التشويش الإخواني-القطري هو الذي هدم المدن ومكن إيران من العرب

يجد المشروع العربي الذي تقوده السعودية لمواجهة إيران أن المشكلة الوحيدة أمامه هي الإخوان المسلمون ودولة قطر تحديدا. فالفوضى التي خلقتها الحالة القطرية تحت مختلف المسميات، جعلت الكثيرين في عالمنا العربي في مواجهة التباس طبيعة المواجهة مع إيران. هل هي حرب مع فارسية إيرانية أم مواجهة مع طائفية شيعية؟
الأحد 2017/06/04
عراق بلا معالم تقدمه الجزيرة للعالم

معظم الناس تخلط السياسي بالديني بسبب نشاط الإخوان وقناة الجزيرة. فقد ساهمت هذه المؤسسات المشبوهة بتشويش العقول. عندما تكون حاكما مصريا أو سعوديا ما هو الخطر الأول بنظرك؟ أليس الإسلام السياسي السنّي المتطرف؟ فما هو خطر الإسلام الشيعي محليا على مصر أو السعودية أو تونس؟ نتذكر إيران أيام الشاه العلماني، ألم يكن الإسلام السياسي الشيعي هو الخطر على الدولة القومية الإيرانية؟ ألم يكن جهاز السافاك والإعلام الإيراني الوطني مشغولا برجال الدين الشيعة ومطاردتهم؟

المشكلة هي أن رجال الدين الشيعة اختطفوا الحكم وأصبحت الخمينية دين الدولة في بلد شاسع كإيران. صار تصدير الثورة ونشر الإسلام السياسي الشيعي والتحريض جزءا من سياسة واحدة من أكبر الدول في الشرق الأوسط. من هنا أصبح على العرب تحسّس الخطر وفهم الإشكالية خصوصا بعد سيطرة ولاية الفقيه على بلد مهمّ كالعراق.

عبء إضافي لا يعرفون التعامل معه تمثل في الطموح الشيعي الإيراني. فإضافة إلى مواجهة التطرّف السني وخطورة الإخوان المسلمين صار على العرب مواجهة الخطر الإيراني الشيعي. وهذا ما لا يفهمه الشباب بسبب عاطفتهم المخلصة والمتأججة التي تسهّل من وقوعهم في فخ عقلي كالتطرف الديني في التعامل مع الظاهرة الإيرانية. وهذا ما دفعت قطر المسلمين الفتيان إليه بدون خجل لمصالحها الخاصة.

كانت الحكومات العربية تدفع عن نفسها تهمة “الطائفية” وتنادي علنا بمحبة المذهب الشيعي. أحيانا يقولون نحب الشيعة العرب وهذا يضعهم في ورطة “العنصرية” فهل تكرهون الشعب الفارسي العظيم مثلا؟ عندها ينقلبون بفزع ويقولون نحب الشعب الإيراني. الأمير تركي الفيصل في لقائه مع المعارضة الإيرانية عام 2016 في باريس ألقى كلمة بليغة في عظمة الشعب الإيراني وأهميته في التاريخ الشرقي والإسلامي. وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يذكر دائما في المحافل الدولية أن الخلاف مع ولاية الفقيه والحكم الإيراني وليس مع الشعب الإيراني المبدع.

قمة الرياض الأخيرة خصصت عبارة مهمة تفصل بين تقديرها للشعب الإيراني واحتجاجها على سياسة النظام التوسعي في طهران.

العرب بلا شجاعة كافية

عانى العرب من “التدويخ” السياسي في مواجهة ولاية الفقيه. فإيران تخوض حربا عقائدية مقدسة “شيعية” علنا، والإخوان يحرضون إعلاميا لتوريط السنّة فيها، والرئيس الأميركي السابق باراك أوباما حشر السنة في خانة الإرهاب. لقد كانت سنوات عصيبة حقا مرت علينا وانتهت، تهدمت فيها مدن عزيزة كالموصل وحلب وغيرها بسبب سوء الحال وقلة الناصر.

لم تكن الدول العربية تمتلك شجاعة علمانية كافية وكانت تنطلق من ضعف داخلي وخارجي. نحن أول مَن كتب بأن المشروع الإيراني “تبشيري” وإذا لم يكن عندكم فرق بين المذاهب وتعانون من محبة مفرطة للشيعة فلماذا يعاني السنّة كل تلك المذابح؟ لماذا يقاومون ويقعون في فخ الإرهاب ثم تجتمع عليهم الأمم حتى العرب؟ الأفضل لهم التشيع في هذه الحالة ودفن موتاهم في النجف وإغلاق مقابرهم ومساجدهم. هكذا ينجو الناس بأنفسهم من الإبادة الإيرانية.

بعدها مباشرة سمعنا وزير خارجية تركيا يتحدث في المحافل الدولية عن مشروع تبشيري شيعي إيراني في العراق وسوريا. وصارت السعودية تتحدث عن مواجهة كبرى مع إيران ويذكرون العراق بالاسم بعد أن كانوا لا يكتفون باليمن وسوريا ولبنان والبحرين.

تنظيف البيت العربي من الظلاميين يشمل الإخوان والميليشيات وداعش وكل أشكال الإسلام السياسي وهي معركة قومية علمانية لا علاقة لها بالحروب المقدسة المذهبية. إنها ببساطة حرب بقاء ودفاع عن السلام

ولن أنسى تعاون طلاب كلية الطب من جامعة الموصل الذين لم يلبّوا دعوة السيستاني فقط إلى زيارة العتبات المقدسة، بل أرسلوا لي صورا وتفاصيل الضيافة وأرسلتها كلها إلى الإعلام ليروا بعيونهم المحنة الحقيقية على الجانب الآخر من الجحيم.

هل هناك في الأفق مواجهة كبيرة أم أنها مجرّد مناوشات إعلامية؟ التصادم قادم لا محالة فالسعودية وحلفاؤها في مواجهة إيران. الأمير محمد بن سلمان في روسيا لعقد صفقة ضخمة. فقد عقد اتفاقا عالميا أدى إلى خفض إنتاج النفط بـ1.8 مليون برميل يوميا في إطار جهود لتعزيز الأسعار والحد من المخزونات الضخمة. هذا مسألة حيوية ومهمة جدا بالنسبة إلى الاقتصاد الروسي.

الولايات المتحدة بدأت بضخ السلاح النوعي والثقيل للمعارضة السورية بهدف منع الحشد الشيعي من فتح طريق بري بين العراق وسوريا، لن تسمح واشنطن بوصول الميليشيات إلى المتوسط. صحيفة التايمز صارت تطلق على قوات الحشد الشعبي كلمة “الحشد الإيراني” وهناك تصميم عربي بقيادة السعودية لدفع طهران خارج البيت العربي بما في ذلك العراق.

المملكة كدولة مركزية عربية مجبرة على التحرك الجدي، فإيران تحفر تحتها وتطلب ثأرا كبيرا. حتى داعش لا تهتم له إيران إلا لربط علاقته بالسعودية في إعلامها المزيف. فهي تستهدف الرياض ولا يهمها داعش. طهران تريد إثبات شرعية إسلامية مقاومة لإسرائيل (وهميا) وتريد تجريد السعودية من شرعيتها الإسلامية والعربية.

تسعى طهران إلى بناء تحالفات قوة وتجريف المنطقة حول السعودية. لهذا السبب قال الأمير محمد بن سلمان لا توجد إمكانية للتفاهم مع إيران.

دعا وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان مؤخرا “الحكام العرب إلى النزول عند رغبة شعوبهم وعدم العمالة للقوى الأجنبية، وأن مصير صدّام هو أبرز عبرة لحكام السعودية رغم أنه كان غارقا في العمالة”، ويتوعد الرياض بمصير مشابه لمصير صدام حسين. كذلك المرشد الأعلى علي خامنئي قال (بكل صفاقة) إن مصير حكام السعودية هو “السقوط الحتمي” كيف يمكن التفاهم مع هكذا قيادات؟

جيش عراقي رديف

هناك استنفار عسكري في الأردن وتحسس كبير من اقتراب الميليشيات وحزب الله من حدوده مع سوريا والعراق. ما الذي يمنع تشكيل جيش عراقي رديف في الأردن؟ نواة من الضباط العسكريين السابقين والمتطوعين بعيدا عن أجواء إيران والإخوان المسلمين.

سيكون لهكذا تشكيل أهمية كبيرة في حال تصاعد المواجهات مع إيران وأذرعها. لن يبقى الوضع كما هو عليه ويمكن لأميركا تدريب جيش عراقي رديف لجمعهم فيما بعد برفاقهم في الفرقة الذهبية لتشكيل نواة جيش وطني في مواجهة الدمج والميليشيات وفوضى السلاح في بغداد.

فلا نهاية للإرهاب دون وجود أفق حلّ جذري. قبل يومين فقط كان هناك انفجار في الكرادة وآخر في هيت وثالث في الرمادي. لا بد من انقلاب حقيقي في التفكير السياسي.

المشكلة الوحيدة أمام المشروع العربي هي الإخوان المسلمون ودولة قطر تحديدا. فهم يريدونها مواجهات دينية ومذهبية وليست مواجهة علمانية قومية ضد جميع أشكال الإسلام السياسي.

لقد فشلت الوساطة الكويتية وعاد أمير قطر خالي الوفاض من زيارته إلى الكويت، ومسؤول سعودي من واشنطن يذكّر حاكم قطر بمصير الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، والصحافة السعودية تتحدث عن انقلاب في قطر يحرر الدوحة من جذام الإخوان المسلمين.

الرسوم المسيئة لشخص العاهل السعودي التي بثتها قناة الجزيرة القطرية قبل أيام لن تمرّ دون عقاب. هذا يشبه خطأ الرئيس العراقي صدام حسين الذي كان من الممكن للقيادة السعودية تخليصه من ورطته لولا أنه وبغباء شديد تلفظ بكلمات بذيئة ضد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، ويشبه غباء الرئيس بشار الأسد في تلفظه بكلمات غير محترمة ضد القيادة السعودية. آل سعود أقدم عائلة حاكمة في المنطقة ولا يبدؤون أحدا بعداوة.

البلد الذي فيه العتبات المقدسة ولم يقع تحت احتلال في تاريخه وحدوده الجغرافية نتاج كفاح الشعب السعودي نفسه. قد يتفهمون الخطأ من الغريب الذي لا يعرفهم أو من الحاقد كنظام طهران، لكنهم لا يقبلونها من الأخ القريب الذي لهم عليه أياد بيضاء وتربطهم به علاقة احترام متبادل.

إن تنظيف البيت العربي من الظلاميين يشمل الإخوان والميليشيات وداعش وكل أشكال الإسلام السياسي وهي معركة قومية علمانية لا علاقة لها بالحروب المقدسة المذهبية. إنها ببساطة حرب بقاء ودفاع عن السلام. الرئيس ترامب متفهم وقال بأن السعودية تحتاج السلاح للدفاع عن مستقبل أطفالها وهذا صحيح تماماً.

كاتب عراقي

5