التشكيلية السعودية تغريد البقشي: قوارب ورقية وعالم بلا رجال

الأحد 2015/02/22
صورة الفنانة في جوار لوحتها: لا مكان للرجال هنا

المنامة - بعد معرضها الذي لفت انتباه المهتمين العام الماضي “إنه قمر وليس برتقالة”، والذي قدّمت فيه تجربتها من خلال عدة مشاريع حداثية على شكل حقائب فنية اتسمت بالاختلاف والجرأة، تعود التشكيلية السعودية تغريد البقشي في أواخر يناير الماضي لتقدّم تجربتها الجديدة “طفو” في غاليري الرواق بالمنامة، معالجة أسئلتها الفلسفية العائمة بين الوجود واللاوجود، عبر 33 عملا فنيا، خاطبت من خلالها مثيلتها “المرأة” بخطاب وجودي شكسبيري عائم “نكون أو لا نكون، تلك هي القضية”. وفي هذه التجربة تقف البقشي في المنتصف بين أرخميدس وفرويد، مستلهمة من الأول حالته الفيزيائية، ومن الثاني عمقه النفسي في تفسير الصراعات المعقدة في علاقة المرأة بالمرأة، وعلاقة المرأة بالرجل، وعلاقة المرأة بالكون.

وهذا ما عبّرت به الفنانة السعودية مريم بوخمسين عن تجربة “طفو” لـ”العرب” حين التقيناها على هامش المعرض قائلة “تتميز تجربة تغريد البقشي بروح شفافة، وتملك حساسية عالية تجاه اﻷشياء، يظهر ذلك جليا من خلال نتاجها الفني، فهي قادرة على إظهار أكثر الاختلاجات غورا وعمقا في النفس البشرية، وتقريب صور المشاعر والحالات التي لا يمكننا رؤيتها في حياتنا الواقعية، وبذلك تمنح نفسها والمتلقي حالة من التوازن والتصالح مع الحياة بكل ما فيها من ألم وحب، وهذا هو دور الفن الذي تؤديه بكل براعة و تفرّد”.


حالة تصوف


تغريد البقشي -وعبر أكثر من عشرة معارض شخصية سابقة- تتّسم تجربتها بطابع القلق الدائم، والتجديد المستمرّ، فلا تقف عند محطة، ولا ترتوي بماء، ولا يمكن أن ترتهن إلى جهة دون المساءلة المستمرة في وعيها وفي عمق تجربتها.

تقولعن “طفو” لـ”العرب”: تجربة “طفو” تجربة تأملية صوفية ذاتية، إنها محاولة الانتقال من حدود الحرف إلى عوالم اللون. وتتابع: كانت هذه التجربة جزءا من المعرض السابق “إنه قمر وليس برتقالة”، حيث حضرت بصورة غير مكثّفة. هنا قصدت أن أحدّد الاشتغال ضمن مفهوم محدّد ومناخ واحد، لا سيما وأنني أعيش مرحلة “الطفو” انطلاقا من الواقع الذي نعيشه في مجتمعنا المحافظ المسكون بالأعراف والتقاليد والعادات، إننا نسكن في مساحات معلّقة وعائمة وطافية وغير منتمية إلى جهة كونية محددة، فهي لا سماوية ولا أرضية.
عالم طفولي نسوي ساخر ولاعب

لاحظ الكثير من المتابعين في تجربة البقشي بأنها كانت تعالج قضاياها، ولا سيما مشروع “إنه قمر وليس برتقالة” عبر عدة حقائب فنية. أما في “طفو” فإنها ضيّقت الدائرة في ثيمة فلسفية محدّدة.

وعن هذا التحوّل بين التجربتين تضيف البقشي: في التجربة السابقة كنت في مرحلة انفجار نفسي، كنت أريد أن أعبّر من خلالها عن كل قضاياي وأسئلتي ومخاوفي وهواجسي دفعة واحدة. بينما في “طفو” بقيت هادئة، حاولت أن أقدّم سؤالي الفني دون تشتيته في مناخات أخرى.

المعرض يأخذنا لعالمين؛ عالم مائي، شفاف، مائل للخفة، وللطيران وللسحر، وعالم مشغول بالجسد وتفاصيله وسط مهرجانات لونية تخفت في بعض اللوحات وتتوهّج في أخرى، جميعها تأخذ المتلقي إلى حالات كولونوولسونية من اللاانتماء. تقول البقشي عن العالمين “دعني أقول في البداية إنني بعد عدة تجارب ومحاولات وصلت إلى هذه المرحلة من العرض البصري.

ومن الممكن أن أشبه المعرض بالغيمة المحملة بالمطر، غيمة منفعلة مليئة بالألوان وبالأجساد وبزخمهما، غيمة أنزلت ثقلها المائي ثم عادت خفيفة مائية شفافة.

لهذا يشعر المتلقي بتحوّلات العالمين في المعرض. ولقد أردت لهذه الحالة أن تسكن كل من يمرّ بالتجربة، لأنني أرى ذاتي في هذا الشكل”.

تواجهنا في مدخل الغاليري جدارية كبيرة تمثّل تجمعات نسائية في حالة من حالات الاستقواء، والقرب الجسدي الأنثوي الخالي من حضور الرجل. وكأن البقشي كانت تميل إلى وصف الواقع الذكوري بلا رتوش. وعبر أكثر من تجربة سابقة كانت البقشي تقدّم هذه اللوحات بمعالجات بصرية مختلفة، يحضر فيها الرجل أحيانا، لكنه يغيب في أغلب الأحايين.

وعن ذلك تعلّق البقشي لصحيفة “العرب”: كامرأة، فإن الواقع الذي نعيشه في السعودية هو عبارة عن تجمعات نسائية خالية من وجود الرجل. رغم أن الحوارات النسائية التي تدار في هذه التجمعات كلها تدور حول الرجل، لكنه يغيب بوجوده الفعلي. إنه الكائن الغائب الحاضر المعلّق الطافي في ذاكرة المرأة الاجتماعية.
قوارب ورقية وعالم بلا رجال

قوارب ورقية

في الطابق العلوي من غاليري الرواق يواجهنا عمل مفاهيمي شبيه ببحيرة مائية وضعت البقشي فيه مجموعة قوارب ورقية صغيرة وسط قالب مائي شفاف. وكأنها تأخذ المتلقي إلى طفولته ببراعة عبر سبر لا وعيه، والإبحار به في حفريات نفسية كانت عصية على التذكر، لولا مروره بهذه التجربة الفنية. تتابع البقشي لـ”العرب” حول هذه التجربة قائلة “التفكير جزء كبير من التجربة، ولم يكن كل همّي أن أقدّم معرضا تقليديا. عندما كنت صغيرة كنت أحبّ القوارب الورقية المائية، ولقد أشعرتني دائما بكمية كبيرة من الشفافية والصدق. أحسست أنها ستضيف إلى تجربة “طفو” عمقا جديدا واستثنائيا، فعملت عليها مستخدمة أوراقي الخاصة التي كنت أكتب فيها مذكراتي الشخصية أيام الطفولة في محاولة للعودة بالمتلقي إلى طفولته التي تحوّلت من كلمة إلى واقع متمثّل أمامه في حالة طفو”.

هنالك جدلية فلسفية وحوار وجودي حاضر على الدوام، بين عوالم الرجل والمرأة في تجربة تغريد. هذه الجدلية ظلت حاضرة في تجربتها الأخيرة “طفو”، فالمشاهد يرى في أعمال كثيرة تناظرات ومواجهات ومقابلات المرأة والرجل في تمثّلات مختلفة ومعالجات تتغيّر من لوحة إلى أخرى.

تقول البقشي “الحياة هي امرأة ورجل، والمرأة تحمل بداخلها مسؤولية كبيرة حيال التوازن والسيطرة على كل ما يحيط بها. إنها تدير الأمور بشكل منتظم في تحدّ مستمر، ووسط هذا التعب تنتظر المرأة من الرجل أن ينظر إليها بعيونها لا بعيونه، وهذا الأمر قابل لأن يكون مع الرجل أيضا”.

15