التشوه المعرفي وعلاجه

السبت 2017/02/04

قد نكون بأمَسِّ الحاجة إلى المعرفة، لكننا أكثر حاجة إلى إيجاد البيئة الصالحة لها، لإنتاجها وتداولها. هذه التوصيف هو التعبير عن الطموح للحصول على الحق باستعمال هذه المعرفة دون عُقد، أو اغتراب، ومن منطلق الحاجة إليها بوصفها جوهر المشروع الثقافي الذي يُمكنه الدخول إلى السوق والمؤسسة والمدرسة والجامع والجامعة، فما يبدو ظاهرا أنّ الواقعَ العربي يتماهى مع المعرفة من خلال موشور السلطة، ومع طبيعة تعالقها بالمقدس، ليس لأنه يعيش الكثير من مظاهر الاستبداد السياسي فحسب، بل لأنّ صناعة هذه المعرفة لم تدخل في سياقات التنمية، وفي برامج التعليم والتربية، إذ هي مسكونة بما هو مُهمّش ومَقصّي.

المعرفة تعني هنا الخطاب بوصفه التداولي والتمثيلي، وتعني أيضا (المنفعة والمصلحة) بتوصيف غادمير، مثلما تعني- كذلك- الدرس العلمي والأكاديمي، فضلا عمّا تعنيه من تمثلاتِ في صناعة السؤال النقدي، وفي سؤال العقل، وبما يعُطي لنا الحافز على الثقة بضرورة عقلنة لحظتنا الحاضرة رغم كارثيتها، وفي التعاطي مع الآخر والمختلف، بعيدا عن “التورط في المساحة اللامتعينة كمحيط يمكن أنْ يتسع إلى ما لانهاية” كما يقول مطاع صفدي..

اللاتعيين هنا هو العشوائية، مقابل أنَّ المعرفة تعني التأسيس والحاجة الدائمة إلى التنمية التخطيط، وإلى أنسنة المُختلف، إذ لا مناص اليوم من استعمال هذه الأفكار، وفي كلّ المجالات بدءا من العقائديات وانتهاء بالتقانات.

قد يكون صعبا الخوض في هذا المجال، وفي وضع العقل العربي عند عتبات هذه المواجهة الصعبة والمعقدة، لكنّ هذا لا يعني الاستسلام للخراب، ولفخ الأرخنة الواهمة، ولكلّ ما هو قهري في حياتنا العربية، مثلما لا يعني التلذذ والتماهي النكوصي مع لعبة (جَلد الذات) لإحداثِ ما يشبه التطهير الداخلي.

التأسيس على ما هو ثقافي قد يكون رهانا على نقد الخراب، على مستوى نقد خطاب السلطة، وخطاب الفقه، وخطاب الأيديولوجيا، وكذلك على مستوى صناعة المعرفة، وبالاتجاه الذي يدعو إلى جعْل هذه الصناعة مصدرا مهمّا للتنمية البشرية، وللتمدّن على مستوى الاجتماع والعمران، وعلى مستوى السوق والتعلّم والعلم، وكذلك على مستوى الممارسة التي تتعلّق بالنقد والكشف، وبتنشيط الفعالية الثقافية لتكون أكثر أهلية، وأكثر تحفيزا وشجاعة على مواجهة ما يجري.

ولادة جيل ثقافي عربي بلا عقد، تعني بالضرورة ولادة “إبستمية” مغايرة، لها شيفراتها، وقاموسها، ولها تداولها أيضا، وحتى ما يسمّى بـ”القطيعة الإبستمولوجية” لا تعني- هنا- الهروب إلى الأمام أو الخلف، بقدر ما تعني الحاجة إلى ما تمكن تسميته بالواقعية الثقافية، والتي تنطوي على وعيٍ بسوسيولوجيا المحنة، وبوعي المواجهة، فضلا عن وعي ما يحمله التاريخ الجماعاتي من التباسات وعُقد.

حين انشغل ميشيل فوكو بقراءة المشروع الثقافي الغربي، فإنه كان يعمد إلى حفر ما في التاريخ، تعرية للسلطة، وللمعرفة المهيمنة، وللمركز الذي صنع القمع والسجن والعصاب، وحتى للنظام الحاكم. كل هذه الحفريات كان لها الأثر الكبير في تحديد وترسيم ملامح المعرفة، وفي تأهيل مفاهيمها ومصطلحاتها، وحتى تداولها لتغيير مسار استعمالاتها إزاء متغيرات الحاضر والمستقبل.

هذه العتبة قد تصلح لمقاربة إجرائية لبيان وظيفة النقد في الكشف عن الكثير من “المقموع والمسكوت عنه” في مشهدنا المعرفي، وفي بعث الحياة في صناعته، وفي وظائفه، في صياغة تمثلات، يمكن أْن تكفل فاعلية النقد، وتوظفه في التعاطي مع الإشكالات التي نواجه تحدياتها ومعطياتها، لا سيما مع التاريخ والسلطة والخطاب الديني والأيديولوجي والجماعة، إذ باتت هذه المكونات مصدرا لإثارة الذعر وسببا في إنتاج مظاهر غرائبية للعنف والكراهية والنبذ.

فاعلية الحفر المعرفي هي جوهر المسؤولية النقدية، وينبغي أن تكون جوهر الممارسة الثقافية، بما يسهم في تأهيل الأرضية لصناعة “قوة المعرفة” التي تملك لوحدها مشروعية مواجهة السلطة والمركزة، وتحفّز العقل الجمعي على القبول بالمختلف والتفاعل مع الآخر بوصفه وجودا وليس هامشا.

كاتب من العراق

15