التشريعات الأردنية تعصف بالمواقع الإلكترونية

نقابة الصحافيين تلتزم الصمت أمام ما يتعرض له الإعلام وسط اعتقاد  سائد بين الصحافيين الأردنيين بأن الحريات الصحافية تتراجع في بلادهم.
الأربعاء 2019/09/04
المواقع الإلكترونية تتناقص في الأردن

تزداد حالة الغضب والاستياء بين الصحافيين الأردنيين بسبب تطبيق تشريعات لم يكن معمولا بها، تسببت في إغلاق مواقع ما اعتبروه بمثابة نهج عرفي بحق الإعلام لمحاصرته، فيما تخلت نقابة الصحافيين عن دورها في الدفاع عن حقوقهم.

عمان - قال مدير هيئة الإعلام الأردنية بالوكالة عزالدين العناسوة أنه تم حجب 59 موقعا إلكترونيا لعدم تحقيقه شرط التفرغ لرئيس التحرير المسؤول للموقع الإلكتروني الذي بوشر العمل به وتطبيقه بداية العام الحالي كشرط للترخيص.

وأضاف العناسوة أن عدد المواقع التي ينتهي ترخيصها حتى نهاية العام الحالي والمفروض أن تصوب أوضاعها بتنفيذ شرط تفرغ رئيس التحرير تبلغ 16 صحيفة إلكترونية.

ونوه أنه يجب أن يكون لكل مطبوعة صحفية رئيس تحرير متفرغ لمهام عمله استنادا لنص المادة “23/أ/3” من قانون المطبوعات والنشر النافذ وقد تم تفعيل وتطبيق نص المادة المذكورة منذ بداية عام 2019 وقد بلغ عدد المواقع الإلكترونية التي التزمت بتصويب أوضاعها “107” صحيفة الكترونية إخبارية.

وأشار العناسوة إلى أن عدد المواقع الإلكترونية المرخصة وفقا لنص المادة 49 من قانون المطبوعات والنشر النافذ حتى تاريخه 123 مطبوعة إلكترونية إخبارية.

وكان شرط تفرغ رئيس التحرير مجمدا وغير معمول به طيلة السنوات الماضية، وقامت هيئة الإعلام اعتبارا من مطلع العام الحالي بالإعلان عن رغبتها بتفعيل شرط تفرغ رئيس التحرير المقر بقانون المطبوعات والنشر للعام 2012 وتعديلاته أي منذ نحو 7 سنوات وهو ما اعتبره صحافيون يعكس حجم التخبط في القرار الرسمي الذي ساهم بإغلاق العشرات من المواقع الإلكترونية وألحق الضرر بها وبالعاملين فيها.

كما ازدادت حالة الغضب والاستياء بين الصحافيين الذين رأوا أن تطبيق الشرط ساهم في التضييق على الحريات الصحافية، وهو بمثابة نهج عرفي بحق الإعلام لمحاصرته.

وامتد استياء الصحافيين الأردنيين إلى نقابتهم ومجلسها الحالي، بسبب التزامهما الصمت وعدم التحرك لوقف ما يتعرض له الإعلام. وقالت اللجنة التحضيرية المناهضة لشرط تفرغ رئيس التحرير للموقع الإلكتروني، في بيان سابق، أن تطبيق هذا الشرط أغلق منذ تطبيقه بداية العام الحالي العشرات من المواقع الإلكترونية يعمل بها رؤساء تحرير إضافة إلى الموظفين والعاملين بها وبالتالي تشرد هؤلاء الصحافيين وانضموا إلى صفوف البطالة.

وأضافت اللجنة “بدلا من تشجيع الاستثمار بقطاع الإعلام وتعزيز دوره وازدهاره وتنميته لإيجاد فرص عمل للصحافيين والخريجين الجدد فإن هيئة الإعلام ونقابة الصحافيين تعملان معا خلافا لذلك كله عبر محاصرة قطاع الإعلام ودفعه للإغلاق والمساهمة بهدمه بقوانين لا تتناسب مع الظروف الراهنة والاقتصادية بدلا من المساهمة بتطوير قطاع الإعلام بقوانين عصرية لا رجعية”.

ويسود الاعتقاد بين الصحافيين الأردنيين أن الحريات في بلادهم تتراجع، ويرون أن الحكومات توظف التشريعات لفرض القيود عليهم، والعديد من المؤسسات الإعلامية تواجه تحديات في استمرار وجودها، وأشكال الانتهاكات وأنماطها تتكرر على نحو ملحوظ، وفق ما ذكر نضال منصور الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحافيين.

حرية الإعلام لا تزال عالقة بين رؤى مختلفة، وتوجهات متعارضة، وصراعات مستمرة الخيار الوحيد الذي نملكه هو أن نمضي لتعزيز حرية الإعلام
حرية الإعلام لا تزال عالقة بين رؤى مختلفة، وتوجهات متعارضة، وصراعات مستمرة

وأشار منصور خلال إطلاق المركز لتقريره عن حالة الحريات الإعلامية لعام 2018 تحت عنوان “حرية عالقة”، إلى أن “الحالة التشاؤمية للإعلاميين سيطرت على كثير من إجاباتهم في استطلاع الرأي الذي نفذه مركز حماية وحرية الصحافيين، فما يُقارب 76 بالمئة يرون أن التشريعات تُشكل قيدا على حرية الإعلام، وأكثر من ذلك فإن 61 بالمئة يعتقدون أن الحكومة غير جادة في بناء إعلام حر”.

ونوه منصور إلى أن “أجهزة إنفاذ القانون لو أحسنت التعامل مع الإعلاميين في أماكن الاعتصامات والاحتجاجات، ولو كان هناك ‘مدونة سلوك’ تلزم رجال الأمن بصون حق الصحافيين بالتغطية المستقلة، لتراجعت الانتهاكات، ولتحققت نتائج إيجابية كبيرة جداً”.

وأكد أن “حرية الإعلام لا تزال عالقة بين رؤى مختلفة، وتوجهات متعارضة، وصراعات مستمرة”.

وقال منصور “الخيار الوحيد الذي نملكه هو أن نمضي لتعزيز حرية الإعلام، ونضمن تدفق معلومات ذات صدقية، ونساهم في بناء ‘إعلام عمومي’ يعبر عن أولويات المجتمع، ونُخضع كل من ينتهك حقوق الصحافيين للمساءلة حتى يتوقف الإفلات من العقاب”.

واختتم توطئة التقرير بالقول “نستطيع أن نتجاوز العثرات في الأردن، أن نخلع لبوس التردد، أن نغادر إلى غير رجعة المساحة الرمادية التي تبقينا أسرى لتوقف الزمن، فنحن ما بين حالتين ومرحلتين، لا ننتمي لدولة دكتاتورية مستبدة، ولم نلحق بقطار الدول الديمقراطية، وعلى هذا بقيت حرية الإعلام عالقة بانتظار إرادة سياسية ناجزة تنهي الجدل، والشد والجذب، وتعلن الحسم والفرج”.

والتقرير الذي يصدره مركز حماية وحرية الصحافيين للسنة الثامنة عشرة على التوالي توزع على ثلاثة فصول رئيسية، حيث استعرض في الفصل الأول البيئة السياسية والاقتصادية والأوضاع المهنية للعاملين في الإعلام، والتشريعات التي تنظم الإعلام ودورها، ومدى تنفيذ الأردن لالتزاماته الدولية، ورؤية المنظمات غير الحكومية وشبه الحكومية للوضع الإعلامي في الأردن.

وأقر التقرير في فصله الأول بأن عام 2018 لم يكن عاما سهلا على الأردن بشكل عام، وعلى الإعلاميين بشكل خاص، حيث شهد الأردن احتجاجات واسعة كانت في مجملها رفضاً للأوضاع الاقتصادية الصعبة، أو المطالبة بتغيير النهج الاقتصادي والسياسي.

وذكر أن “البنية التشريعية في الأردن ليست بنية صديقة للحريات الإعلامية، وأن إجراءات متعددة وواسعة يتعين على الحكومة اتخاذها بالتعاون مع البرلمان من أجل تحسين البناء التشريعي في الأردن، وتلافي التعارض الواضح بين القوانين والدستور والمعاهدات الدولية ذات الصلة التي وقعت عليها الأردن”.

ووجد الخبراء وفق التقرير، أن تعدد المرجعيات التشريعية قد يؤدي إلى الخلط بين المفاهيم خاصة إذا أحيلت بعض دعاوى قضايا النشر للسلطة القضائية، وأن التعديلات الأخيرة المقترحة على قانون الجرائم الإلكترونية من شأنها تقييد حرية التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي الأمر الذي من شأنه الاستمرار في تقييد حرية الإعلام بسبب إمكانية اندماج مؤسسات الإعلام التقليدية مع وسائل السوشيال ميديا الحديثة.

وأظهرت آراء الخبراء أن “الدولة أصبحت تتوجس من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع، الأمر الذي يشكل تهديدا حقيقيا لحرية الرأي والتعبير وحرية الإنترنت، وأن الحكومة لجأت لذات العقلية التي نظمت بها وسائل الإعلام التقليدية المحترفة واستخدمتها في تنظيم حرية الرأي والتعبير على الإنترنت، إضافة إلى أن المجتمع يضع قيوداً على حرية التعبير على الإنترنت تتمثل بالتابوهات والخطوط الحمراء والتي يصعُب الحديث عنها مثل الدين والجنس”، وأن سلطة ونفوذ شركات التواصل من الأمور التي توسعت بشكل كبير فأصبحت أكبر من سلطة الدول، الأمر الذي زاد من التضييق على الإنترنت.

18