"التسويق الوردي" مصيدة الشركات لتحويل النساء إلى مدمنات على الشراء

حيل تسويقية خادعة تؤثر على نزعة الشراء والتسوق لدى المرأة.
الأحد 2020/09/20
الألوان القوة الوحيدة التي يمكنها التأثير على الروح

يشكل الناس روابط مختلفة السمات مع الألوان على تنوعها، لكن مسألة أن يُترجم اللون الوردي هوية المرأة، أو يؤثر على وعيها وقرارها الشرائي، فهذا يمثل بالأساس جزءا لا يتجزأ من الثقافة الاجتماعية التي شبت عليها والتجارب الحياتية التي عاشتها، وهو ما يعني أن المرأة تكرس وقتا ومالا، لمحاولة الخضوع للقواعد الجنسانية الخفية المتعلقة بألوان الملابس والسلع، من أجل التناغم مع الواقع المحيط بها، وهذا السلوك يمثل الوتر الحساس الذي تعزف عليه شركات التسويق لتحقيق مكاسب مالية.

تكتسي الكثير من الخدمات والسلع الموجهة للمرأة باللون الوردي، ويمكن أن تدفع بعض النساء أسعارا مضاعفة لشراء السلع الوردية، التي قد يوجد تطابق بينها وبين منتوجات الرجال، مع فارق في السعر.

وتلعب هذه الآلية التسويقية على وتر اللون الوردي الذي يشكل جزءا من مفهوم المرأة الذاتي عن نفسها، فهي تعتقد أن ذلك اللون يعبر عن هويتها الأنثوية.

وهناك استراتيجيات تسويقية عديدة تخصص للنساء بشكل عام، في مختلف الأماكن والمجتمعات، يضعها الخبراء استنادا إلى دراسات اجتماعية ونفسية لسلوك النساء حتى تحفزهن نفسيا لشراء منتوجات معينة.

وتعتمد هذه الاستراتيجيات على عناصر كثيرة تخاطب وعي المرأة وتدفع تفكيرها إلى التركيز على “فرصة الشراء”، وقد أثبتت بعض التجارب نجاحها في جلب الانتباه والنفاذ إلى نفس المرأة لإقناعها بمنتجات بعينها.

وذكرت بولي يونغ إيسينراثاث، أستاذة الطب النفسي الأميركية في دراسة لها أن الإعلانات التجارية لها دور كبير في تشجيع النساء على شراء الكثير من الأغراض التي لسن في حاجة إليها، وأن الطرق التي تتوخاها الإعلانات التجارية، هي منح المرأة شعوراً بأن التسوق يعزز من قوتها وكيانها الخاص.

وبات من الشائع استخدام الشركات لتنويهات وعبارات ووسائل مختلفة للتسويق بشكل غير مباشر ولجعل أدمغة النساء تتوقف عن التفكير العقلاني، فيصبح بالتالي من السهل جدا إثارة الحافز الذي يدفعهن للشراء.

منتوج للنساء فقط

%90

من أحكام المستهلكين على المنتجات مبنیة على اللون، كما أن الرغبة في الشراء ترتبط بشكل كبیر بالألوان

تدرك معظم الشركات أيضا مدى اهتمام النساء بالسلع ذات اللون الوردي، كاهتمامهن بالعلامة التجارية نفسها، ومهما زادت أسعار المنتجات الوردية، فستظل النساء تقدر قيمة امتلاك منتج صنع خصيصا لجنسها.

ويؤيد العلم فكرة إمكانية تأثير الألوان على بعض سلوكيات المستهلكين، لكن هل يمكن للون الوردي أن يجعل المرأة تنفق أكثر؟

تتعمد الكثير من الشركات اليوم هذه الحيلة على نطاق واسع، إذ تقوم بتصميم منتجات بألوان وردية خاصة بالنساء مثل، شفرات الحلاقة والملابس ومستحضرات العناية بالبشرة وغيرها من السلع الموجهة لجنس المرأة، ورغم وجود سلع أخرى مشابهة لها خاصة بالرجال، فإن النساء يدفعن الفارق في السعر عن طيب خاطر ليحصلن على المنتوج الوردي.

ويعني ذلك أن السلع ذات اللون الوردي تجلب فعليا عائدات لا يُستهان بها لأصحاب المتاجر، إذ تشير الاحصائيات إلى هيمنة المرأة على سوق الاستهلاك بنسبة 70 إلى 80 في المئة، بما يجعلها قوة شرائية ضخمة في المجتمع، إضافة إلى أن لديها متسعا من الوقت تمضيه في التسوق للتخلص من الملل، كما أنها مَن يتولى غالبا عملية الشراء لجميع أفراد الأسرة، خاصة وهي من يحتكم على مدخرات الأسرة المالية.

وأظهرت دراسة حملت عنوان “أثر الألوان على التسويق” أن 90 في المئة من الأحكام السريعة للمستهلكين على المنتجات مبنية على اللون كما أن الرغبة في الشراء ترتبط بشكل كبير بالألوان لتأثيرها على إدراك المستهلكين للعلامة التجارية.

ودرست الدكتورة زینا أوكونر المختصة في مجال علم نفس الألوان، استراتيجيات الألوان في التصميم والعلامات التجارية، فوجدت أن اللون الوردي یمكن أن یحدث تغیرا كبيرا في السلوك الإنساني.

بولي يونغ إيسينراثاث: الإعلانات التجارية تمنح المرأة شعوراً بأن التسوق يعزز من قوتها وكيانها الخاص
بولي يونغ إيسينراثاث: الإعلانات التجارية تمنح المرأة شعوراً بأن التسوق يعزز من قوتها وكيانها الخاص

وقالت أوكونر بشأن ذلك “هناك ردود فعل قویة في الواقع لعدد من الألوان، وتتباين العلاقة بین اللون وتأثیره علینا كثیراً حسب السن والجنس والخلفیة الثقافیة والتعلیم والتنشئة الاجتماعیة”.

وهذا الفهم المتنامي لتأثير الألوان في عمليات التسوق والتسويق امتد ليشمل قطاعات صناعية مختلفة، وأصبح صناعة عالمية تدر الملايين من الدولارات، إلا أن الدراسات العلمية حول التأثيرات السلبية للتسويق بالاعتماد على المؤثرات التحفيزية لا تزال قليلة.

ويجري الخبراء حاليا، بعض التجارب لتحديد العوامل النفسية وراء قوة تأثير السلع ذات اللون الوردي، وقدرتها على جذب النساء أكثر من الإعلانات الصريحة.

ويعتقد بعض علماء النفس أن الإدراك الحسي للون الوردي، لا يرتبط برؤية المرأة له فعلا، بقدر ما هو متعلقٌ بالكيفية التي يترجم بها دماغها هذا اللون وليحوّله إلى شيءٍ ذي معنى. ونظراً لأن عملية إدراك الألوان تتم أساساً داخل رأس كلٍ شخص، فإنها تتسم بكونها ذاتيةً، كما أنها تتأثر بالتجربة الشخصية للمرء.

وبالرغم من أنّ جميع البشر قادرون على تمييز الآلاف من الألوان في وقت واحد، فإن الطريقة التي يستخدم بها كل فرد الألوان في حياته اليومية، تنسجم مع الإحساس المادي به، والغرض الوظيفي منه.

وتتنوع أسباب ذلك، فمنها ما يُعزى بحسب بعض الخبراء إلى الثقافة والمعايير المجتمعية التي تجعل أدمغة الاطفال تبدأ في تصنيف اللونين الأزرق والوردي، على أنهما لجنسين مختلفين.

ويمكن أن تكون التجارب الحياتية أيضا قد اضطلعت بدور جوهري لإعداد أدمغة النساء والرجال من الناحية العصبية، لكي يتسنى لها إدراك الهوية الجنسية للألوان.

الثقافة الاجتماعية

انجذاب النساء إلى اللون الوردي
انجذاب النساء إلى اللون الوردي

يرجح باحثون بريطانيون في دراسة لهم أجريت خلال الأعوام القليلة الماضية أن انجذاب النساء للون الوردي قد لا يكون راجعا فقط للجهود التسويقية من جانب شركات الملابس واللعب.

وقالت قائدة البحث الدكتورة أنيا هولبرت “قد يكون للتطور عامل في ذلك حيث تميل النساء إلى اختيار اللون الوردي ممثلا في الفواكه المائلة للحمرة والصحة والوجوه المشبعة بالحمرة”.

وأضافت هولبرت “ربما استغلت الثقافة هذا المزيج الطبيعي لدى النساء”.

وقالت ياجو ليند، وهي باحثة أخرى مشاركة في هذه الدراسة إنها تتوقع ظهور دراسات أخرى تربط اللون بالوزن والإحباط.

لكن بعض الأبحاث الأخرى ترجح أن الثقافة الاجتماعية هي التي تلعب دورا كبيرا في غرس الفروق في الألوان بين الجنسين، وتنشأ تلك الفروق بالتربية أكثر مما تنشأ بالفطرة.

ويقول علماء النفس إن تصنيف الألوان بحسب نوع الجنس لها تأثيرات كبيرة على أدمغة الأطفال منذ المراحل الأولى من العمر، لأن اختيار الألوان المناسبة للطفل بحسب جنسه يعد بمثابة تجارب للتدريب تتشكل خلالها دماغ الطفل.

فمن المعروف أن دماغ الطفل طيّع، بمعنى أنه يمكن تطويعه بالتجربة والتدريب. وبحسب ما ذكرت بعض الأبحاث، فإن الصبيان والفتيات قد يتعرضون منذ نعومة أظافرهم لأشكال التنميط الجنسي التي تحثهم ضمنيا على أن يسلكوا سلوكيات معينة بحسب نوع الجنس.

زینا أوكونر: تتباين العلاقة بین اللون وتأثیره علینا كثیراً حسب السن والجنس والخلفیة الثقافیة
زینا أوكونر: تتباين العلاقة بین اللون وتأثیره علینا كثیراً حسب السن والجنس والخلفیة الثقافیة

وشبّه العلماء أدمغة الأطفال بالإسفنجة التي تمتص المعلومات الاجتماعية، وعندما يتبنون هذه السلوكيات تتكيف الدوائر العصبية تدريجيا وفقا لسلوكياتهم، بحيث يتشكل الدماغ وفقا للقوالب النمطية الجنسية التي يمليها عليهم المجتمع.

وحاولت دراسة أخرى أجريت عام 2011 معرفة كيفية تأثير السياسات التسويقية في النساء والرجال بشكل مختلف، حيث عُرِضت أزواج من أجسام متطابقة مثل أساور، وعلب أدوية، وإطارات صور على بنات وأولاد بعمر عام واحد. كان لون أحدها وردياً والآخر بلون مختلف. لم يفضل هؤلاء الأطفال اللون الوردي أكثر من غيره من الألوان.

لكن بعد عمر السنتين، بدأت البنات في تفضيل اللون الوردي، وفي سن الرابعة، عقد الذكور العزم على رفض ذلك اللون. وهذا هو بالضبط الوقت الذي يصبح فيه الذكور على بيّنة من جنسهم، ومثل الكبار تماما، يتحيز الأطفال الصغار إلى جنسهم.

وشوهد هذا التحيز أيضاً في دراسة أخرى عندما أعطي أطفال بين الثالثة والخامسة من العمر فانيلات حمراء أو زرقاء ليلبسوها في إحدى رياض الأطفال. وقُسِّموا إلى مجموعتين، وأعطيت كل مجموعة شارة بأحد اللونين، الأحمر والأزرق.

في نهاية الأسبوع الثالث، كان الأطفال يميلون إلى كل ما له علاقة بلون مجموعتهم، كان ذلك فقط بعد ثلاثة أسابيع. وبالتالي، يصبح اختلاف الجنس موضوعاً أساسياً للنقاش منذ بداية الحمل وما بعده.

معظم الحملات والشركات التسويقية تستخدم اللون الوردي عند مخاطبة النساء بمختلف أعمارهن قائلة لهن إنه لون خاص بهن.

وثمة ظاهرة نفسية تسمى أثر التعرض المحض أو مبدأ الألفة، وذلك يعني اعتياد الأطفال على ألوان معينة من الصغر ومن ثم يألفونها عند الكبر، وهذا ما قد يفسر أيضا تفضيل النساء للون الوردي والرجال للون الأزرق.

ويرجح الباحثون أن التجارب التي يخوضها الناس في مرحلة الطفولة والمراهقة تترك أثرا في شخصياتهم، لأنهم في هذه المرحلة يحاولون استكشاف أنفسهم واهتماماتهم.

وخلصت أبحاث أخرى إلى أن بعض النساء تنتابهن أحيانا مشاعر تثير داخلهن الرغبة في اختيار أشياء يعرفنها ويعرفن أنها ستعجبهن، وربما لهذا تحديدا يواظبن على اختيار اللون الوردي أكثر من بقية الألوان، والسبب كما تبيّن لنا الأبحاث يعود إلى مساهمة عناصرٍ مثل الخبرات الحياتية والتنشئة والاختلافات الثقافية والتفضيل الشخصي.

إحساس دائم بالرقة

التأثير الذي تُحدثه استراتيجية "التسويق الوردي" تختلف بشكل كبير من امرأة إلى أخرى
التأثير الذي تُحدثه استراتيجية "التسويق الوردي" تختلف بشكل كبير من امرأة إلى أخرى

ساعدت مختلف هذه النظريات متخصصي الدعاية على جعل اللون الوردي جزءا من الخدمات التي تلبي مطالب النساء، حيث استخدمت الحملات التحسيسية لسرطان الثدي شرائط باللون الوردي، نظرا لخصوصية هذا اللون بالنسبة للمرأة كما  استخدمت شركة الألعاب الأميركية “باربي” اللون الوردي في جميع حملاتها واللوغو الخاص بها للفتيات الصغيرات واتبعت الأسلوب نفسه الكثير من العلامات التجارية المعروفة، لأن هذا اللون يجذب النساء لاشعوريا، ويعطيهن إحساسا دائما بالرقة والأنوثة.

ويختلف التأثير الذي تُحدثه استراتيجية “التسويق الوردي”، بشكل كبير من امرأة إلى أخرى، نظرا لأن النساء مختلفات في طبائعهن، وينظرن إلى الألوان، بشكل مختلف بحسب السياقات الاجتماعية التي يعشن فيها، لكن ذلك لا ينفي أنهن مازلن يواجهن هذا النوع من التنميط الجنسي في كل مكان من العالم، بدءا من مواقع التواصل الاجتماعي، ووصولا إلى الحملات الإعلانية التي تملي سلوكيات معينة على الذكور والإناث.

ورغم أنه لا توجد شركات حول العالم تفرض رسوما جمركية بشكل علني على المرأة دونا عن الرجل، فإن التحيّزات الضمنية قد تصل إلى حد فرض رسوم جمركية “وردية” (خصيصا على النساء)، وهو ما يضع النساء في وضع غير موات اقتصاديا.

وبيّن تقرير جديد أجراه البنك الدولي تحت عنوان “المرأة والتجارة.. دور التجارة في تعزيز وضع المرأة”، أن المنتجات التي تستهلكها النساء على وجه التحديد، تتحمل عبء رسوم جمركية أعلى من الرسوم على منتجات الرجال. ففي قطاع النسيج، على سبيل المثال تزيد الرسوم الجمركية على ملابس النساء 2.77 مليار دولار عن الرسوم على ملابس الرجال، وهي فجوة استهلاكية نمت بنحو 11 في المئة كقيمة الحقيقية بين عامي 2006 و2016.

وتؤدي فوارق مماثلة إلى الإضرار بالمستهلكين من النساء في جميع أنحاء العالم، وتمثل هذه الرسوم الخاصة بالنساء والحواجز التجارية الأخرى عقبات أمام تحسين فرص العمل والمساواة في الأجور.

لكن السؤال الذي يطرح في النهاية لماذا تعطي النساء الفرصة للشركات لممارسة هذه الحيل التسويقية الانتهازية؟ أليس من الأجدى أن تكسر هذه الحواجز وتسمح لنفسها ولأبنائها بارتداء ما يشاؤون بغض النظر عن الجنس.

20