق، وليس إلى اجتماعات ومبادرات جديدة".

وقبيل تشكيل حكومة حيدر العبادي الحالية عام 2014، توصلت القوى السياسية العراقية إلى ثيقة عُرفت باسم "وثيقة الاتفاق السياسي"، تضمنت مطالب أساسية لكل كتلة توجب على الحكومة تنفيذها وفق جدول زمني، وهي أساس مشاركة القوى السُنية في الحكومة، لكن لاحقا قالت القوى السُنية إن القوى الشيعية لم تنفذ بنود الوثيقة.

وفي هذه الوثيقة، تضمنت مطالب القوى السُنية 14 بندا أبرزها، إنهاء التهميش والإقصاء بحق العرب السنة في إدارة الدولة، وإطلاق سراح المعتقلين الأبرياء من السجون، على خلفية تهم الإرهاب.

التشكيك في مبادرة التحالف الشيعي للتسوية السياسية لم يقتصر على القوى السنية فقط، وإنما شمل أيضا، قوى شيعية؛ إذ قال إياد علاوي، رئيس "ائتلاف الوطنية" (21 مقعدا)، الأربعاء الماضي، إن المبادرة "لا تقدم حلولا واقعية".

وعلى هامش لقائه ممثل منظمة الأمم المتحدة في بغداد، يان كوبيش، قال علاوي إن المبادرة لا تمثل العديد من القوى السياسية وشرائح المجتمع العراقي وتفتقر الى التشخيص الموضوعي لطبيعة الأزمة السياسية.

الكتلة الكردية تشترط التوافق

الطرف الكردي (السني)، الذي يتبنى مبدأ الحياد في الأزمات بين بقية القوى السياسية السُنية والشيعية، ينظر إلى مبادرة التحالف الوطني الشيعي بشكل إيجابي، لكنه يشدد على ضرورة أن تتوافق جميع القوى السياسية في العراق على بنودها قبل بدء المفاوضات بشأنها.

وقال أمين بكر، عضو كتلة "الاتحاد الاسلامي الكردستاني" (الكتلة الكردية): "من حيث المبدأ، فإن البدء بمبادرة لتسوية الخلافات السياسية بين الأطراف شيء إيجابي، لكن هذا التحرك يجب أن يكون مسبوقا بتوافق القوى السياسية مجتمعة على أسس التسوية السياسية".

بكر اعتبر أن "الأبزر في التسوية السياسية أن تكون شاملة، وأن لا تقصي أي طرف سياسي؛ كي تكون مقبولة من باقي الأطراف السياسية".

وبخصوص الإقليم الكردي في شمال العراق، تضمنت "وثيقة الاتفاق السياسي" عام 2014 بنودا عدة تتعلق بتزويد قوات البيشمركة (جيش الإقليم) بالإمكانات اللازمة للقيام بمهامها، وإيجاد الحلول المناسبة لمشكلة مدينة كركوك (الغنية بالنفط والمتنازع عليها) وسائر المناطق المتنازع عليها (بين الإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد)، وحل الخلافات العالقة بين أربيل وبغداد في ملفي الموازنة العامة، وتصدير النفط.

ويأتي طرح ملف التسوية السياسية بعد تحذيرات أطلقتها أطراف داخلية وخارجية من خطورة مرحلة ما بعد طرد "داعش" من الموصل، مركز محافظة نينوى، بسبب غياب التوافق السياسي على قضايا أساسية تتعلق بالمدنية، ومنها طبيعة الإدارة في ظل التعددية السياسية والقومية والطائفية في نينوى، التي تشهد عملية عسكرية ضد داعش منذ 17 أكتوبر الماضي.

وتقول القوى السُنية في العراق إن ظهور تنظيم "داعش" واكتساحه العديد من المحافظات العراقية عام 2014 جاء نتيجة الخلافات السياسية، وتفرد أطراف شيعية في حكم البلد، وغياب الرؤية المشتركة لإدارة المؤسسات الحكومية، خصوصا الأمنية والسياسية. وهو ما تنفيه الحكومة العراقية.

1