التشكيلية ماجدة نصر الدين: مؤلم ومحزن ومخيف ما يعصف بعالمنا العربي

الأحد 2013/12/01
ماجدة نصر الدين في محترفها

الشارقة - ماجدة نصر الدين فنانة تشكيلية لبنانية، يعدّها النقاد واحدة من أفضل الرسّامات اللبنانيات من الجيل الذي ظهر في التسعينات، شاركت في العديد من المعارض الجماعية في لبنان وداخل دولة الإمارات وخارجها، وأقامت عددا من المعارض الشخصيّة. لا تحبّ أن تنتمي ولا أن يصنفها النقاد، تلون كل شيء وبأي شيء، الفحم، القهوة.. لا تهم مادة الرسم، المهم هو الرسم.. لوحاتها الحرة مثل أجوبتها.. مراوحة بين النشيد والنشيج.

في سؤالنا عن جديدها الذي تعد به متذوقي لوحاتها في معرضها القادم، قالت ماجدة نصر الدين: "مشاركتي في معرض جماعة الجدار هي خطوة أخرى في مساري الفني، ومشاركاتي أتابع فيها ما كنت قد بدأت بسبر أغواره في اللوحة التجريدية منذ فترة من الزمن. فالتجريد فنّ رائع يعتمد على الفهم العميق للمنجز والثقافة البصرية اللونية التي تنضج معالمها من جرّاء العمل الدؤوب والتراكم الزمني للتعاطي مع المساحة واللون".

مضيفة: "إن كان هنا من وعد أقدمه فليس سوى الالتزام تجاه نفسي وعملي بالبحث المستمر والسعي لتطوير ما بدأت به، وذلك بالذهاب أكثر فأكثر في غياهب التجربة. لكأنها محاولة لتعلّم أبجدية اللون من جديد، تهجئته بطريقة مختلفة إن صحّ القول، خلق توازن ما بين السطح والعمق بخفّة وتناغم. أودّ بصدق أن أنجح في إيصال ما أريد لمتذوقي لوحاتي هنا وفي كل ما سيأتي".

وعن مشاركتها الجديدة في دبي، والجديد فيها أفادت أنها لوحات جديدة، رغم أنها استمرار لما سبق وقدمته، مشددة بقولها: "فالمتعاطي في مجال الفن والإبداع لا بد له أن يتعمّق في منجزه خاصة حين يعمل في مجال التجريد، فكلّما جال أكثر في أروقة روحه اكتشف أشياء جديدة، وفضاءات مختلفة. هنا اللون يرقص وهنا يبكي، هنا المساحات خافتة، وهنا تعلو الضربات كقطعة موسيقية توالت فيها النوتات حتى ألّفت لحنا مختلفا في كل مرّة. عملت بجدّ وتفان لأتماهى مع اللون وإيقاعاته حتى بتّ أسمعه أكثر مما أراه. هي أحاسيس متناقضة رائعة موجعة تختلف مع كل عمل".

وعن الربيع العربي ومدى تأثيره في لوحاتها لم تنفي الفنانة أن ما نعيشه الآن مخيف ومحزن ومؤلم، يسقم الجسد ويدمي الروح، على حد تعبيرها، مسترسلة بقولها: "أكثر ما يؤلم هو هذا التتالي المريع لانكسارات أحلامنا، وتعثر توقنا. ورغم أني ما زلت أعاني من تبعات الحروب المتتالية التي عشناها مُذ كنّا أطفالا، إلا أن المستجدات على مساحات الظلم الممتدة زادتني سقما، وأبعدتني عن كل ما أحب. قاطعت اللون والفرح، ومهما حاولت فشلت بالتعبير عمّا يجول بخاطري، فهو أكبر من أن يتحمله قلبي وأعمق من أن يستوعبه عقلي. سعيت بصعوبة بالغة أن أعبر إلى منطقة سلام بيني وبين نفسي كي أستطيع الاستمرار".

"تفصيل" من إحدى لوحات التشكيلية ماجدة

مضيفة: "حين عدت للعمل منذ فترة وجدتُ نفسي مندفعة أكثر من أي وقت مضى ومتحيّزة للحياة بشكل كبير.. مللتُ من الألم والحزن، سئمت البشاعة المنتشرة في كل مكان. حاولت أن أغزل من قهري وشاحا ينضح بالحب والألوان، فجاءت الأعمال لتحاكي هذا الشوق رغم الكآبة والمرارة التي تسكننا. ربما هي محاولة للانعتاق من البشاعة، رغم دَكانة اللون أحيانا وسوداويته، التي تفرضها فلسفة العمل مرارا وتكرارا، لتخلق بذلك بعدا دراميا أزليا، تشعر به ولا تستطيع أن تفسّره".

في لوحاتها حضر الأحمر القاني بقوّة دون سابق إنذار، حيث وجدته بطلا ممددا على المساحات بشكل عفوي وتلقائي، لم تعترض، بل ذهبت معه إلى أقصى حالاته. ويعود ذلك الحضور في نظرها للحروب المتوالية التي عاشتها مُذ ولدت، إذ ترى أن ما يحصل الآن هي حروب عقيمة.. لا يهمّ ما هي أسبابها بقدر ما يهمّ كمّ الأبرياء الذين تزهق أرواحهم دون وجه حق.

وعن الأعمال الفنية التي ظهرت في سوريا ولبنان ومصر وتونس ومدى صلتها التعبيرية بالحراك الشعبي العربي لأجل الحرية، قالت: "الأعمال التي ظهرت هي حالة طبيعية ومحقّة للصراخ في وجه الوجع والظلم.. كلّ منا يصرخ على طريقته وكيفما يجده ممكنا..

أحيانا تعلو صرخاتك في داخلك وتخنقها لأسباب معيّنة، ولكنك تجدها تنطلق في رحاب منجزاتك أكان كتابة أم شعرا أم رسما. هنا الهروب حالة مستعصية، فأين تهرب ممّا يضنيك ويرهق روحك وآمالك ومستقبل أبنائك؟ هناك وجع يقيّدنا ولا فكاك لنا منه، وكما أسلفت لكل متعاط في المجال الإبداعي طريقته الخاصة للتعبير عمّا يعتريه".

ولا تفرّق نصر الدين بين أوقات العاصفة كمساحة زمنية للقلق الفني وكونها مساحات للعمل الفني وإنجازه، إذ تعتبرهما متممين بعضهما لبعض. لتختم قائلة: "العمل الفني يحتاج إلى مساحة لا بأس بها من القلق ليتحقق أكان في العاصفة أم في الهدوء، الإنسان كتلة من الأحاسيس بشكل عام فما بالك بالذي خصّه الله بأحاسيس تزيد وتفيض؛ تنقلب الدنيا والموازين فتحاصره الهواجس والأسئلة العقيمة لتصبح ملح حياته، يتآكله الوجع والألم ويصبح همّه الأكبر كيف ننتهي من هذا الظلام والصقيع الحاصل في كل مكان. العاصفة تطاله أينما كان. أكان هو فيها أم خارجها سيّان، طالما أنه متورط بالعيش في عالم من الألم لا يحدّه حدّ".

16