التشكيلي البحريني أحمد عنان: انتهى مفهوم المدارس الفنية

الفنان البحريني يرى أن الفن أصبح أشمل وأوسع وأكثر حرية وأصبح المفهوم الفني مختلفا.
الثلاثاء 2019/07/16
المرأة رمز أعبّر من خلالها عن كل مواضيعي

تطور الفن التشكيلي المعاصر إلى درجة تجاوز فيها كل المدارس وبات فنا إشكاليا، يخرجه بعضهم حتى من دائرة الفن إلى دائرة السوق والبضاعة، لكن هناك تجارب أخرى تتوسل توجهات جديدة، وهو ما نلحظه في بعض الدول العربية مثل البحرين. وفي هذا الإطار التقت “العرب” بالفنان التشكيلي البحريني أحمد عنان في حوار نتعرف من خلاله على محاور مهمة في تجربته وفي الفن المعاصر كما يراه.

يحضر الفنان التشكيلي البحريني أحمد عنان سواء داخل المشهد الخليجي عامة والبحريني خاصة بمشاركات ومعارض متعددة، تحمل رؤى وخطوطا وألوانا تأتي أحيانا فاتنة ومبهجة وتارة غامضة عبر جسد المرأة ومحيطها الزماني والمكاني، حيث يعزف بتكوينات هذا الجسد رموز ودلالات عوالم خفية لها أبعادها الحضارية والإنسانية والثقافية القديمة والحاضرة، عامدا إلى خامات جديدة تعود بالبيئة التي يعيش فيها والتي تجمع بين المدنية والصحراء والبحر.

في معرضه “خفاء وتجلي” تجمع لوحات عنان التضاد بين الخشونة والنعومة أيضا، خشونة في ملمس اللوحة، وفي سطحها الذي يستخدم فيه نوعا خاصا من الكانفس يصنعه بنفسه، ثم يغطيها تارة بنشارة الخشب أو التراب أو مواد أخرى، أما النعومة فتأتي بالطبع من فكرة المرأة.

مدارس فنية

عالم مختلف
عالم مختلف

بداية يؤكد عنان أن مدارس الفنون المختلفة وخاصة فنون عصر النهضة في القرن الثامن عشر ومن ثم الفنون التي تلتها كالانطباعية والسريالية والتكعيبية، وبعدها الفن الحديث والفنون المعاصرة، قد أدهشته وحمسته فكان أن درسها وقرأ تاريخها حتى استطاع أن يضع يديه على ما يميز هذا الفنان أو ذاك من أشهر رواد فناني تلك المدارس، ومن ثم كانت تلك أهم مؤثرات شغفه بالفن.

ويقول “بدأت في ممارسة الفن وكنت في بحث دائم في دراسة التكنيكات والأساليب المختلفة والمواد المستخدمة في جميع مجالات الفن كالرسم والتلوين بجميع الخامات والطباعة والنحت. وكانت بدايتي رسم الطبيعة بشكل مباشر، ومن ثم انتقلت إلى البحث في الموضوع والشكل، فوجدتني في الفن الحديث والمعاصر والفن الطفولي وأخيرا اتخذت المرأة المكتنزة كأيقونة أو أعبّر من خلالها عن كل مواضيعي المختلفة.

ويضيف عنان “أحب أن أطرح الأفكار العصرية المعاشة المختلفة في أعمالي، وكان آخرها تأثير البلاستك على حياتنا وكوكبنا، وقد استخدمت خامات مختلفة منها الطبيعية كالتراب والأصداف البحرية الصغيرة، وكذلك البلاستك، كما لدي أعمال كلها من خامة البلاستك بعد تذويبه، كلها في شكل المرأة الممتلئة أو المكتنزة”.

ويوضح “الألوان في معظم أعمالي مستمدة من طبيعتنا الترابية الصحراوية، وتأثير ألوان البحر كالأزرق والفيروزي، لأن البحر يحيط بنا وتأثيره على حياتنا من نواحي مختلفة، فقبل اكتشاف النفط كان اللؤلؤ مصدر تجارتنا لذا بقيت قصص البحر في ذاكرتنا وتراثنا وقد استخدمت الصدف الصغيرة والأحجار البحرية التي تتكون من ترسبات التراب البحري والعوالق البحرية، وكانت تستخدم في بناء البيوت سابقا.ولكن أحيانا أحب أن أستخدم الألوان والأشكال كالأطفال، فأضع الألوان الحارّة والزاهية وأحيانا الفاقعة أو المشعة أو كل ما هو متوفر أمامي ولكن بوعي وعقل رجل”.

ولفت عنان إلى اهتمام كثيرا بالملامس والخامات المختلفة وقال “أتعمد أن تكون الخامة مساعدة لطرح الفكرة، كما أن الرطوبة الناتجة من تأثير البحر على المنازل أو جدران البيوت وحتى تأثير ألوان قوارب صيد السمك التي تطلى بطبقات متعددة من الأصباغ بألوان مختلفة بعد أن تتقشر من أملاح البحر، كذلك يلهمني بالملمس في أعمالي، إنني في حالة تجريب دائم لأنتج كل معرض بتجربة مختلفة أو بفكرة مغايرة، فأنا أحب أن أفاجئ المتلقي في كل معرض”.

ويعتقد عنان أن مفهوم المدارس الفنية التي كان لا بد من الانتماء إليها انتهى، فالفن أصبح أشمل وأوسع وأكثر حرية وأصبح المفهوم الفني مختلفا، بحيث اختلطت الفنون الأخرى مع بعضها البعض، وبرزت تقنيات جديدة لا يمكن حصرها في مدرسة من مدارس الفن المعروفة، كما يصعب على النقاد تمييز الفن من غيره كما تعددت خاماته وطرق عرضه.

ويتابع “لقد أصبح التصميم بالبرامج الحديثة والأفلام القصيرة والتمثيل التجريبي والتصوير الفوتوغرافي ذي التأثيرات البرمجية والطباعة بتقنية ثلاثية الأبعاد وتحريك الأشكال والرسوم المتحركة وأعمال الفيديو كلها على سبيل المثال لا الحصر من ضمن الفن التشكيلي. ربما لا تنتمي إلى أيّ من المدارس الفنية، وهناك تشجيع من الغرب لعرض أعمال الفيديو الغريبة والأعمال التركيبية التي تعتمد على الفكرة أكثر من التنفيذ، مما يضع الفنان في وضع الشك والريبة، فنلاحظ فوز هذه الأعمال عن غيرها في أهم المسابقات الفنية”.

الفن والبلد

علاقة خاصة
علاقة خاصة

في خضم هذه الفنون الممتزجة والغريبة والمجنونة نسأل الفنان أين نحن؟ ليجيب عنان “إن انتشار الإنترنت وسهولة التواصل وعرض المواهب على العالم، كل ذلك له الأثر الإيجابي في استيعاب الثقافات والعلوم المختلفة ومن ضمنها الفن التشكيلي، وألحظ في مجتمعنا نقلة نوعية ثقافية وخاصة في مجال الفنون والثقافة البصرية والمفاهيم المختلفة، وهناك انخراط كبير من الجيل الصاعد لدراسة الفنون المعاصرة والبحث الدؤوب في المفاهيم الحديثة والمبتكرة”.

ويرى عنان أنه رغم ذلك مازالت هذه الطفرة في مجتمعنا الشعبي تميل إلى فكرة المدارس الفنية الكلاسيكية المعروفة، وكذلك مازالت العادات والتقاليد تؤثر في النظرة العامة للفنون، ولا بد من تأثير المعتقد الديني على الفن.

ويشير عنان إلى أن هناك من يحب أعماله الفنية، وبطبيعة الحال هناك من يرغب ومن لا يرغب في اقتنائها، وهذا شيء طبيعي. ولذلك يتعرض لأسئلة مباشرة لإحراجه أو عرض عنوان مثير في الصحيفة عن اختياره لرسم المرأة.

ويوضح أن الفنانين في البحرين كثر بالنسبة إلى الكثافة السكانية، لذا فإن هناك تنوّعا، من هؤلاء الفنانين من هو ملتزم بفكرة المدارس الفنية، ومنهم من يحاول مجاراة الحركة الفنية في العالم الغربي الذي كما يبدو لي أنه متغيّر بشكل سريع جدا لا يمكن اللحاق به، وإذا به يغيّر المفاهيم الفنية ويفلسف الفن ونحن نتبع كل ما يطرح وما يروّج له.

ويؤكد عنان أن الفن في البلاد العربية بدأ متأخرا جدا ويبدو لي أنه متقارب في الفكر والمستوى، ولو أن بعض الدول تأثرت بالحروب والهجرة والعيش في المهجر، وانطبع ذلك في أعمالهم الفنية بشكل واضح، ويقول صراحة إننا نحاول اللحاق بالفكر بالغربي ونحاول بذات الوقت أن نميّز أعمالنا عنهم بهويتنا وثقافتنا العربية المحافظة ومعتقداتنا، ولكن لا جديد على الساحة العربية بالنسبة للفن في الغرب.

ويرى عنان أن أهم إشكالية في مجال الفن التشكيلي في البحرين هي أنه لا يوجد نقاد متخصصون سوى اجتهادات شخصية أو سرد أدبي أو عرض سطحي أو خبري لا يفيد ولا يضيف للفنان ولا المتلقي شيئا، لذا يجتهد الفنان في تقييم الفن ونقد نفسه والآخرين.

ويضيف “إلى الآن نحن ننتظر إنشاء متحف خاص بالفن التشكيلي، يعرض أعمال الرواد ويعرض أعمالنا وتجاربنا الفنية للعالم، يعج دائما بالمعارض والتجارب العالمية ليلهمنا ويحرك سكوننا”.

ويشدّد عنان على أن حلّ المشكلات التي تعاني منها الحركة التشكيلية في البحرين ينطلق من تخصيص جهة خاصة وميزانية عالية تعنى بالفن والفنانين، ويتم دعمهم من كل النواحي، ويزج بالفنان في معارض وبيناليات ومهرجانات عالمية وتشجيعه باقتناء أعماله ونشرها في أهم الكتب والمجلات الثقافية العالمية ودراسة أعماله للأجيال القادمة في المناهج الدراسية، ويتم تشجيع الدارسين بعلم النقد وأهميته لتطوير الفن وفهمه.

ويختم أحمد عنان حديثه قائلا إنه يأمل في الارتقاء بأعماله وتجاربه الفنية وأن تأخذ مكانة في عالم الفن المحلي والعالمي وتدخل في مزادات عالمية وتعرض في متاحف ومعارض محلية وخارجية و”أن يبقى فني مقترنا ببلدي دائما وأبدا”.

14