التشكيلي السعودي جاسم الضامن فنان يرسم مثل رامي النرد

الخميس 2014/03/06
مجسمات جاسم الضامن ضامنة لبث السعادة والأمل في المتلقي

الرياض- جاسم الضامن من الأنامل التشكيلية الجديدة التي يلمس المتابع أنها تشقّ طريقها بقوة وثقة في الساحة التشكيلية السعودية والعربية رغم قصر عمره الفني. منصتا في ذلك -حسب الفنان التشكيلي عبدالعظيم شلي- لمقولة بول جانكيز “حاول أن ترسم مثل رامي النرد”، بعثر التشكيلي السعودي جاسم الضامن ألوانه غير المعالجة بفصاحة كبيرة.

بعثر الضامن ألوانا لا ترغب في التخفف من حقيقتها على مساحات لونية متفاوتة على “الكانفس″ وعلى “الفايبر جلاس″، ليدفع بـ37 لوحة وأربعة مجسمات لونية في تجربته “الأمل” التي قدّمها في معرضه الشخصي الأول على جاليري “تراث الصحراء” بالخبر شرق السعودية في نوفمبر 2013.


تعرية الأمل


جاءت اللوحات مسكونة بكتل جسدية امتدت في معظمها بحرية لونية عارية، لكنها أتت بتلميح دون تصريح لكشف إيروتيكي لم يرده الفنان لقمة مستساغة في فم المتلقي. “فالمباشرة -غالبا- تفسد التأويل”.

هذا ما قاله الضامن، مؤكدا على موت المؤلف وحق المتلقي في القراءة المفتوحة للعمل بمعزل عنه. لهذا لجأ الضامن إلى ألوانه الصارخة (الأصفر- البرتقالي- الأحمر- الأزرق) ليغطي أجساده بحفلة لونية راقصة، أراد من خلالها أن يزرع الأمل بالفرح.

ورغم أن الألوان جاءت فصيحة مبهجة للمتلقي إلا أن المارّ عليها لن يستطيع أن يتجاوزها دون أن تصيبه وخزة حزن وارتباكات مؤقتة، تفرضها مفارقة الاحتفاء بالحياة في جغرافيا محاطة بالجفاف والموت.

إذ لم يعد المتلقي السعودي -بعد النفط وانحسار العيون الأرتوازية- يشاهد هذه الألوان في الحياة الواقعية إلا بقدر مشاهدته لامتداد الرمل الصحراوي الأصفر في كل اتجاه، لكن الضامن كان يريد للمشاهد أن يشغل روحه بالأمل قبل اشتغال عقله بالأفكار.

عن ذلك يعلّق رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية الفنان عبدالرحمن السليمان قائلا: “أرى أن الأعمال تميزت بالأناقة مستفيدة من دراسة تجارب قريبة شاهدها وتشبع بها الضامن، وسعى من خلال هذا الاطلاع أو المخزون البصري -القصير نسبيا- إلى تقديم نفسه وفق اختيارات لونية خاصة تميزت بالحيوية. مجموعة لونية مشرقة، ودافئة من الأصفر والبرتقالي إلى الأحمر.

موزعا تشكيلاته ومعالجاته الفنية بما يحقق حالة جمالية خالصة، لا يغلب جاسم الفكرة بقدر تعيين فنيات تستمدّ من الباطن ومن الحالة الآنية التي تستشعر جمال العلاقة بالمحيط والبشر، لا يرسم لنا ماديات بقدر ما يرسم أحاسيس ومشاعر تحملها شخصيته الوديعة الساكنة المتأملة”.

الجسد الراقص، والحرف الكوفي، والوردة، والنوتة الموسيقية، والزخرفات ذات الطابع الشرقي التراثي. ربما جميع تلك الثيمات جعلت القراءات لتجربة الضامن تتعدّد مستوياتها، لكنها تتفق جميعها في كونها تجربة منسجمة مع بعضها ضمن مناخ تشكيلي لوني قوي، مارس الضامن من خلالها بحرية مجنونة ما فكّر فيه محتفيا بأشيائه على طريقته الخاصة في تذكر المكونات اللونية لكل لوحة.

والضامن هنا كان منسجما تماما مع مقولة ماتيس “ليس هناك أصعب على الفنان المبدع والحقيقي من رسم وردة، حيث لا بدّ له من أن ينسى كل ما رآه من ورد”.

أربع مجسمات تقف منتصبة في تناغم لوني جسدي كبير بارتفاع مترين في وسط جاليري “تراث الصحراء”، مشتغلة بخامات مختلفة على ألياف زجاجية (فايبر جلاس).

ربما توحي لك بأنها سيقان لأشجار عملاقة، أو لعلك تستلهم من انحناءاتها جسد امرأة يتلوّى غنجا، وربما تبتعد أكثر من ذلك لتجد نفسك واقفا بجلال كبير في قلب معبد مصري أو إغريقي قديم، أو بين “أعمدة الرجاجيل” الأثرية الواقعة في منطقة الجوف على طريق الأردن العراق شمال السعودية. تحدثنا الفنانة غادة الحسن عن المجسمات قائلة: “المجسمات فكرة ذكية لكسر النمطية والخروج عن المألوف في العرض كما أنها أضفت عمقا للفكرة المطروحة”.

"المباشرة، غالبا، تفسد التأويل" هذا ما قاله الضامن، مؤكدا على موت المؤلف وحق المتلقي في القراءة المفتوحة

لكن الضامن -على ما يبدو- لم يكن أكبر همّه الخروج عن النمطية فحسب، فقد كلفته المجسمات الوقت والمال والجهد الكبير طيلة أشهر طويلة من التأمل والاختبار والمشاهدة والقراءة، ليصل بعدها إلى هذا القرار الذي اعتبره الكاتب مجاهد عبدالمتعالي خلقا كبيرا يجسد خلود الفنان. وعدّه التشكيلي شلي خلاصة اشتغالات الضامن الأخيرة الموسومة بالمغامرة.


تلوين السعادة


“العرب” التقت الفنان جاسم الضامن على هامش المعرض الذي استمرّ أسبوعين، وحدّثنا عن”الأمل” الذي يحيطه باللون، وعن التجارب التي يحيط بها ويؤثر فيها وتؤثر فيه قائلا عن “الأمل”: “إنه الحياة، ولأنني إنسان أعيش فيها، أحبّ، أتألم، أهدأ، أصرخ”.

وحول إذا ما كان الجيل التشكيلي السابق ملهما له علق الضامن: “سرعان ما استيقظت مبكرا، ووجدت نفسي أسبح في الفضاءات اللونية العالمية، ولم تكن التجارب المحلية ذات شهية مغرية لغرائزي اللونية وطموحاتها، بالرغم من ذلك كان ولا بدّ من الاستفادة العملية من الخبرات والتجارب المحلية الناضجة”.

من الواضح أن المشهد السعودي التشكيلي ولود، يفاجئ المتابع له بتجارب تنمو سريعا لتقدّم نفسها كما يليق بحلمها الذي اجتهدت على إخراجه. عن ذلك يقول الضامن: “المشهد أصبح مختلفا تماما عما كان في السابق، فالتشكيل السعودي الحالي يحتوي على نماذج ناضجة تقدّم تجارب ملفتة ومثيرة للاهتمام، وهي بشارة لمستقبل فني يؤرخ لهذه الأرض تاريخا وحضارة ستشهدها الأجيال القادمة، إذا ما تمّ الاعتناء بها ورعاية الإبداع الفني”.

وفي سؤال ختامي إذا ما كان قد عانى من الرقابة الإعلامية في معرضه أجاب الضامن: “لم يحظ أحد باهتمامي أثناء اشتغالي بالعمل غير اللوحة نفسها، كنت أرسم وألوّن بسعادة. لا أعتقد أنني سأعاني من رقابة أحد فأنا أرسم ليكون الرقيب نفسه سعيدا وأن أملأه بالحياة والأمل”.

16