التشكيلي المغربي عبدالإله الشاهدي يتوج بجائزة محترفي الفن

المتتبع لأعمال التشكيلي عبدالإله الشاهدي ومساره الفني يقف عند حضور جسد المرأة بقوة والتي اختارها ووضعها في أحسن موقع لتشكيل الحياة.
الثلاثاء 2021/01/19
لوحات ترى العالم من نافذة الهشاشة

الرباط- بعد مسار حافل بالبحث غير المنقطع في عوالم اللون والصباغة والمادة، وبعد أن عدّدَ تجاربه وآليات اشتغاله في المشهد البصري والتشكيلي المغربي، تُوّج الفنان التشكيلي المغربي المعاصر عبدالإله الشاهدي أخيرا بالميدالية الذهبية للإبداع، عن الجائزة الدولية لمحترفي الفن “IAPA” في دورتها الأخيرة لسنة 2020، التابعة لمؤسسة الأكاديمية العالمية للفن.

والهدف من هذه الجائزة، كما يوضح القائمون عليها، هو إعطاء شعلة عرفان واعتراف بإبداع المتوجين بها في الحقل التشكيلي في العالم ككل، حيث عرفت هذه الدورة تباريا وتنافسا لعدة مرشحين من القارات الخمس، لكلّ مساره الخاص وتجربته المتفردة، في ظل تحكيم لمجموعة كبرى من الرؤساء ومديري أروقة عالمية.

يأتي هذا التتويج الذي حظي به الشاهدي “بعد انعطاف جمالي” كما يصفه الباحث الجمالي عزالدين بوركة، نحو تجربة جديدة ومتجددة من حيث الاشتغال والموضوع، عمادها الزمن والمرأة موضوعا والسريالية والواقعية المفرطة توجها، في الوقت عينه.

عبدالإله الشاهدي توج بالميدالية الذهبية للإبداع عن الجائزة الدولية لمحترفي الفن "IAPA"
عبدالإله الشاهدي توج بالميدالية الذهبية للإبداع عن الجائزة الدولية لمحترفي الفن "IAPA"

كما يعتمد الفنان على كثافة اللون والمادة الصباغية التي يعمل عليها عبر بحث خاص، ما يقدم للوحة لديه حضورا له خصوصيته في الساحة التشكيلية المغربية والعالمية.

 وقد سبق أن توّج الفنان “تتويجا مزدوجا” قبل ثلاث سنوات وفي الآن نفسه، إذ فاز بالجائزة الأولى للفنون التشكيلية التي تسلمها الأكاديمية الإيطالية للفنون العالمية، و”جائزة فيكتور هيغو” التي تمنحها المؤسسة نفسها للفنانين الذين تتضمن أعمالهم رسائل إنسانية وتدافع عن قضايا عادلة.

وفي حديثه عن حصوله مؤخرا عن الميدالية الذهبية للإبداع، أعرب الفنان عن كون هذا الفوز يأتي ثمرة لبحث طويل امتد لسنوات عدة، لم
يتوقف فيها عن الحفر عميقا في الأساليب المتاحة وتجريب المواضيع الممكنة، ليخرج برؤية خاصة عن العالم تسمح له بتشكيل “مقاربات صباغية” تحاول عكس العام روحا وجسدا، عبر إعادة تركيبه في “عالم وجسد اللوحة”.

ويحرص الشاهدي على ابتكار مواده الخاصة في مختبره/ ورشته عبر تلك الأصباغ التي يأتي بها من الصحراء والجنوب المغربي، بالإضافة لمواد صناعية وطبيعية أخرى، ما يمنح للعمل لديه عمرا طويلا في الإنجاز وكثافة مادية تصير بدنا حيا فوق القماش. فهذا المبدع يؤسس مشروعه الجمالي على ثيمة الجسد -الأنثوي خاصة- بكل ما تتيحه له من إمكانيات وإبدالات ودلالات ورموز وما تقدمه للقارئ من تأويلات.

ويسكن الفنان في جل أعماله هاجس دائم في أن يسمو بجمال المرأة، وأن يرسخ حضور الشهوة الحسية، واقعية كانت أو خيالية.

والمحاولات التجريبية التي أعدها تمنحنا بفضل الإضافات والصباغة المشعة تارة واللامعة تارة أخرى، رؤى مختلفة للعمل نهارا أو ليلا، وهي نوع من ترسيخ تلك الرغبة الجامحة للمرأة التي يسعى الفنان إلى كشفها على الأنظار. إذ يعتبر الشاهدي من الفنانين القلائل الذين يجمعون بين الجمالية الفنية والانسجام والمثالية.

والمتتبع لأعمال هذا الفنان ومساره الفني، يقف عند حضور جسد المرأة بقوة من خلال آثاره الدالة في اللوحة، وأسلوبه وطريقة تعامله مع اللون، فاللون عنده عنوان دال ومعبر في تجربته الفنية، فهو بارع في ترويض اللون كما تروض اللغة الفنية والجمالية أيضا.

أعمال عبدالإله الشاهدي تجمع بين الجمالية الفنية والانسجام والمثالية
أعمال عبدالإله الشاهدي تجمع بين الجمالية الفنية والانسجام والمثالية

عن منجزه الصباغي يقول الناقد الجمالي إدريس كثير “لمّا أراد الفنان الشاهدي تشكيل الحياة اختار الأنثى ووضعها في أحسن موقع”.

ومن خلال هشاشتها وفتاوتها نوّع الموضوعات والثيمات واختصر المسافات الرابطة بين الذكر (الفنان) وبين الفراشة الأنثى (الموضوع). موضوع الفنان موضوع رهيف رقيق رمّمت رحيقه الريشة لمزج ما هو تجسيدي واقعي بما هو رمزي إيحائي.

ويجمع الشاهدي في أعماله الأخيرة، التي تلت انتشار الوباء في العالم، كما يبين بوركة، بين الواقعية المفرطة والسُريالية المتجددة، نوع من حساسيةٍ توضب فوضاها المبعثرة في كون القماشة، لتخبرنا بأننا صرنا سجناء هذا العالم المعاصر، الذي يصعب فهمه؛ عالم سائل وغازي، عصي على إدراك تفاصيله، عالم بقدر ما ينتقد الميتافيزيقا فهو يشيد ميتافيزيقاه الجديدة، لكننا غير قادرين على الهروب منه؛ كذلك العصفور الذي يفضل الموت على أن يُسجن في عزلة القفص.

ويرسخ الشاهدي مكانته كفنان معاصر، منتصرا للصباغة دائما، جاعلا من نفسه طائرا سجين العزلة القسرية بفعل هذا الوباء الخفي، كأننا “نطارد شبحا يطاردنا”، لا حل لدينا، إما أن نواجهه أو نموت منعزلين غرباء.

ويوضح بوكة أنه في أعمال الفنان الأخيرة تتداخل ملامح فنية عدة تتشابك فيها التصويرية الصباغية المفرطة والسريالية.

وتحكم الفنان بمفاصل أعماله يعزى إلى سعيه لاستحداث تجربة خاصة تمزج بين المرئي وما فوقه، بين الواقعي وما فوق الواقعي، في محاولة لتصوير اللامرئي والغائب عن إدراكاتنا البصرية، تلك الميتافيزيقيات التي نتعايش معها ولا نستطيع أن نضعها إزاء مقياس محدد، كالحرية مثلا.

15