التشابه والاختلاف بين السيسي وقيس سعيد لتقويض الإخوان في مصر وتونس

خسارة حركة النهضة ستكون مضاعفة إذا مضت في طريق الجماعة الأم.
الثلاثاء 2021/07/27
صوت الشارع اليوم

دفعت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد بتجميد عمل البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة بالمقارنة بين الحالتين التونسية والمصرية في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين على الرغم من أن الحدثين يجعلان النتيجة متباعدة خاصة أن لكل بلد خصوصية مجتمعية وأجواء سياسية وأمنية مختلفة.

القاهرة - منذ إعلان الرئيس التونسي قيس سعيد عن قرارات مصيرية استهدفت ضبط الخلل في بعض مفاصل الدولة مساء الأحد، دخلت قطاعات عديدة في مقارنات بين ما جرى في القاهرة قبل ثمانية أعوام ضد جماعة الإخوان عندما كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وزيرا للدفاع وقتها، وبين ما يدور في تونس حاليا من تفاعلات على إثر الخطوة الأخيرة لتقويض هيمنة حركة النهضة الإخوانية.

وعبّر البعض من التونسيين عن أمنياتهم وانزعاجهم من تكرار النموذج المصري الذي قضى على جماعة الإخوان في التمكين والسيطرة على دواليب الدولة وتسبب في خمول الحياة السياسية بصورة كبيرة.

لكن المقارنة بين الحالتين أو الحدثين تجعل النتيجة متباعدة، فلكل بلد خصوصية مجتمعية وأجواء سياسية وأمنية مختلفة تتحكم في تحديد الخيارات المناسبة له، أدت إلى نجاح التجربة الأولى بينما تواجه التجربة الثانية (تونس) تحديات كبيرة تجعل الشبح المصري بعيدا ومقيدا بضوابط تضاعف من صعوبة إعادة إنتاج السيناريو ذاته.

واعتمدت الخطوة المصرية على قوة المؤسسة العسكرية المتداخلة في الكثير من مناحي الحياة وتحظى بتقدير عاطفي لدى فئات كثيرة من المواطنين ويعتبرونها المنقذ في المنعطفات الخطرة، في حين ينأى الجيش عن الحياة السياسية في تونس، ما جعله غير متشابك كثيرا في جوانب لا تتعلق بطبيعة عمله المهني المباشر.

ويقول مراقبون إن الرئيس قيس سعيد لم يكن ليقدم على قراراته دون الحصول على دعم قوي من قيادات نافذة في المؤسسة الأمنية، بشقيها العسكري والشرطي، لأن القرارات تحتاج إلى قوة لتنفيذها على الأرض والتصدي لرفض حركة النهضة لها والتي أكدت رفضها منذ البداية ولوحت بالنزول إلى الشارع كنوع من الاحتجاج والمواجهة، وهو ما دعا قيس سعيد إلى حق قوات الأمن في مبادلة الرصاصة برصاصات كثيفة، في إشارة إلى الإصرار على الثقة في المؤسسة الأمنية.

تهيئة الأجواء السياسية

Thumbnail

تقلل النقطة السابقة من مساحة الفجوة التي يرددها البعض بأن التعامل المصري مع الإخوان اعتمد على الخشونة وقوة المؤسسة العسكرية، وهي ملاحظة صحيحة بالطبع، حيث انحاز السيسي كوزير للدفاع في ذلك إلى حركة التململ في الشارع من حكم الإخوان، وشارك الرجل في عملية الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي في الثالث من يوليو عام 2013 بإحكام توافرت له القوة والإرادة والرغبة الشعبية في الشارع.

أعلن الجيش دعمه بوضوح لعزل مرسي وتجميد كافة قراراته بعد أن نزل الملايين من المصريين إلى الشوارع والميادين وطالبوا بهذا العزل الذي توافرت له إرادة سياسية ودينية لا تقل عن وقوف الجيش ضد الإخوان أو خروج الناس عليهم، حيث اجتمع أكبر رمزين في المؤسستين المسلمة والكنسية (شيخ الأزهر وبابا الكنيسة المصرية) مع محمد البرادعي كرمز سياسي جذاب وكبار قادة الجيش معا، وأعلنوا بيان 3 يوليو الذي أنهى حكم الإخوان في مصر.

استفاد الرئيس سعيد من خروج المئات من التونسيين الأحد وتظاهروا أمام مقار عدة تابعة لحركة النهضة احتجاجا على ما وصلت إليه البلاد، واعتبر ذلك إشارة داعمة إلى الإعلان عن قرارات ظلت تراوده منذ أشهر، وقد يكون هذا الخروج منظما لتبرير موقفه في أن الأوضاع وصلت إلى درجة عالية من التدهور.

لم تصل تونس إلى مستوى تجميع نخبة واسعة لتمرير القرارات على الطريقة المصرية، لكن كان لافتا أن إعلانها تم في حضور قيادات أمنية كدليل على الحسم.

وينشط المجتمع المدني في تونس بصورة كبيرة وتحتفظ البلاد لنفسها بمناعة ذاتية ضد كل من يقترب من تجربتها السياسية وديمقراطيتها التي تراكمت على مدار سنوات، بصرف النظر عن هويته.

علاوة على أن الرئيس قيس سعيد مدني ومنتخب ويعرف القيمة القانونية والسياسية لاحترام هذه الخصوصية، وهي زاوية أخرى تميز تونس عن النموذج المصري الذي كان السيسي في مقدمة من أسهموا في نجاحه عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع، وهو ما أسبغ طابعا عسكريا على الخطوة المصرية.

تفسيرات متعارضة

Thumbnail

تمنح الصفة المدنية للرئيس قيس سعيد في الحالة التونسية أهمية لقراراته وليس العكس، وتجعل خطاب من يصفونه بـ”الانقلابي” على الدستور والثورة غير دقيق، فالرجل اعتمد على وقائع خطيرة تهدد الأمن القومي، وتفسيره للمادة 80 (المطاطة) في التأويل القانوني يلقى قبولا من شريحة كبيرة من النخبة والمواطنين، على الرغم من وجود تفسيرات مناهضة لذلك.

تحيط بالخطوة التونسية حالة من الصمت الإقليمي والدولي نسبيا، بعيدا عن أتباع الإخوان في العالم بألوانهم المختلفة، ولذلك يفسر الصمت على أنه موافقة ضمنية على الخطوة، في هذه الحالة سيكون الطريق مفتوحا أمام نجاح قرارات الرئيس قيس سعيد، بما يضّيق الخناق على تحركات حركة النهضة في توظيف المجتمع الدولي لصالحها.

في المقابل، شهدت الحالة المصرية عاصفة من الرفض الدولي استمرت سنوات، ومع أنها لم تكن سابقة في تاريخ التغيير بهذه الطريقة في المنطقة، غير أن الرفض لها بلغ حدا يقترب من حصار الدولة المصرية سياسيا وحمل معه تداعيات عانى منها النظام الحاكم الذي جاء تاليا للإخوان.

وينطوي التباعد في التقييم الخارجي على إشارة قاتمة لحركة النهضة، فإذا كانت جماعة الإخوان أخفقت في إحداث تحول في المشهد المصري وهي تقف مدعومة من جهات عديدة، ففي الحالة التونسية سوف تكون خسارة النهضة مضاعفة إذا مضت في طريق إخوان مصر، وهو ما يجعل خيار الانحناء للعاصفة منطقيا.

استفاد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مما جرى في مصر عام 2013 وعقد صفقات مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي على إثرها، لأنه أراد أن يحافظ على حظوظه السياسية، ربما تكون الدوافع التي أدت به إلى التوافق أقل وطأة مما هو حاصل الآن، لكن الوضعية التي تعيشها الحركة وقادتها وكوادرها أشد صعوبة وتجعل من اللجوء إلى اعتصامات على الطريقة المصرية مكلفة، كما أن رفع سقف الاعتماد على العنف ستكون له ارتدادات أمنية قد تقوض ما بنته الحركة على مدار العشرات من السنين.

أكدت تجربة جماعة الإخوان في مصر أن خسارتها كانت كبيرة عندما قررت الاعتماد على جهازها السري العسكري في ممارسة العنف، وأخطأت بتحالفها مع تنظيمات إسلامية معروفة بنهجها الإرهابي، ما أفضى إلى وضعهما في خانة واحدة، ولا تزال الجماعة تبذل جهودا لإقناع جهات عدة بعدم صحة العلاقة التي وثقتها تقارير غربية.

وتشير تجارب حركة النهضة إلى ميلها للحفاظ على هياكلها سليمة وعدم المجازفة بالدخول في مواجهة غير مضمونة العواقب، فمع أن الفضاء الإقليمي يحفل بوجود قوى إسلامية نشطة إلا أن حكومات الدول المجاورة لن تسمح بتحويل تونس إلى بؤرة جديدة للإرهاب ما يرجح أن الرئيس التونسي قام بإجراء مشاورات مع قادة المغرب والجزائر، باعتبارهما أكثر بلدين يمكن أن يتأثرا بأي تطورات سلبية في تونس. ناهيك عن أن الزيارة التي قام بها الرئيس قيس سعيد للقاهرة في أبريل الماضي وما حظي به من حفاوة من جانب الرئيس السيسي توحي بأن هناك تنسيقا سياسيا تم بينهما.

رأس الحربة التونسية

Thumbnail

وفر السيناريو المصري السابق ونتائجه في حماية الدولة وتقليص نفوذ الإخوان خبرات لكل من الرئيس سعيد وحركة النهضة والمجتمع الدولي الذي يراقب ما يجري على ضوء القرارات الأخيرة، بما يجعل كل طرف يضع قدميه في المكان الذي يناسبه، فالتباين في الجذور بين السيسي وسعيد ومكانة كليهما في المنظومة الرسمية لا يعني عدم تصويب الأخطاء التي ظهرت في التجربة المصرية.

لذلك سيكون المجتمع المدني القوي في تونس هو رأس الحربة في ضبط توازنات المشهد السياسي، فإذا كانت فئة منه تتحمّل ما وصلت إليه الأوضاع في البلاد من تدهور جراء تحالفها البراغماتي مع النهضة، فهناك فئة أخرى أكبر كانت ممتعضة من هذا التحالف وتوابعه، ووقوفها في صف الرئيس سعيد حاليا وتفهمها لدواعي قراراته سيساعدانها على تكملة خطواته لضبط الأداء المنفلت لحركة النهضة.

افتقرت التجربة المصرية للمجتمع المدني القوي والأحزاب النشطة في عملية ترشيد المرحلة التي تلت سقوط الإخوان والحد من التغوّل على الحريات العامة التي استخدمها الخطاب الرسمي للدولة بهدف حماية أركانها من المتشددين، غير أن نتائجها انعكست على الفضاء العام وأصابت ما تبقى من قوى مدنية بالتكلس.

تقود أوجه الاختلاف الكثيرة بين مصر وتونس إلى حصيلة مغايرة في الثانية شريطة تغليب الحكمة من قبل القوى المنخرطة في الأزمة الراهنة، ففقدانها يمكن أن يؤدي إلى نتيجة سيئة في ظل الشكوك التي تخيم على قدرة المؤسسة الأمنية على الصمود في مواجهة طوفان غير مستبعد من العنف قد تلجأ إليه النهضة وروافدها في الشارع. 

7