التشكيل اللبناني يشقّ طريقه إلى منصات العرض العالمية

عمر فاخوري وتمارا السامرائي يملآن فراغ الإغلاق بالعروض الافتراضية.
الخميس 2021/03/04
كراس مُشبعة بالغرائبية والإحالات الرمزية (لوحة لعمر فاخوري)

يعدّ احتفاء صالة “مرفأ” اللبنانية بالفنان التشكيلي عمر فاخوري والفنانة تمارا السامرائي تأكيدا جديدا على أن العرض الافتراضي للأعمال الفنية حالة مُستقبلية كرّست ذاتها وبقوّة في المشهد الثقافي العربي بشكل عام، ولاسيما بعد ظروف الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي اللذين ترتبت عنهما صعوبة زيارة المعارض الفنية أو استحالتها.

بيروت - لا يزال الاعتقاد بأن الفن، ولاسيما التشكيلي، هو في تضاد مع كل ما هو افتراضي، على الأقل على الساحة اللبنانية. ليس ذلك لأن العالم الافتراضي أو الفن الديجيتالي أو المحوّل إلى منصة ديجيتالية هو بعيد عن متناول وعن ذهن اللبنانيين السباقين دوما في مجال الفنون، ولكن بسبب نظرتهم إلى الفن كتجربة شاملة تضم “حسية” اللقاء مع المواد المستخدمة في الأعمال الفنية والتفاعل الشخصي مع الفنان ومع كلية العمل وكيفية عرضه في مساحة مُتخصّصة له.

وقد يكون العالم الغربي قد سبقنا بأشواط نحو الفضاء الافتراضي بكل توجهاته وأنواعه. ولا شك أن ذلك يعود إلى طبيعة مجتمعات ذلك العالم التي تؤازر الاستقلالية التامة حتى ابتغاء العزلة، والتي هي، وللمفارقة، اليوم أبشع ما تحاربه وأكثر ما تقع تحت آثاره “الجانبية” المُدمّرة.

ولكن العالم الغربي ينعم الآن أكثر من عالمنا العربي واللبناني بشكل خاص بالقدرة على النشر الافتراضي للأعمال الفنية باستعمال تقنية فنية عالية يُشهد بها، وهي في تطوّر كبير ومطّرد.

الذهاب إلى الآخر

مساحات بيضاء تُبرز حالة الفقدان والشك (لوحة لتمارا السامرائي)
مساحات بيضاء تُبرز حالة الفقدان والشك (لوحة لتمارا السامرائي)

اليوم، لبنان، كشأنه دائما بالرغم من الصعوبات الجمة التي يعيشها، يسارع إلى طمر الفراغات وتشييد أو المُشاركة في الفضاء الافتراضي من خلال بنائه للمواقع والمنصات المتخصّصة في عرض الأعمال الفنية وتطوير ما كان قائما وتمتين مشاركته في المحافل والمنصات الفنية/ الدولية والافتراضية، وذلك حتى قبل زمن الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي.

تماشى الفنانون مع ذلك التغيير بشكل سريع وتلقّفت العديد من الصالات الفنية التقليدية التغيير حتى تحوّله لصالحها وصالح الفنانين إن عبر المعارض الافتراضية التي أقامتها لفنانيها، ونذكر على سبيل المثال صالة “أليس مغبغب” وصالة “جانين ربيز”، أو عبر “أخذها” افتراضيا فناني صالتها إلى العالم والفضاء الفني المفتوح.

ومن تلك الصالات نذكر صالة “مرفأ” اللبنانية المتخصّصة في الفنون المعاصرة التي دمّرت بشكل شبه كلي جراء انفجار مرفأ بيروت خلال الصيف الماضي.

أعلنت الصالة على موقعها وعلى صفحتها الفيسبوكية مشاركتها في معرض جماعي ضخم بعدد كبير من فنانيها، يمكّن الذائقة العالمية/ الفنية من التعرّف على فنهم، وذلك عبر تقديمهم في الصالة الافتراضية العالمية “ساوث/ ثاوث فيزا”.

صالة افتراضية صرّحت أنها “تريد أن تعطي الفرصة لفناني العالم كي يتواصلوا ويعرّفوا العالم على أعمالهم في هذا الزمن غير المسبوق”، أما الفنانون المشاركون فهم: الفنانة لميا جريج والفنانة باولا يعقوب والفنانة ستيفاني سعادة والفنانة كالين عون والفنان فارتان أفاكيان والفنان رائد ياسين. ولعل من أهم الفنانين المشاركين هما الفنان اللبناني عمر فاخوري والفنانة الكويتية المقيمة في لبنان تمارا السامرائي.

والمُتابع لأعمال الفنانة تمارا السامرائي سيشهد تطوّرا كبيرا في عملها الفني منذ معرضها الفردي سنة 2008 في صالة “أجيال” العريقة وصولا إلى اليوم، أي يوم مشاركتها في المعرض الافتراضي/ الجماعي.

وهنا، اختفت الفتاة المراهقة وبهلوانياتها الكئيبة التي حضرت في بداياتها الفنية، كما توضّحت لاحقا في لوحاتها معالم الغرف والزوايا في دواخل المنازل المسكونة بأرواح أشخاص رحلت. أشخاص رحلوا وما زالوا في أوج رحيلهم اليوم في جديدها، لكن ليس قبل أن تحل وتتّحد آثارهم في النباتات الداخلية التي لم تكن يومها في لوحاتها “مجرد” نبتات مزروعة في أحواض تزيّن المنزل، بل كانت أشبه بخامات حيّة تنطبع عليها ويحفر في نسغها كل من حضر وترك أثرا.

وقد أبقت الفنانة في جديدها على حبها الدائم للرسم غير المنجز وعلى استخدامها اللون الأبيض، أو المساحة البيضاء كتظهير لحالة الفقدان والشك والشعور بالغربة.

وتمارا السامرائي من مواليد 1977، تلقّت دراستها الجامعية في الفنون سنة 2002 بالجامعة الأميركية في بيروت. وشاركت في العديد من المعارض الجماعية داخل وخارج لبنان، ولها معارض فردية بلغ عددها خمسة معارض تشكيلية مُعاصرة.

لوحات مفاهيمية

التشكيل اللبناني بات مفتوحا على العالم
التشكيل اللبناني بات مفتوحا على العالم

أما الفنان عمر فاخوري فهو من مواليد 1977، تلقى شهادته الجامعية في الفن من الجامعة اللبنانية وحصل على شهادة الماجيستير سنة 2004 من جامعة السوربون في فرنسا.

ويُمكن اعتبار الفنان متعدّد الوسائط التعبيرية، فقد استخدم فن الفيديو وفن التجهيز إضافة إلى تكريسه وقتا كبيرا لفن الرسم والتشكيل بمادة الأكريليك.

وسبق لفاخوري أن قدّم في معرضه الفردي الأخير بصالة “أجيال” لوحات صوّرت قواعد حجرية أو إسمنتية صُنعت لكي تحمل في الساحات العامة أنصابا تذكارية لرجال سياسة شاركوا في تشكيل وجه لبنان الحديث. واكتفى الفنان برسم الأنصاب وغيّب التماثيل.

أما في أعماله الجديدة، فقد أظهر فاخوري توغلا في أسلوبه الفني وفي عمق مواضيعه التي جعل فيها الأشياء العادية ناطقة بأحوالها، دون أن يتخلى عن بثّ آرائه السياسية منها والبيئية بنضج وابتكار فني ازدادا مع تبلور تجربته الفنية.

لوحاته التشكيلية/ المفاهيمية الجديدة انطلق في تنفيذها من مشاهدته لمجموعة من الكراسيّ عثر عليها ملقية هنا وهناك في شوارع بيروت. كراس مكسورة أو ملتوية بشكل قد نراه طبيعيا لو مررنا أمامها. أما إن كان المشهد منقولا وبتصرّف إلى لوحة تشكيلية فسرعان ما يتحوّل إلى شكل مُشبع بالغرائبية والإحالات في آن واحد.

ورسم الفنان لوحات أخرى بدت فيها مقاعد مُمزّقة غشّتها الرطوبة والعفن، وأخرى اجتاحتها النباتات الضارة الواسعة الخضرة فجعلتها وكأنها كائنات حيّة مسجاة على قارعة الطرقات في انتظار زوال وعيها بشناعة العالم المحيط.

16