التشكيك في ولاء الجالية المسلمة يضع السياسة الأميركية في مأزق

المسلمون في الولايات المتحدة الأميركية، لا يستهان بعددهم، ولا بدورهم وفعاليتهم داخل المجتمع الأميركي، والذي تحاول الأوساط اليمينية والعنصرية أخذه نحو معاداة المسلمين من خلال اللعب على ورقة الإرهاب ومحاولات وضع كل المسلمين في خانة واحدة، ومن هنا تأتي مسؤولية المسلمين الأميركيين في ضرورة مد ما انقطع من جسور بعد أحداث الـ من 11 سبتمبر2001، وذلك عبر المزيد من العمل داخل منظمات المجتمع المدني، ومؤسسات الدولة، مع ضرورة التخلي عن التقوقع والاكتفاء بردات الفعل التي من شأنها أن تزيد من الشرخ وتعمّق عزلتهم.
الاثنين 2016/11/21
انسجام تام

نيويورك - جاء في دراسة حملت عنوان “المنظمات الإسلامية وتنامي الإسلام في أميركا ” للباحث لؤي صاف، أنه ومع خطورة تبني الخطاب الاقصائي داخل الولايات المتحدة، التي تتميز بتجربتها العلمانية الفريدة القائمة على التسامح بين أبناء الديانات جميعا، ومع وجود أقلية مسلمة تتجاوز الخمسة ملايين نسمة، سيكون صعبا جدا الدخول في خطاب استبعادي وإقصائي بحقهم، ولذلك وجدنا الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الذي استخدم ثلاث مرات مصطلح “الفاشية الإسلامية” المثير للجدل، يصف تنظيم القاعدة بأنه قد اختطف الإسلام من أصحابه الرئيسيين عندما خرج عن قواعده العامة التي تدعو إلى الاعتدال والتسامح ونبذ العنف.

وهو هنا بشكل أو بآخر يحاول التمييز بين أشكال مختلفة من الإسلام، لأن مماهاة المسلمين كلهم ضمن تيار واحد، كما يفعل اليمينيون المتشددون في الولايات المتحدة وعلى رأسهم دانيال بايبس، من شأنها أن تشكل معضلة سياسية استراتيجية ليس على مستوى التعامل مع الجالية المسلمة في الولايات المتحدة فحسب، وإنما مع العالم الإسلامي ككل.

ويقول لؤي صاف، في البحث الذي تضمنه كتاب “المسلمون في أميركا.. الإندماج والدراسات والمهاجرون” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، إنّ هذا الأمر قد تجلّى عموما في خطابات السياسيين الغربيين وبعض الأحزاب والشخصيات اليمينية– والتأكيد أن الغرب لا يحمل إشكالا مع الإسلام كدين وكأناس يدينون به، لكنه يعاني من أولئك الذين يحملون فهما خاصا عن الإسلام يخوّلهم التخلص من أعدائهم لاختلافهم معهم في توجهاتهم العقائدية والدينية والفكرية والسياسية، لا سيما بعد التفجيرات التي حدثت في نيويورك ولندن ومدريد.

ويتم تضخيم أمر هؤلاء في الإعلام، خاصة أنهم نموا بين ظهراني القيم الغربية الليبرالية وفي أحضان مدنها الرئيسية لندن وباريس ومدريد، مما خلق ارتكاسا أو خوفا تقليديا ينبع من الإسلام ومن معتنقيه.

يختلف ذلك باختلاف الخبرة التعددية والمفهوم الثقافي للاختلاف وفهم الأمة القومي لذاتها، وهو ما وجدناه مثلا في الفرق الكبير بين مسلمي بريطانيا ومسلمي فرنسا، على سبيل المثال، ودور كل منهم في المجتمع وتأثيراته.

لقد كان تركيز الغرب في ما سبق، وخلال العقود الثلاثة السابقة، منصبّا على الإسلام الشيعي باعتباره الظاهرة الأكثر تهديدا وإزعاجا. أما في الوقت الحاضر فإن التركيز الغربي منصب على النشاط السنّي، حيث تدور معظم المخاوف حوله، ويتم النظر إلى الإسلام السنّي بشكل واسع على أنه أصولية متزمتة.

المهاجرون المسلمون يتميزون في العقود القليلة الماضية، بقدرتهم التعلمية العالية وإنجازاتهم الشخصية

"إسلاموات" سياسية

إن تقرير “مجموعة الأزمات الدولية” يقرّ بأن مصطلح “الإسلام السياسي” هو أميركي المنشأ وقد أصبح متداولا بعد الثورة الإيرانية، ويفترض أنه كان هناك إسلام ولكن غير سياسي حتى جاء الخميني وقلب الأشياء، فأصبح للإسلام بعدها ثقل في الحياة السياسية للشرق الأوسط.

يقسم تقرير “مجموعة الأزمات الدولية” تيارات الإسلام السياسي إلى ثلاثة تيارات رئيسية:

الأول: التوجه الإسلامي السياسي، بمعنى أنه يشتمل على حركات تعطي الأولوية للعمل السياسي على الخطاب الديني، والسعي للسلطة بواسطة وسائل سياسية وليس بالعنف، وبشكل خاص تنظيم نفسها كأحزاب سياسية، والمثال الرئيسي هو الإخوان المسلمون في مصر وفروعهم المختلفة وخاصةً في الأردن والجزائر.

الثاني: يشتمل على النشاط التبشيري المتجدد والأصولي في آن واحد، وتتجنب الحركات من هذه الفئة النشاط السياسي المباشر، وهي لا تسعى للسلطة ولا تصنف نفسها كأحزاب سياسية، بل تركز على النشاط التبشيري كالدعوة لتثبيت أو إحياء الإيمان كالحركة السلفية المنتشرة في العالم العربي وجماعة التبليغ التي ولدت في الهند عام 1926 وانتشرت في العالم.

الثالث: تيار “الجهاديين” وهم نشطاء ملتزمون بالعنف لأنهم معنيون بما يعتبرونه دفاعا عن الإسلام أو في بعض الأحيان لتوسيع دار الإسلام، ويضم هذا التيار فئتين رئيسيتين هما:

السلفية الجهادية: المؤلفة من أناس ذوي نظرة سلفية، وتمت تعبئتهم كمتطرفين، وتخلّوا عن النشاط المسالم الذي تتبعه الدعوة لينضمّوا إلى صفوف الجهاد المسلح.

القطبيون: وهم نشطاء تأثروا بالفكر المتطرف لسيد قطب وكانوا في البداية مهيئين لشن الجهاد ضد “أقرب عدو”، وهو الأنظمة المحلية والتي وصفوها بالكفر، وخاصة في مصر، وذلك قبل التوجه إلى الجهاد في العالم الخارجي ضد “العدو البعيد”، وخصوصا إسرائيل والغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة.

أما تقرير مؤسسة “راند” الأميركية، والذي صدر عام 2003 تحت عنوان “الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات”، فإنه يصنف التيارات الإسلامية المعاصرة إلى أربعة أصناف هي: العلمانيون والأصوليون والتقليديون والحداثيون، ثم يحدد مواقف هذه التيارات إزاء عدد من الموضوعات الرئيسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتعدد الزوجات، والعقوبات الجنائية والعدالة الإسلامية، وموضوع الأقليات، والموقف من المرأة، محاولا في النهاية بلورة “استراتيجيا مقترحة” للولايات المتحدة تقوم على العثور على شركاء من أجل تطوير وتنمية الإسلام الديمقراطي، الذي يرى أنه أقرب ما يكون إلى قبول القيم الأميركية وخصوصا القيم الديمقراطية.

إنجازات متقدمة

أما معهد كارنيجي فإنه يتبنى التفريق بين الحركات الإسلامية بناء على لجوئها إلى العنف، ويعتبر أن الحركات الإسلامية المعتدلة، وليست الراديكالية، هي التي سيكون لها أعظم الأثر على التطور السياسي المستقبلي في الشرق الأوسط، ويعرفها بأنها تلك الجماعات التي تخلت عن العنف أو نبذته رسميا وتسعى لتحقيق أهدافها من خلال نشاطات سياسية سلمية، ومن أهمها حركة الإخوان المسلمين بفروعها المختلفة، وحزب العدالة والتنمية المغربي، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحزب الإصلاح في اليمن، وغيرها.

أما المعهد الأميركي للسلام الذي قدّم أكثر من تقرير في ما يتعلق بالاجتهاد في الإسلام والتعامل مع الإسلاميين؛ فهو يعتبر أن أحد الأسباب الرئيسية التي تبرر فشل المسلمين في المصالحة بين الإسلام والحداثة إنما يعود إلى أن عملية الاجتهاد داخل حلقة الإسلام السُّنّي قد أغلقت منذ قرون، ومع ذلك كانت هناك مبادرات لمحاولة تفسير نصوص الإسلام المنزلة على ضوء حقائق العصر والمعرفة الحديثة.

ولكي ينجح الاجتهاد في مجتمع ما، يجب أن تسود الديمقراطية وحرية الرأي، وعلى ذلك فإن تقريرا آخر يوجّه الولايات المتحدة في سياستها الخارجية نحو دعم “التجديد الإسلامي” أو أولئك الذين يتّصفون بالاعتدال الإسلامي ويتبنّون برامج تقوم على أساس الإصلاح الديني والتجديد من داخل الحقل الإسلامي.

يتميز المهاجرون المسلمون إلى الولايات المتحدة، في العقود القليلة الماضية، بقدرتهم التعلمية العالية وإنجازاتهم الشخصية المتقدمة.

فقد وفر المجتمع الأميركي الفرص للمسلمين الوافدين لتطوير إمكانياتهم الفنية والعلمية وقدارتهم العملية والتنظيمية، وتمكن الكثير منهم من تحقيق إنجازات متميزة في المجالات التي اختاروها، والتأثير في مجتمعهم الجديد، ومن ثم توظيف الإمكانيات المالية والتنظيمية لبناء مراكز إسلامية ومؤسسات أهلية فاعلة.

وبرزت قيادات إسلامية تعمل على ربط الجالية الإسلامية بمحيطها الاجتماعي وتحثها على ممارسة دورها الاجتماعي والثقافي والسياسي داخل الولايات المتحدة وخارجها.

تشكل الجالية الإسلامية 3 بالمئة من مجمل سكان الولايات المتحدة الأميركية ويبلغ عدد المسلمين الأميركيين سبعة ملايين.

والجالية المسلمة جالية فتية لا يزال معظم أبنائها (67 بالمئة) دون سن الأربعين، في حين يبلغ عدد السكان الأميركيين غير المسلمين الذين تجاوزوا سن الأربعين 67 بالمئة من مجمل السكان.

نقل المعركة إلى العدو

تمكن المسلمون في أميركا من تطوير مؤسساتهم التعليمية خلال فترة قليلة نسبيا. فالمدارس الإسلامية ذات الدوام الكامل، ومدارس نهاية الأسبوع، منتشرة في مختلف المدن الأميركية، وهي تقوم بتوفير التعليم المدرسي العام إلى جانب تعريف الطلبة بمبادئ الإسلام وقيمه وتاريخه.

فلا يكاد المرء يجد مدينة أميركية دون مدارس إسلامية، في حين تتواجد المدارس الخاصة بالجالية الإسلامية بالعشرات في المدن الأميركية الكبرى مثل ديترويت ولوس أنجليس ونيويورك، وشيكاغو.

وقد تم إنشاء عدد من مجالس التعليم الإسلامي لتنسيق الجهود الرامية إلى تحسين التربية الإسلامية، وبخاصة في مجال تطوير المناهج وتدريب المعلمين.

وإلى جانب المؤسسات التعليمية، نجد المسلمين الأميركيين قد حققوا إنجازات مهمة في مجال التنظيم السياسي.

فقد تمكن المسلمون في الولايات المتحدة من تأسيس العديد من المنظمات الوطنية المعنية بتعبئة المجتمع الإسلامي سياسيا والدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية للمسلمين، مثل الاتحاد الإسلامي لأميركا الشمالية، ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية، ومجلس الشؤون العامة الإسلامية، والتحالف الإسلامي لأميركا الشمالية، والمنافحون الأميركيون، وغيرها. وتعمل هذه المنظمات على رفع مستوى الوعي المدني والسياسي لدى المسلمين وتحفيزهم على الدفاع عن حقوقهم المدنية والسياسية.

وشكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر منعطفا كبيرا في حياة المجتمع الأميركي عموما، والجاليات الإسلامية على وجه الخصوص. فقد ولدت الضربات الإرهابية التي استهدفت أهم مركزين تجاريين في القارة الأميركية مخاوف كبيرة، وأنهت بشكل مفاجئ الشعور بالأمن من العدوان الخارجي في الوعي الأميركي. وزاد من عمق المخاوف من الخطر الجديد، المتمثل بالجماعات الإسلامية المسلحة، الجهل الكبير بالإسلام والمسلمين الذي يطبع الشعب الأميركي على عمومه.

وجد اليمين الديني المتطرف، الذي يرى في الإسلام خصما منافسا، فرصته في أجواء الخوف التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، وقرر إعلان حرب لا هوادة فيها على الجاليات الإسلامية ومنظماتها الوطنية، بل وكل من تحالف معها ودافع عن حقوقها.

ويتزعم الهجوم الشرس على المسلمين عدد من المنظمات اليهودية والمسيحية المتطرفة، وفي مقدمتها منظمات المحافظين الجدد الذين لعبوا دورا أساسيا في تبرير العمل العسكري في العالم الإسلامي تحت عنوان نقل المعركة إلى العدو.

وفي طليعة المنظمات المعادية للوجود الإسلامي في الولايات المتحدة والغرب عموما مركز السياسات الأمنية الذي يترأسه فرانك جافني، ومنبر الشرق الأوسط الذي يترأسه دانيل بايب ويساعده فيه مايكل روبن، ومركز الحرية الذي يديره دايفيد هاراوتس، وغيرها الكثير. وتسعى هذه المنظمات إلى التشكيك بولاء المسلمين الأميركيين وتعتبرهم طابورا خامسا، كما تعمل على ربط الأعمال الإرهابية التي تقوم بها منظمات إسلامية متطرفة بتعاليم الإسلام، لتعتبره دينا إرهابيا يجب محاربته ومنع انتشاره ضمن القارة الأميركية.

وترى هذه المنظمات في انتشار الإسلام في القارة الأميركية، واكتساب أتباعه مهارات سياسية وتحالفات اجتماعية ودينية داخل المجتمع الأميركي، خطرا على المشروع الصهيوني الذي يعتمد الغرب قاعدة لدعم مشروعه الاستيطاني التوسعي. لذلك فإنها تبذل جهودا حثيثة، وتجند إمكانياتها البشرية والمالية لتعميق المخاوف وتوسيع الشرخ بين الجاليات الإسلامية من جهة والجماعات اليهودية والمسيحية من جهة أخرى. ولعل في الحملة التي قادها اليمين المتطرف مؤخرا ضد بناء مركز إسلامي في منهاتن قريب من الأبراج التي دمرها هجوم 11 سبتمبر، نموذجا على استراتيجية الدمج بين الإسلام والإرهاب. فالخطاب اليميني يشدد على أن بناء المركز عمل عدواني يرمز إلى انتصار الإسلام على الغرب، وبالتالي فهو لا يفرق بين الإسلام عموما والهجمات التي تقودها منظمات إسلامية متطرفة.

الغرب يعاني من أولئك الذين يحملون فهما يخولهم التخلص ممن يختلفون معهم في عقائدهم الدينية والفكرية والسياسية

إعادة مد الجسور

إن القيادات الإسلامية والعربية في أميركا على وعي تام باستراتيجيات خصومهم في اليمين المتطرف، وهم لذلك يعملون ليل نهار على قطع الطريق على خصومهم الدينيين والسياسيين ببناء الجسور مع مختلف الجماعات الدينية والعرقية وإقامة تحالفات مع المنظمات الدينية والمدنية المعتدلة.

كما تعمل قيادات الجالية الإسلامية على بناء المؤسسات التعليمية والتدريبية، ومراكز البحث، ومنظمات المجتمع المدني التي تتيح للجالية بناء فعالياتها، واكتساب المهارات اللازمة لخدمة مصالح الجالية والدفاع عن حقوقها المشروعة في العيش الكريم، وممارسة الحريات كافة، التي عادة يمنحها الدستور الأميركي للمواطنين دون تمييز ديني أو عنصري.

ويبقى التحدي الكبير الذي يواجه المسلمون الأميركيون هو قدرتهم على التفاعل مع هموم المجتمع الأميركي؛ والتلاحم مع أبنائه والعمل من داخل مؤسساته على القيام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية تساهم في تطوير الحياة بصورة إيجابية، وصولا إلى تطوير السياسات الخارجية الأميركية بعيدا عن سياسات الهيمنة، وباتجاه التعاون من أجل تحقيق السلام العادل في جميع المجتماعات الإنسانية، بما فيها المجتمعات المسلمة، بدلا من السير في السياسات الاستعمارية التي يبررها ويدعو إليها اليمين المتطرف في الولايات المتحدة والدول الغربية.

13