التسويق.. ممدوح مذموم

الاثنين 2013/11/18

«الكتاب موجود في الأسواق».. قد يلاقي الخبر بهذه الصيغة نفوراً أو استهجاناً من قبل البعض الذي يبرّر اعتراضه أنّه يضع الكتاب في رفّ مشترك مع أيّة بضاعة استهلاكيّة أخرى. وربّما يتمّ اقتراح صيغة أخرى ألطف تضفي التمايز على الكتاب، كأن يقال: «الكتاب متوافر في المكتبات». وهنا يفترض بالخبر أن يتسامى عن فكرة المُنتَج السلعيّة والتسليعيّة، ويخصّ الكتاب بالمكتبات، بنوع من الالتفاف على مفهوم الإنتاج والتهرّب ظاهريّاً من البيع والشراء والتسوّق والتسويق.

يتحسّس بعض الأدباء والكتّاب من فكرة التسويق، يجدونها ممجوجة ومدعاة للإدانة، من باب معارضتهم لفكرة تشيئة الكتاب، وحصر المسألة في هذا الجانب فقط، بحيث يقيّدون التسويق بالجانب الظاهر الدارج دون إيلاء الاهتمام للواقع الذي يفرض استخداماً معيّناً للكلمات، ربّما لا يتماثل مع معانيها القاموسيّة أو المضمرة أو الأدبيّة.

تحضر بين الكتّاب مسألة تظلّ قيد التجاذُب ومحطّ اختلاف ومبعث ائتلاف، فقد يغدو التسويق موضع اتّهام و«غيرة» في الوقت نفسه، كأن يُعزَى نجاح رواية ما إلى التسويق الجيّد للناشر في عدّة منافذ بيع ومعارض ومحافل، والاشتغال على ترويج الكتاب وبدء حملات إعلانيّة ترويجيّة له، مثله في ذلك مثل أيّ منتوج آخر، وهنا يلعب الهاجس الشخصيّ لدى البعض دور المتّهم والمرجّح أسباب النجاح إلى جودة التسويق وبراعة الحملات الدعائيّة المواكبة والسابقة.

كما قد تنشأ حساسيّة ما لدى بعض المحيطين بأيّ كاتب حين يتحدّث عن عمله بنوع من الاحتفاء وسرد بعض «معانيَاته» أثناء كتابته أو التحضير له، فيُنعَت بدوره بأنّه شاطر في التسويق لنفسه، أو لديه جوقة تسوّق له، وهذا بدوره يشير إلى تورية مبطّنة فحواها أنّه لولا التسويق لما استحقّ العمل أو الكاتب هذا الاهتمام.

كثير من الأعمال الهامّة لم ينل حظّه من الاهتمام والمتابعة لأنّه لم يتوفّر له مسوّق جيّد، بالمقابل هناك أعمال اشتهرت لأنّها صادفت مسوّقاً نشيطاً بارعاً لها، والتوزيع الجيّد لا يعني التسويق الجيّد إن لم يرافق بحملات تجذب القارئ/ المتلقّي/ الزبون، كما أنّ الكاتب المميّز لا يفترض بدوره التسويق الملائم لتميّزه. ويُلحظ حرص كثير من الكتّاب على إصدار أعمالهم من دور نشر ذات توزيع واسع، لأنّ ذلك يعدّ الخطوة الأولى نحو التسويق المنشود.

والتسويق لا يقتصر على الناشر وحده كصانع للكتاب، بل هو عبارة عن دورة متكاملة، تشترك فيه الصحافة والإذاعة والمكتبات والعلاقات العامّة وعدّة تشعّبات أخرى.. وبعيداً عن التعريف المدرسيّ للفكرة، فإنّ التسويق يظلّ حلقة الوصل بين المتلقّي/ الشاري والمرسل/ البائع، ويظلّ الكاتب الحاضر الغائب في عملية البيع والشراء، وقد يغدو هو نفسه موضوع البيع والشراء، أو ماركة ذات صدى لافت، واسماً ذا رنين خاصّ، سواء كان ذلك عن دراية وتخطيط أو عن مصادفة.

يتمّ الحديث عن التسويق بصوت خافت بين الكاتب والناشر، أو بين الكتّاب أنفسهم، لكنّه يعتلي الصدارة حين الانتهاء من العمل/ المنتج، والمباشرة بتوزيعه، وتهيئة الأرضيّة/ الأسواق له، عبر الاشتغال على طرق دعائيّة تكفل بجذب الاهتمام وإشعار الناس بصدوره. ومن هنا لا تبقى للحساسيّة المعلَنة أيّة قيمة واقعيّة طالما المسألة محوريّة في صميم الدورة الطبيعيّة للعمل، وقد يلعب التسويق دوراً حتّى قبل المباشرة بالعمل نفسه، ويرسم خرائط التحرّك للكاتب لمسايرة الأمزجة والسوق، وهنا قد يفقد الكتاب تفرّده ويكتفى بجانب الإنتاج في توصيف عمله بعيداً عن الإبداع.

14