التشبث بأطواق نجاة افتراضية تكتيك نتنياهو لإضعاف منافسه غانتز

رئيس الوزراء الإسرائيلي يعتمد كل الطرق لتبرئة نفسه وإضعاف خصمه، وتسخير "الشاباك" لتشويه المنافس الرئيسي لنتنياهو.
الثلاثاء 2019/03/26
تبادل اتهامات يشحن أجواء الانتخابات

بدأ العد التنازلي للحظة الحاسمة يوم 9 أبريل المقبل الذي تجرى فيه الانتخابات العامة الإسرائيلية، وزاد معه العنف السياسي لدى بنيامين نتنياهو الساعي بانتهازية واقعية وافتراضية إلى ولاية جديدة تجعله صاحب أطول عهدة كرئيس وزراء في إسرائيل، ويسجل بذلك رقما قياسيا للبقاء في السلطة، لكن مع وجود تقدم طفيف وفق استطلاعات للرأي لمنافسه بيني غانتز. وتوسل نتنياهو في حملته الانتخابية شتى الطرق لتبرئة نفسه من قضايا الفساد ولإحراج منافسه وشق صفوفه، علاوة على اللعب على الهدايا التي منحها إياه الرئيس الأميركي وآخرها الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.

القدس – يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للظفر بولاية جديدة خلال الانتخابات العامة التي تجرى في التاسع من أبريل القادم، ويرى مراقبون أن هذه المحاولة غير مضمونة، وربما تكون صعبة المنال، وتفتح الباب للمزيد من محاكمات الفساد التي تلاحقه، لأن الحملة الدعائية للرجل لجأت إلى أساليب قذرة، قد تجعله قابعا في السجن لسنوات، على غرار إيهود أولمرت رئيس الوزراء السابق، وبالتالي خروجه -وهو على مشارف السبعين- من العمل العام بشكل مهين.

كشفت استطلاعات الرأي أن حوالي 57 بالمئة من الناخبين يعتزمون التصويت في الانتخابات المقبلة، أي أن هناك مترددين أو ممتنعين تبلغ نسبتهم نحو 43 بالمئة، وهي شريحة كبيرة تغري الكثير من الأحزاب بمحاولة استقطابها، ما قد يغير مسار بعض التوقعات.

تبدو أطواق النجاة التي يعول عليها نتنياهو مهزوزة، ومِن غير المؤكد أن تثبت فعاليتها، وربما تحمل قدرا من المخاطرة، لأن الحملة الانتخابية تعتمد على تكتيك ينطلق من توسيع نطاق الضرب تحت الحزام ضد الخصوم وتشويه صورتهم أكثر من التركيز على ما يملكه نتنياهو من مقومات النجاح.

ويظل احتمال سقوط نتنياهو أو عدم تمكنه من تشكيل ائتلاف حكومي قوي قائما، مع مواجهته معارضة شرسة، من يمين الوسط المتحالف مع اليسار والقائمة العربية الموحدة، وفقدان القدرة على الحصول على روابط سياسية تجعله يمتلك شبكة أمان تساعده على تجاوز العقبات المتناثرة على طرق مختلفة.

هدايا ترامب وهاتف غانتز

سليمان دغش: تهم الفساد التي تحيط بنتنياهو تضعه في موقف حرج قد يؤدي إلى فشله
سليمان دغش: تهم الفساد التي تحيط بنتنياهو تضعه في موقف حرج قد يؤدي إلى فشله

فسر البعض إعلان الرئيس الأميركي سيادة إسرائيل على الجولان بأنه هدية انتخابية سخية لنتنياهو في توقيت بالغ الحساسية، تهدف إلى دعم حظوظه للفوز أمام منافسه، والإيحاء بأنه الوحيد الذي يستطيع الحفاظ على أمن إسرائيل.

ورجحت معطيات أخرى أن ترامب على وشك أن يقدم هدية أخرى لحليفه، تتمثل في الإفراج عن الجاسوس جوناثان بولارد، وهو مواطن أميركي أدين بالتجسس لصالح إسرائيل، تزامنا مع زيارة نتنياهو للولايات المتحدة، ما يتيح له العودة به على نفس الطائرة، خاصة أنه يتحدث منذ عام 2013 عن عفو محتمل، ويعد كسب الجولة هذه المرة انتصارا لافتا لتوجهات نتنياهو، وتأكيدا لمتانة العلاقة مع ترامب، لأن سلفه باراك أوباما رفض منح هذه الهدية من قبل.

ويقول الكاتب والمفكر الفلسطيني سليمان دغش إن الخطوة المهمة التي يعتبرها نتنياهو وحكومة اليمين التي يرأسها، الإنجاز الأهم، هي اعتراف الرئيس الأميركي بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة منذ العام 1967. ومما لا شكّ فيه أنّ هذه الهدية التي يقدمها ترامب لنتنياهو قبيل الانتخابات سترفع من شعبيته في نظر أوساط اليمين وستلعب دورا رئيسياً في احتمال فوزه مرة أخرى في الانتخابات القادمة.

ويمتزج التناغم بين الرجلين ما أدى بترامب إلى نشر صورة من حملة نتنياهو الانتخابية وعليها شعار يقول “نتنياهو من مستوى مختلف”، على حسابه الرسمي في موقع إنستغرام، في إشارة إلى حجم التوافق والانسجام بين الطرفين، والرغبة في العمل سويا خلال المرحلة المقبلة.

كما يعد تأجيل الإعلان عن صفقة القرن إلى ما بعد الانتخابات مجاملة سياسية أخرى، لأنها قد تتضمن تنازلات، الأمر الذي يرفضه قطاع عريض من الرأي العام الإسرائيلي، لأن الجانب الفلسطيني منقسم ومنهك، والعالم العربي منغمس في ملفاته الداخلية أكثر من انهماكه بالقضية الفلسطينية، فضلا عن طرح قضايا ربما تمثل أولوية في الفترة الحالية لدى بعض الدول العربية.

يلعب نتنياهو على هدم الصورة الجيدة لبيني غانتز رئيس حزب “حيسون لإسرائيل”، ومنافسه الرئيسي في الانتخابات، وتم تسريب معلومات من الشاباك (الاستخبارات الداخلية) إلى الإعلام، مفادها سرقة عناصر إيرانية معلومات من الهاتف الجوال الخاص بالجنرال غانتز.

ورغم تأكيد الأخير عدم وجود معلومات أمنية على جواله، إلا أن الواقعة تمت وفقا لتقارير الاستخبارات الداخلية بعد تقاعده، أي أن مسؤولية تأمين الهاتف من الاختراق لا تقع عليه، ومع ذلك استغل نتنياهو الموقف وأخذ يطالب بالكشف عن المعلومات التي حصل عليها الإيرانيون من هاتف غانتز الجوال، في مؤشّر على أنه لا يصلح للعمل السياسي.

يدرك نتنياهو أن منافسه استفاد من تراجع قدرة إسرائيل على ردع المقاومة الفلسطينية في مسيرات العودة أو وصول صواريخ فصائل المقاومة إلى قلب تل أبيب، فقرر ألا يخوض مغامرة ضد قطاع غزة قبل الانتخابات، وتجاهل الرد على إطلاق صاروخين، والتزم بجهود الفرق الأمنية المصرية لتأمين استمرار التهدئة مع الجانب الفلسطيني.

ورأى ضرورة في إلهاء الرأي العام الإسرائيلي بقضايا مشوقة، وأن تسريب الاستخبارات الداخلية قصة الهاتف وسيلة جيدة للنيل من غريمه، حيث تم تضخيم المسألة إلى حد أن نتنياهو نظم مؤتمرا صحافيا لمناقشة أبعاد اختراق الهاتف، في محاولة جادة لاستثمار الحدث إلى أقصى درجة ممكنة كطوق نجاة أمام مرشح قد يستطيع لأول مرة تجاوز نتنياهو في الانتخابات، ويجعل حزب الليكود يتخلف في عدد المقاعد بالكنيست.

كما قام نتنياهو باستغلال قبور قتلى جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبث تلفزيون حزب الليكود فيلما دعائيا اتهم فيه المذيع غانتز بأنه “يساري متخفٍّ”، يمثل خطرا كبيرا على الدولة، لكنه أثار استياء عائلات عدد من قتلى الجيش لاستخدامهم في مزايدات ودعاية انتخابية.

وتذكّر هذه النوعية من الأحداث بإعلان الليكود في الحملة الانتخابية السابقة أن اليسار سوف يعيد تقسيم القدس، ويفتح الطريق أمام تنظيم داعش لدخول إسرائيل، في محاولة للتغطية على التقارير التي أشارت إلى علاج عدد من أعضاء التنظيم الإسلامي المتطرف في مستشفيات إسرائيل في عهد نتنياهو، يعززها عدم وجود اشتباكات بين الجانبين طوال فترة سيطرة داعش على مناطق حدودية مع إسرائيل.

​  الجولان هدية انتخابية سخية لنتنياهو  ​
​ الجولان هدية انتخابية سخية لنتنياهو

وضم الفيلم الدعائي، الذي اضطر الليكود إلى حذفه بعد أن تم عرضه على صفحات مواقع التواصل الرسمية التابعة لنتنياهو، مشاهد دموية، جعلت آفي جباي رئيس حزب ميرتس اليساري، يصدر بيانا قال فيه “تخطيت الحدود يا نتنياهو، استعنت بشخصيات مؤيدة للسفاح باروخ جولدشتاين لعمل دعاية لك، يجب أن تعتذر لغانتز ولعائلات قتلى الجيش الإسرائيلي على استغلال المقبرة العسكرية”.

اللافت للنظر أن المذيع الذي علق على الفيديو الدعائي، اعتذر سريعا وتنصل منه بعد ثلاثة أيام فقط من إذاعته، ومع ذلك دفع ثمنا باهظا فبعد استقالته من التلفزيون وانضمامه إلى حملة نتنياهو الانتخابية تمت إقالته بسبب الضجة التي أثيرت حول “فيديو القبور”.

وتحول طوق النجاة في هذه الواقعة إلى لغم انفجر في وجه زعيم الليكود، وهو ما تكرر عندما سخر نتنياهو من “عاهة” مذيع صاحب تاريخ إعلامي طويل، لمواقفه اليسارية، وتضاعف الغضب لأن المذيع من مصابي حرب أكتوبر، إذ أصيب إصابات بالغة حين كان يقاتل على الجبهة.

ولا تزال هناك عقبات تقض مضاجع نتنياهو تتمثل في ملف الفساد، والاشتباه في خيانته للأمانة، والتربح من صفقة لصالح شركة كان يمتلك فيها بعض الأسهم حتى وقت قريب، ويمتلك فيها ابن عمه أسهما كثيرة.

وسارع نتنياهو إلى الإعلان عن عزمه رفع دعوى قضائية ضد قادة قائمة “أزرق أبيض” بقيادة غانتز وعدد من الجنرالات السابقين، لوصفهم له بالخائن.

لكن يبدو أن هذا الطريق يعاني من خلل ما، ويحمل مسعى جديدا للتشويش على الاتهامات التي تلاحق نتنياهو، ومحاولة الظهور في صورة الضحية، حيث رد وزير الدفاع السابق بوغي يعلون قائلا “يكاد المريب يقول خذوني؟ ولم أذكر اسم نتنياهو، تحدثت عن ملف الفساد في شراء الغواصات بشكل عام، فما الذي جعله يقفز ويقول: يتهمونني بالخيانة؟”.

والمثير في هذا الصدد هو تراجع الشاهد الرئيسي في إدانة نتنياهو عن شهادته بعد سنوات من التسويف والتأجيل والتعطيل لمجرى التحقيقات، ما ترتب عليه حبس الشاهد ميكي جنور.

وصرح زعيم الليكود بعد ظهور ثلاثة من الشهود المقربين منه وأسرته وتوقيعهم على اتفاق للشهادة بما يدينه عندما قال “عندما يكون هناك شيء ما لا تكون هناك حاجة ولو إلى شاهد واحد، وحين لا يكون هناك شيء ما حدث فإن الأمر لن يفيده وجود ألف شاهد”.

حظوظ المتنافسين

الانتخابات قد تقلب الطاولة على نتنياهو
هل  يقلب الطاولة على نتنياهو

قال جمال الرفاعي، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، إن نتنياهو يقدم نفسه على أنه زعيم قادر على تحديد مصير الإقليم، وليس إسرائيل فقط، ويزعم أن بفضله عاد الشرق الأوسط إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تم فيها رسم حدود دوله بعيدا عن قرارات الأمم المتحدة.

وأوضح الرفاعي لـ”العرب” أن نتنياهو استفاد من التمدد في المنطقة خلال فترة رئاسته للحكومة، وتكمن الخطورة في أن البعض يتعامل مع ذلك باعتباره “شرا أخف من شر، ولا غضاضة في ترك الجولان طالما أن الأطماع لم تطل أماكن أخرى، وإسرائيل- نتنياهو قابلة للتوسع على هذا النحو، تحت مبرر مطاط هو الحفاظ على أمنها دون رادع، ومن هنا تزداد فرصه كملك جديد لإسرائيل، بينما لا يمتلك غانتز رصيدا سياسيا  يوازي رصيده العسكري”.

ولم تكن أطواق النجاة التي خرجت من جعبة نتنياهو كافية لضمان استمراره بقوة في المنافسة على مقعد رئيس الوزراء، ولذلك قرر التصعيد بشكل غير مسبوق ضد منافسه، لإثارة اللغط حول غريمه، وإبعاد الشبهات عن نفسه.

ويقول سليمان دغش إن انتخابات الكنيست الإسرائيلي ستجرى في  أجواء مشحونة بين مرشحيْن رئيسيين يتنافسان على تشكيل الحكومة القادمة، مؤكدا أن تهم الفساد وسوء الإدارة التي تحيط بنتنياهو يضعانه في موقف حرج للغاية قد يؤدي إلى تراجع شعبيته ومن ثمّ فشله في تشكيل الحكومة القادمة.

ويضيف أن غانتز يمكن أن يحصل على 20 مقعدا في البرلمان ليصبح الكتلة الثانية بعد حزب الليكود بقيادة نتنياهو، وفق ما تظهره استطلاعات الرأي.

ويشدد على أن خلفية غانتز العسكرية كرئيس للأركان من شأنها أن تلقى تأييداً واسعا من أوساط اليمين لاسيما أنه لا يخفي توجهاته السياسية التي قد تكون أكثر تشدداً من نتنياهو، ولكنه يقول في حملته الانتخابية إنه نظيف اليد ومستقيم.

ويرجح دغش أن من الصعب الآن التأكيد على فوز نتنياهو رغم المؤشرات التي تشي بذلك وأنه يبقى على منافسه غانتز أن يجيد التحرك لتوسيع قاعدته الشعبية بتحالفات مع قوى وأحزاب أخرى، مستغلا الوضع الحرج لنتنياهو نتيجة تهم الفساد وقرار المستشار القضائي للحكومة تقديم لوائح اتهام قضائية ضده.

ويرى البعض من المراقبين أن الأزمة أقوى وأعمق وأشد خطورة في ظل ملف فساد منتفخ بالتطورات، ومنافس قوي هو الجنرال غانتز، لا ينتمي إلى معسكر اليسار، بل يميل عمليا إلى اليمين، ما يمكنه من حصد أصوات مؤيديه بجانب اليسار الراغب في النيل من نتنياهو.

وبالفعل أظهرت استطلاعات رأي عديدة تفوق غانتز على نتنياهو، ولذلك قرر الأخير الاستعانة بطوق نجاة ملوث بالدماء، حين تحالف علنا مع قيادات حركة كاخ المحظورة وفقا للقانون الإسرائيلي ذاته.

وقد يكون الأهم اختيار غانتز وزيرا للدفاع في حكومة يرأسها نتنياهو لشق صف المعسكر المناوئ، أو أن ينضم حزبه إلى ائتلاف حكومي برئاسة غانتز، على أن يتولى هو حقيبة الخارجية بحجة إدارة العلاقات المعقدة والحساسة مع مصر وروسيا والولايات المتحدة.

ويؤكد متابعون أن الانتخابات الإسرائيلية تحمل بعض المفاجآت السياسية التي يمكن أن تقلب الطاولة على نتنياهو، والذي يخشى أن يخرج من الحلبة خالي الوفاض، ويتعرض لهزيمة نكراء، بعدما نجح غانتز في كسب ود الجنرالات المتقاعدين، ويصبح تحالف “أزرق أبيض” رقما مهما في المعادلة الانتخابية ترجح كفته.

6