التشفي الإسلاموي

كأن رب العزة فوضهم بمقاضاة الأموات، وأعطاهم تصريحاً بتولي أمر الشريعة التي أرادها سبحانه أن تعتني بعباده، أحياءً في الدنيا وأمواتاً بعد أن يُوطأون قبورهم.
الأحد 2019/07/28
دموع حارقة في توديع الرئيس

بينما كان التونسيون وعقلاء العرب والمسلمين، يترحمون على روح رجل جاوز التسعين، ثم أصبح بين يدي الله، وكان حتى اللحظة الأخيرة من حياته ودوره، يرمز إلى رفض كل أطياف المجتمع في بلاده، الانزلاق إلى الفوضى القاتلة؛ أفضى إسلامويون بما تهجس به صدورهم من نزعات إلى التجديف على رب العزة، بمحاولة الاستحواذ على الحق الذي استقر حصراً لجلال سلطانه، كملك قدوس، هو وحده الذي يحكم على أعمال البشر في الدار الآخرة.

وكأن رب العزة فوضهم بمقاضاة الأموات، وأعطاهم تصريحاً بتولي أمر الشريعة التي أرادها سبحانه أن تعتني بعباده، أحياءً في الدنيا وأمواتاً بعد أن يُوطأون قبورهم. فالأصل في الشريعة هو أن تُحفظ حرمة الميت فلا يُنبش قبره ولا يُحرم من الدعاء له بالرحمة والغفران، ولا فرق في ذلك بين ميت وميت، فما بالنا عندما يكون المتوفى واحداً ممن كان لهم في حياتهم الشرف والفضل، في منع الفتن والحفاظ على أرواح الناس وعلى سلمها الأهلي، بقطع النظر عن اختلاف البعض أو اتفاقهم معه في بعض الجزئيات!

اتسمت ردود أفعال أصحاب الفقه الرديء بالتشفي. ويتعلق جوهر هذا الصديد، بمسألة الحكم ودستور الدولة، وليس بالشريعة ومحدداتها التفصيلية. فالدساتير ليست حواضن للشرائع الدينية، وإنما هي نصوص ناظمة للعلاقة بين الدولة العصرية والمواطنين بكل أطيافهم. وفي بلدان غير المسلمين، تحمي الدساتير حقوق المواطنين جميعاً، وتبدد القلق الأقلوي.

ضيقو الأفق، يتغاضون عن كون الدستور العلماني، هو شرط حياة المسلمين في الهند، التي خرج منها أبوالأعلى المودودي، ويعيش فيها أتباعه في مأمن من شر الأصولية الهندوسية. فإن قلت لواحد منهم سقط الدستور، تحكم عليه بالذلة والموت. أما في أوروبا، حيث لا يستطيع الأصوليون من أي ديانة، الانقضاض على أصوليين من ديانة أخرى، فإن الدستور يحمي حقوق المواطنة التي يستفيد منها أعتى الأصوليين المسلمين في بلاد المسيحيين.

هؤلاء الجهلة الذين يمرقون على الدين ويتشفون بميت، يتنطعون. ففي لغتنا العربية، هناك أفعال لا مثيل لها في كل لغات الدنيا. كالفعل يتنطع، ومعناه ترك المسائل الجوهرية في أي موضوع، والتركيز على القضايا الصغيرة والتافهة، كأن تتزوج مسلمة من مسيحي. وكأن الأولى تختلف عن أي امرأة مسلمة افتراضاً، لا تؤدي واجباتها الشرعية، أو كأن الثاني أغلق تماماً باب الهداية، أو كأن مصير الوطن، يتوقف على بضع وقائع نكاحية، ليكون المعني باستقرار السلم الأهلي، هو نفسه المعني بضبطها ومقاضاة أطرافها شرعياً في الدنيا والآخرة.

24