التسويق الفيروسي استراتيجيات يتبعها البنتاغون لتسويق هجمات وهمية

السبت 2016/11/19
التسويق الفيروسي ينتقل من مهمة نشر الممنوعات إلى نشر الإرهاب

إسطنبول- قبل عدة أيام أقدمت صفحة تحمل اسم “فيرال يو أس آي” على موقع فيسبوك على نشر بث مباشر استمر للعديد من الساعات، تضمّن وبحسب الناشرين تصويراً لمعارك تخوضها عناصر من القوات الخاصة الأميركية مع تنظيم داعش على الأرض السورية. التوقيت الذي اختير لإجراء البث المباشر جاء في فترة الليل، بينما كانت المشاهد التي يتم عرضها تجري في النهار، ما يؤكد أن أصحاب هذه الخطوة كانوا يبثّون مادة مسجّلة، ولكن من خلال تقنية البث المباشر التي باتت في متناول أغلب المشتركين في فيسبوك.

ما لا تنشره وسائل الإعلام

إلى هنا تبدو القصة عادية في السياق. فعناصرها كلها معتادة، إذ ثمة حرب تجري وقائعها في مكان ما من العالم، وثمة كاميرا تصوّر دون توقّف مجموعة تقاتل عدوّاً ما، اتفق العالم كله على أنه خطر، وأيضاً ثمة وسيلة سهلة ومتاحة لبث ما تم تصويره في الواقعة. ولكن ما هو غير عادي في القصة جاء من جهة عدد المشاهدين، والآليات التي اعتمدت للنشر، والتي يمكن اختصارها بتطوع الجمهور على فيسبوك للقيام بدعوة الجمهور للمشاهدة؛ فرغم أن عدد مشتركي هذه الصفحة لم يزد حتى اللحظة عن ثلاثة آلاف مشترك، إلا أن عدد من قاموا بنشر رابط الفيديو على صفحاتهم الشخصية (شير أو مشاركة) تجاوز في لحظتها المئة ألف مستخدم.

كما كانت مؤشرات المشاهدة تقدم رقماً عالياً تجاوز نصف المليون مشاهد، أي أن عملية المتابعة كانت تتمّ بنسبة محددة من خلال الصفحة ذاتها، وكذلك من خلال صفحات الآخرين الذين قاموا بالبث على صفحاتهم عبر المشاركة، وقد وضّحت التعليقات التي كتبها البعض على البث، وجود عدد هائل من المهتمين الذين أثارتهم المشاهد العنيفة التي قدمها ذلك الفيديو.

تجربة عبدالله إكس
نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن ساشا هافليتشيك رئيسة مؤسسة الحوار الاستراتيجية للأبحاث في لندن قولها إنه ينبغي “استخدام تقنيات التسويق على الإنترنت التي تعتمدها الشرطات لمواجهة دعاية تنظيم داعش الذي يعتبر متمكناً من استخدام الإنترنت لاستهداف وجذب عناصر جدداً. وقالت هافليتشيك إن تنظيم داعش يتمتع بإدارة للتسويق والعلامة التجارية، فأين إدارتنا نحن؟”.

وتابعت ساشا أن المؤسسة قامت بالعديد من التجارب عبر غوغل أيدياز وتويتر وفيسبوك في محاولة لمبارزة المتشددين أيديولوجيا، مباشرة أمام مجنّدين محتملين. وبالتالي استخدمت المؤسسة وسائل التسويق الفيروسي لنشر تسجيلات فيديو لشخصية عبدالله إكس الخيالية، وهو يحاول صد رسائل المتشددين إلى الشباب المسلم.

وتضيف هافليتشيك “أدرجنا الفيديو على حسابات تويتر ونشرناه على مواقع متشددة وجعلناه يبرز على محركات البحث كلما أدخلت كلمات البحث “سوريا+و+الجهاد”، وفي غضون أشهر ارتفع عدد مشاهديه من 50 شخصاً إلى 100 ألف في الشريحة المستهدفة، أي الساعين إلى الجهاد في سوريا”.

وتابعت أن “المؤشر الأفضل لنجاح هذه الاستراتيجية هو نشر تنظيم داعش “خمس صفحات للرد على حجج عبدالله إكس”.

كما أجرت المؤسسة تجربة عبر فيسبوك “لالتقاط الذين يوشكون على الانخراط في العنف” عبر اقتراح حوار بين فردين على أشخاص يبدون اهتماما بالتشدد.

وأضافت “حتى الآن لا أحد يخاطب هذا الجمهور عبر الإنترنت إلا أجهزة الاستخبارات والجماعات المتشددة”. وتكمن المرحلة التالية في رؤية إن كان تشغيل هذا البرنامج آلياً ممكناً لمضاعفة انتشاره.

لذلك ينبغي على الشركات الخاصة المتمكّنة أصلاً من هذه التقنيات لأغراض تجارية أن تقدّم خدماتها إلى جمعيات وناشطين يسعون إلى صدّ دعاية تنظيم داعش بحسب هافليتشيك.

صفحة “فيرال يو أس آي” قامت في اليوم التالي بحذف رابط فيديو البث المباشر، ولكن هذا لم يكن كافياً لأن ينسى المستخدمون كيف يمكن لتقنية البث المباشر أن تطلعهم على أشياء لا تنشرها وسائل الإعلام التقليدية، وبالتأكيد فإن حذف الفيديو لا يكفي لأن ينسى المحللون لتطورات الميديا في الوقت الحالي كيف يمكن للتسويق الفيروسي أن يخلخل الأنماط التقليدية في النشر، وفي الترويج على شبكات التواصل الاجتماعي.

“فيرال ماركتينغ” أو “التسويق الفيروسي”، هو الاصطلاح العام السائد الذي يعبّر عن قيام الشركات أو أصحاب المنتجات، المادية أو الفكرية، بعملية تسويق ما يقع إنتاجه عبر وسائل التواصل الاجتماعي راهناً. ومنذ تحوّلت شبكة الإنترنت إلى مجالٍ متاحٍ لجميع المستخدمين، صار العمل الإعلاني فيها جزءاً من عملية التسويق (التسويق بالكلام)، التي تدرّ على أصحاب الشركات أموالاً كبيرة. وفي الوقت ذاته صار هذا التسويق عملية اقتصادية تُسال فيها أموال طائلة على مستوى العالم، فقد بدأت الإعلانات التجارية تظهر في المواقع الإلكترونية، وفي البريد الإلكتروني، وفي المدونات الشخصية، وفي محركات البحث، وفي شبكات التواصل الاجتماعي.

ولكن هذه الطريقة في نشر الإعلانات تشبه في الحقيقة ما يجري على الأرض في الحياة الطبيعية، فقد غزا الإعلان كل شيء في حياتنا، وقد جرت عملية تأقلم شبه طبيعي بين المستهلكين وبين المنتجين وشركات التسويق التي تعمل على ضخ الإعلانات عبر الوسائل الإعلامية. وتسمّى هذه العملية بالتسويق الفيروسي غير النشط بمعنى أن الرسالة الإعلانية تخرج من بؤرة البث أو المصدر إلى جهات المستهدفين، دون أن يكون هؤلاء قد قاموا بإعلان رغبتهم في تلقّيها، ودون أن يقوموا بإعادة نشرها.

أكثر من مجرد عملية تسويق

ولكن التحوّل الأخطر والأهمّ في عملية التسويق جاء من خلال تحويل فعل الإعلان، من عملية تفرض على المستهلكين الذين يتلقونها عبر القنوات الاتصالية الإلكترونية السابقة، إلى عملية تفاعلية، يتطوع فيها المستهلك ذاته، أو المتلقّي الإعلان، ليقوم بإعادة نشره ضمن الفضاء الخاص به، أي ضمن قائمة أصدقائه، أو في الصفحات أو المجموعات أو المنتديات التي يشترك فيها، وبينما كان هذا المستهلك يقوم في السابق أحياناً بإعادة إرسال الإيميل إلى عدد من أصدقائه، صارت العملية في مواقع التواصل الاجتماعي سهلة وسريعة، إذ يكفي أن يقوم المستخدم بإعادة نشر إعلان المنتج أو الرسالة الترويجية وغيرها على صفحته، أو أن يقوم بالإشارة إلى أصدقائه بما يؤدّي في النهاية إلى تدفق هائل للسلعة على الشبكة، دون أن يضطر منتجوها أو القائمون عليها إلى دفع أيّ مبالغ مالية في سبيل نشرهم لها.

ومن خلال ما سبق يتّضح لنا سبب اقتران تسمية هذه الاستراتيجية بكلمة “الفيروس”، فالإعلان أو المنتج أو الرسالة تنتشر بسرعة هائلة بين مستخدمي الإنترنت مثل الفيروس الذي “تنتقل العدوى فيه بسرعة بين الأشخاص دون القدرة على السيطرة عليه من قبل الأشخاص وحيث يكون الكثير من الأشخاص معرضين للإصابة بهذا الفيروس المتمثل بالفيديو أو الصورة أو المقالة أو الرابط والذي يمكن أن ينتقل بسرعة من شخص إلى آخر عن طريق الشبكات الاجتماعية”.

بالعودة إلى واقعة بث فيديو المعارك المشار إليها أعلاه، فإن عملية النشر جرت عبر هذه الطريقة التسويقية. ولكن علينا ملاحظة أن المنتج الذي تمّ تسويقه لم يكن بضاعة مادة تجارية، بل كانت مشاهد عنف بالغة القسوة، ورغم الحيز الكبير من الإثارة التي تحتويه، إلا أن تطوع المستهلكين بالقيام بنشرها، يعيدنا إلى سياق طويل من استخدامات التسويق الفيروسي، جرى من خلاله تطويع عقل المستهلكين وتحويله من موقف الرفض الشديد لمشاهدة الفيديوهات العنيفة، إلى التقبل البسيط لها، ومن ثم توسّع مشاهدتها، وصولاً إلى الذهاب عن سبق الإصرار إلى فعل المشاهدة، وانتهاءً بالقيام بإعادة نشرها.

نتحدّث هنا عن تاريخ زمني قد يقارب عقدا كاملا، ضخت فيه الحركات المتطرفة الفاعلة على مستوى العالم كلّه الآلاف من الأفلام المصورة، التي تحتوي جرعات عالية من العنف؛ أفعال تعذيب وإعدامات بوسائل متعددة. وقد كانت هذه الجرعات تصل إلى الجمهور من خلال التسويق الفيروسي غير النشط في البداية، ولكن عملية الضخ الأيديولوجي ذات المنحى الديني والمذهبي، كانت تؤسس للأرضية التي ستوجب على كل مستخدم على شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في وقت لاحق، يجد نفسه منتمياً إلى ساحة هذا الصراع، أن يقوم بالمساهمة في هذه الساحة “الجهادية”، عبر الاندماج أكثر فأكثر في عملية نشر الأفلام المضادّة، وهكذا باتت قيادة الصراع على الشبكة ومع وجود هذه الأرضية المتحفّزة، لا تتطلب سوى أن يقوم صناع الأفلام بعنونتها بعبارات تحريضية ثم نشرها ضمن الصفحات ذات الصلة، وترك الأمر بعدها لجيوش كاملة من المستخدمين الذين سيقومون بنشرها على أوسع صعيد.

هذه الحرب المعلنة والتي تقوم على استراتيجية التسويق الفيروسي لم تكن حكراً على المنظمات الإرهابية فقط، بل كانت تمتد لتصل إلى الأجهزة الاستخباراتية والأمنية في دول عظمى أيضاً. فقد كشف تحقيق مشترك لكل من صحيفة “صنداي تايمز” ومكتب التحقيقات الصحافية نشر قبل شهرين تقريباً عن عمليات أميركية غير قانونية، دفعت فيها وزارة الدفاع الأميركية الملايين من الدولارات لشركة علاقات عامة، لتنتج أشرطة فيديو مزورة منسوبة لتنظيم القاعدة في العراق، والقيام بعمليات حرب نفسية، وذلك بعد غزو العراق عام 2003.

حرب التسويق الفيروسي

تم نشر تلك الأفلام عبر الإنترنت من أجل توريط عدد كبير من المستخدمين في سياق الحرب التي تشنها وزارة الدفاع على الإرهاب، وبحسب مارتن ويلز وهو أحد العاملين في الشركة، كان يعمل خبيراً في إنتاج الفيديوهات، فإن أهم جزء من البرنامج هو إنتاج مواد إعلامية مزوّرة منسوبة لتنظيم القاعدة، وعن هذا قال ويلز “كنا بحاجة إلى عمل هذه الأفلام، ولهذا استخدمنا لقطات من تنظيم القاعدة، وكان يجب أن تكون مدتها 10 دقائق، وبشكل معيّن ومشفر”.

وبينت الصحيفة التي قامت بنشر التحقيق أنه لا تمكن مشاهدة هذه الأفلام إلا عبر الإنترنت، ومن خلال برنامج “ريل بلير” وهو ما يؤدي إلى نقل المعلومات الخاصة بالشخص الذي قام بمشاهدتها إلى قاعدة فيكتوري الأميركية. وأضاف ويلز أن المعلومات كانت تعود إليه، وإلى مسؤول عسكري بارز، ويقول “لو ظهرت الأشرطة في مكان ما في العالم، فإن هذا مثير للانتباه، ويساعد على تتبّع الأثر”، وأضاف أن الأشرطة ظهرت في سوريا وإيران وأميركا، مشيراً إلى أن عمله في العراق اشتمل على التعاون مع قوات المهام الخاصة للعمليات الدعائية، والعمليات النفسية لقوات العمليات الخاصة المشتركة.

شبكة الإنترنت تبدو اليوم وقد تحولت إلى مجال متاح لجميع المستخدمين، وصار العمل الإعلاني فيها جزءا من عملية التسويق (التسويق بالكلام)

ويتضح من السياق الذي كشفته هذه الفضيحة أن عملية نشر الفيديوهات كانت تستند وبشكل رئيسي على استغلال استراتيجية التسويق الفيروسي من أجل التوغل أكثر فأكثر ضمن الساحات الجهادية الإلكترونية. ولكن هذه الغاية التي يبررها الأمنيون بأنها ضرورة لكشف عمل التنظيمات الجهادية، كانت تنطوي على تورّط لا أخلاقي في إعادة إنتاج صور جديدة للإرهاب ذاته، ما يعني وجود شراكة في التأثير على عقل المستخدمين (جمهور الجهاديين) وأنماط سلوكيّاتهم، واستغلال هذا في سياق الحرب، ومحاولة الإيقاع بهؤلاء وبأشخاص المتعاطفين معهم، دون النظر في الأسباب التي تدفع هؤلاء للتوجه نحو هذه الجهة أو تلك، وهي فعلياً أسباب سياسية واقعية تجري تفاصيلها على الأرض.

مراجعة الاستراتيجيات التي بذلتها دول العالم في سبيل مكافحة الإرهاب على شبكة الإنترنت توضح كيف أن داعش وغيره من التنظيمات قامت بنصب فخ للإعلام ولمستخدمي الشبكة تقوم تفاصيله على صناعة الفيديو العنفي، ثم نشره على الشبكة وتركه لفترة وجيزة، وبينما كانت الأجهزة الأمنية تقوم بحظر الفيديو كانت الميديا التي تنشر بعض تفاصيله الخبرية، وكذلك جيوش المستخدمين تعيد نشره بطرق ملتوية، عبر التسويق الفيروسي، ما يؤدي في النتيجة إلى وصوله أكثر فأكثر إلا أوسع الشرائح المستهدفة.

وفي الجهة المقابلة ظلت آليات المعالجة الرسمية لدى الدول التي أعلنت الحرب على الإرهاب لسنين طويلة قاصرة، ولا ترى المسلمين في بلدانها أو في دولهم إلى من خلال العين الأمنية وكاميرات المراقبة، وقد كان لافتاً في قمة مكافحة التطرف التي عقدت في واشنطن بداية العام الماضي وجود رؤية لدى أوباما ذاته -وصفت من قبل المتابعين بالبطيئة- والذي رأى بأن “الفيديوهات عالية الجودة واستخدام الشبكات الاجتماعية وحسابات الإرهابيين على تويتر صمّمت للوصول إلى الشباب عبر الإنترنت…فهؤلاء الإرهابيون هم أولاً خطر على المجتمعات التي يستهدفونها. وعلى هذه المجتمعات أن تبادر وتحمي نفسها بنفسها. هذا يصح في أميركا وغير أميركا”.

وبحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية فإن إدارة أوباما ستنظم “منتديات تكنولوجيا” تشمل شبكات التواصل الاجتماعي وممثلي الحكومات والمجتمع المدني والديانات بهدف “تطوير مضمون رقمي ينقض حجج المتشددين (…) ويبرز البدائل الإيجابية، كما ستساعد الخارجية الأميركية الطلاب حول العالم على تطوير مضمون رقمي لمواجهة التشدد. وعينت الإدارة مبعوثا خاصا للتواصل الاستراتيجي لمكافحة الإرهاب في الخارجية من أجل العمل على “تعطيل تأثير الدعاية الإرهابية”.

14