التشكيلية المصرية سما يحيى: لا رغبة لي بصناعة فن للنخبة

جاء المعرض الرابع الموسوم بـ “فرحة” للفنانة المصرية سما يحيى، والتي شاركت في العديد من المعارض الدولية والإقليمية، مغايرا للسائد، ما أثار العديد من التساؤلات حول كيفية كسر تلك اللوحة التراثية، التي صارت جزءا من تركيبة المجتمع المصري وتاريخيه بلوحات أخرى تختزل الفرح والبهجة.
الجمعة 2016/08/19
العمق والأصالة

القاهرة- تبدأ سما يحيى حديثها بنقد الأحاديث الجارية حول غياب النقد وترى أن هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة، في راهن مشهد إبداعي مشغول بالشللية والتي باتت جزءا أساسيا أفسد الإبداع. وهذا كان ضمن أسباب الفنانة التي أبعدتها بعض الوقت عن الاشتغال بالكتابة النقدية، لكن هناك دوما ما يحرضها على الكتابة كما تقول، فلا تتردد بالطبع، إذ ترى نفسها كفنانة في المقام الأول، وممارستها للنقد تأتي في المرتبة الثانية، فهى تؤمن بأن ممارسة الكتابة النقدية في الفن التشكيلي تتأتى من أرضية معرفية موسوعية، وعلى من يشتغل بالنقد التشكيلي أن يكون منفتحا على الفلسفة وتاريخ الفن، وأن يكون على علاقة بجغرافيا وطبيعة الشعوب، وعلى علاقة وثيقة بتذوق الموسيقى، ومتابعا شغوفا لجديد الفن.

وعن معرضها “فرحة” تشير يحيى إلى أن ما حرضها على هذا العنوان هو فكرة الفرحة التي قد نكون افتقدناها في ظل مشهد راهن تشغل سطحه العتمة والحزن من كل اتجاه. وعن اختيارها “الخيامية” لتشغل بها رسوماتها ليأتي المشهد رسما على رسم، ولوحة داخل أخرى، تؤكد أن هذا جاء بوعي لتاريخ المصريين من لحظة الميلاد حتى الرحيل. تقول الفنانة “الخيامية طوال الوقت مشاركة للفرح وللحزن معا، حتى أنها تستخدم كثيرا في الإخفاء والإشهار، هنا أردت أن تشارك لوحاتي، والتي أراها مشغولة بالفرحة والعمق الإنساني داخل إطار لوحة أخرى هي الخيامية التي ترصد تاريخنا”.

اختارت سما يحيى أن تكون عيون نسائها مفتوحة بالفرحة، اللحظة هنا ثابتة محملة بدلالات وحكايا تحرض على السؤال والبحث عما وراء اللحظة الثابتة، ولم يغب عنها ارتباط الخيامية بفروع الخشب، فكانت جزءا أساسيا من لوحاتها، فهي في رأيها سند الخيامية، وأصرت على أن تدعه مكشوفا، قد يكون هذا عيبا في تصوري كمتلق، لكن ثمة إشارة أرادت يحيى أن تعلنها وعن وعي بأن لكل منا عيوبا. تقول ضيفتنا “أردت أن أشير إلى أن ما أقدمه هنا يكشف ويرصد عيوبنا وعليه يجب ألا نتجاوزها بل نقدم حلولا، وأول هذه الحلول هو كشف العيوب”.

وحول رهانات سما يحيى في ظل الأوضاع الراهنة، والتي تشغل المشهد الثقافي المصري وإلى أي مدى نجحت في الاشتباك مع واقع ما يجري تقول يحيى “هدفي الأساسي هو أن أصنع فنا تتفاعل معه الجماهير وتشعر به. لا رغبة لي بصناعة فن لنخبة ثقافية أو غيرها ولا تشغلني قضايا النخبة الثقافية. يشغلني الإنسان وتنمية الإحساس الجمالي لدى المتلقي أو المتفرج العادي، إدهاشه دون صدمة باستخدامي لمفردات وأشياء قد يراها في حياته العادية لإثارة شعوره بالبهجة وتحبيبه في الفن التشكيلي وإشعاره بأنه حالة حياتية لا تتعالى عليه وليس أيضاً مجرد رفاهية بل هو جزء من وجوده. هذا هو مشروعي الحقيقي وهذه هي الواقعية من وجهة نظري، وأيضا هي الدور الحقيقي للثقافة. وهنا يأتي دور الناقد التشكيلي كمكمل لهذا الهدف من خلال تبسيط العمل الفني وشرحه بسلاسة للمتلقي”.

تحدثنا إلى ضيفتنا حول دور النقد الفني التشكيلي وخصوصيته في ترسيخ ذائقة بصرية لدى المتلقي فتؤكد ضيفتنا أنه ليس هناك فن دون نقد ولا نقد دون فن، وهنا لا تعني بالنقد ما يكتب في تمجيد الفنان وإنما تعني النقد الحقيقي والناقد الحقيقي الذي يمتلك أدواته في قراءة العمل الفني والذي يستطيع أن يوجه الفنان ويفتح آفاقا جديدة له للتفكير الإبداعي ولإيجاد حلوله المبتكرة. هذا في ما يخص علاقة الناقد بالفنان. أما علاقة الناقد بالمتلقي فتتمثل في تفتيح مدارك المتلقي لقراءة العمل بلغة بسيطة يستطيع الفرد العادي فهمها ولفت نظره إلى جماليات قد تكون غائبة عنه في العمل.

أما عن غياب المدارس الفنية تقول يحيى “أظن أننا في حاجة إلى العودة إلى مشروع مدرسة فنية قومية. لا يمكن القول إننا نعيش لحظات انحدار سبق رغم أنه رصيد هائل من المواهب الشابة التي تمتلك الرؤية، ولديها الإصرار، لكن ينقصها العمق الثقافي والتمسك بمشروع الأصالة والبعد عن الجري وراء الصراعات والتقاليع الغربية. أعتقد أن تنمية الرغبة والقدرة على الابتكار دون فقدان الصلة بالجذور هما ما ينقصنا في هذه الفترة”. وعن الرضا بما قدمته من منجز فني وإبداعي تقول سما “قناعتي أن الفنان لا يمكن أن يصل إلى حالة الرضا الكامل عن نفسه أبدا، لأن وصوله إلى الرضا الكامل يعني أن ليس لديه المزيد ليقدمه، وأظن أنه مازال لدي الكثير”.

17