التشهير بالمراهق أسلوب عقابي فاشل يؤدي إلى نتائج كارثية

شهدت السنوات القليلة الماضية تزايدا مقلقا في عدد الحالات التي تتعلق بالتشهير باستخدام التقنية، وذلك تماشيا مع التطور الكبير الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي التي ترّوج لها.
الأربعاء 2015/07/15
فضح السلوك الخاطئ للأبناء وسيلة مستفزة لا تحقق أي هدف في التقويم

أثارت حادثة انتحار فتاة مراهقة قفزت قبالة جسر الطريق السريع في الولايات المتحدة الأميركية قبل فترة، موجة عاصفة من الغضب الشعبي والإعلامي فيما يتعلق بالأسباب التي دفعتها إلى الانتحار، حيث أقدم والدها على قص شعرها الطويل تماما كعقاب على خطأ ارتكبته ثم قام بتصوير تلك عملية وتحميلها على مقطع يوتيوب لغرض عرضها على الإنترنت!

وربط العديد من الناس بين حادثة الانتحار ومقطع الفيديو، لكن تبيّن في وقت لاحق وبعد متابعة ملابسات الحادث من قبل صحيفة محلية، أن التصوير لم يكن هدفه عقاب الفتاة وإحراجها ولم يكن غرض الأب تشويه صورتها أمام العامة، بل إن الفتاة ذاتها هي التي حمّلت المقطع على الإنترنت بسبب معاناتها من أعراض نفسية حادة ربما تعود إلى تراكمات الماضي.

اختلفت المسببات المؤدية إلى حالات انتحار المراهقين التي شهدت بدورها ارتفاعا كبيرا في الآونة الأخيرة، وكثير منها قد لا تكون مفهومة بتاتا لكن حالات بعينها يمكن أن تطرح تساؤلات خطيرة فيما يتعلق بأسس التربية الخاطئة؛ وهي في المثال أعلاه التشهير بالمراهق ومحاولة تهديده وفضحه أمام الغرباء، وهو أسلوب عقابي فاشل وخطير يؤدي في أغلب الحالات إلى نتائج كارثية.

ويؤكد الدكتور بيتر ستيفنوها، أستاذ في الطب العصبي النفسي في مركز الطب النفسي للأطفال التابع للمركز الصحي في دالاس، جامعة تكساس الأميركية، أن بعض الآباء يبغون من طريقة عقابهم هذه، رفع مستوى وعي أبنائهم فيما يتعلق بالعواقب المحتملة لتصرفاتهم غير اللائقة عن طريق (تقنية) التشهير، إذا أن الشعور بالخجل الذي يتأتى في النهاية، هو النتيجة السلبية لأي سلوك غير مرغوب فيه، ولهذا يعمد الأفراد (الأبناء هنا) إلى تجنب معاودة السلوك ذاته مستقبلا تلافيا لهذه النتائج الوخيمة، إلا أن المشاعر المؤلمة التي يتسبب فيها هذا النوع مـن العقاب هو ما يثير اهتمام المتخصـصين.

الشعور بالمهانة لدى الصغار والمراهقين على وجه الخصوص، يتخذ أشكالا مضاعفة من الاستياء مقارنة بالراشدين

وفيما يتعلق بالصغار والمراهقين، فإن الشعور بالمهانة والعار، على وجه الخصوص، يتخذ لديهم أشكالا مضاعفة من الاستياء مقارنة بالراشدين، حيث لا يدرك المراهق بأن هذا الشعور يمكنه أن يخفى ويتلاشى بمرور الوقت، لأنه لا يمتلك استراتيجيات التعامل الواعي مع هذه المشاعر السلبية مثلما يفعل الراشدون، وبالتالي فإن تأثيرها المباشر قد يكون له شأن خطير فيما يتعلق ببناء شخصيته أو هدمها.

كما أن أسلوب التشهير والتجريح قد يعمل باتجاه معاكس للهدف الذي وضع من أجله من قبل الأهل، حيث تصبح معه السيطرة على السلوك غير المرغوب فيه أمر عسير ويعمل على الضد من الهدف المراد تحقيقه.

وترى سارة آو، وهي صحفية أميركية وكاتبة متخصصة في شؤون التربية والصحة النفسية، أن هناك خيارات أخرى يمكن للأهل استخدامها في تقويم سلوك أبنائهم عوضا عن أسلوب التشهير، وأهمها تجنب العقاب لذاته وبدلا عن ذلك الاكتفاء بمراقبة السلوك الخاطئ وتبيان مساوئه والنتائج الوخيمة المترتبة عليه؛ إذ أن وعي المراهق قد يمكنه في هذه المرحلة من استقراء هذه النتائج لتلافي تكرار السلوك، في حين يعوّل عدد كبير من المتخصصين في علم النفس التربوي على تعزيز السلوك الإيجابي بدلا من التركيز في معاقبة السلوك السلبي، وهذا يتبع نظرية العقاب والثواب حيث أثبت الثواب فاعليته في تربية الأبناء بمختلف مراحلهم العمرية، فضلا عن مرحلة المراهقة الدقيقة.

كما يتوجب على الأهل فرض حدود وقواعد ينبغي للمراهق عدم تجاوزها، فإذا حدث السلوك الخاطئ فإن رد الفعل يتوجب أن يأتي بصورة مباشرة وسريعة وليس بالضرورة أن يكون في شكل عقاب صارم، فالتنبيه على الخطأ أو التذكير بأهمية عدم كسر القواعد ربما يكونا كافيين في هذه الحالة.

من ناحية أخرى، ينصح خبراء التربية بضرورة تجنب أسلوب الأمر والنهي في التعامل مع المراهقين خاصة إذا كانت التوجيهات على مرآى ومسمع الآخرين، فأكثر ما يقلق المراهق هو كيفية الحفاظ على (ماء وجهه) أمام الغرباء وخاصة إذا كانوا من أقرانه؛ فلا بأس من توجيه الحديث والنصح بصورة شخصية ومنفردة بعيدا عن الآخرين بما يحفظ خصوصية المراهق، وربما يعجّل هذا الأسلوب من تصويب الخطأ وعدم تكرار السلوك الخاطئ، كذلك يعزز من ثقة المراهق بنفسه.

رد الفعل يجب أن يأتي بصورة مباشرة وسريعة وليس بالضرورة أن يكون في شكل عقاب صارم

وتؤكد سارة آو على أن الكثير من السلوكات التي يتبناها المراهقون قد لا تشكل أهمية تذكر ولا ينبغي أن تثير قلق الآباء، لأن المراهقين يتصرفون في بعض الأحيان على نحو ساذج يعكس خبرتهم القليلة في الحياة ومحاولاتهم الأولى تأسيس استقلاليتهم بعيدا عن سلطة الأسرة فيرتكبون بعض الهفوات، وهذا يعد من الأمور الطبيعية والصحية في هذه المرحلة من العمر.

وفي ضوء هذه المسلمات، يتبين أن محاولة فضح السلوك الخاطئ للأبناء وسيلة مستفزة لا يمكن أن تحقق أي هدف في التقويم، ولعلها تحقق بعض النجاح في حالات نادرة لكنه نجاح قصير الأمد يتبعه سلوك مضاد (انتقامي) يتبناه المراهق ثأرا لكرامته، وقد يكون انتقاما ذاتيا كما حدث في حالات الانتحار الأخيرة.

ومن وجهة نظر باحثين في علم النفس، فإن الأساليب التربوية البديلة قد تستغرق وقتا طويلا حتى تؤتي ثمارها، إلا أنها نوع من الاستثمار بعيد الأمد تصب نتائجها في تقويم وبناء شخصية قوية وواثقة في المستقبل.

21