التشويش على إشارات الأقمار الاصطناعية سلاح يغير معادلات الحروب الحديثة

الجمعة 2015/02/06
الأمن الإلكتروني أضحى جزءا لا يتجزأ من التكتيكات الحديثة للحروب بين الدول

لندن - في تفحص الأهمية الاقتصادية للبنية التحتية الفضائية وأثرها المحتمل على الاقتصاد العالمي، حدد منتدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عددا من المخاطر التي تتعرض لها أنظمة السواتل ومستخدميها، وحظيت مسألة تداخل الإشارات في هذا الإطار بأهمية خاصة.

وفي السياق الأشمل لزيادة الوعي بالتهديدات التي يتعرض لها الأمن “السيبراني”، تحتاج الحكومات والقطاع الخاص إلى إعداد سياسات وآليات ناجعة لمعالجة هذه التحديات المتفاقمة، خاصة المتعلقة بالتشويش الذي أضحى يعد سلاحا ذا وزن في حروب العصر الحديث.

وقد برزت ظاهرة تداخل الإشارات منذ فترة الثمانينات من القرن الماضي، وفق دراسة للباحثة كلار جولي، فعندما أصبح البث بـ”الساتل” التجاري متوفرا، بدأ يحدث بعض التداخل (أو التشويش) المتعمد وفي غالب الأحيان غير المتعمّد. لكن الفرق الآن هو أن التداخل يمكن أن يؤثر على وظيفة الخدمات وموثوقيتها في الكثير من قطاعات البنية التحتية المدارية المختلفة، مثل البث ووصلات التخاطب والملاحة وتحديد المواقع والمراقبة الأرضية لغايات مدنية.

لقد كان بث الاتصالات عن طريق “السواتل” التجارية الأكثر تضررا من مختلف أنواع “التشويش” على مر السنين، وفق ما أفادت به الدراسة. كما يضر التشويش أيضا بشكل متزايد بإشارات أنظمة “سواتل” الملاحة العالمية المستخدمة في منتجات تتراوح بين الهواتف الذكية والسيارات، إذ يمثل “تعمية” أجهزة “سواتل” المراقبة الأرضية ظاهرة جديدة نسبيا، وهي تؤثر على عدد متزايد من “السواتل” العلمية على امتداد مساحات واسعة. وعادة لا يتسنى التأكد من مختلف أنواع الإخفاقات في تدفق الإشارات والمعطيات إلا بعد وقوع الحادثة بوقت طويل، والأسباب متنوعة: من أعطاب في البرمجيات، والعراقيل الطبيعية التي تقف حاجزا أمام الإشارات، والتشويش، أكان متعمدا أم لا.

التشويش يضر أيضا بشكل متزايد بإشارات أنظمة "سواتل" الملاحة العالمية المستخدمة في منتجات تتراوح بين الهواتف الذكية والسيارات

من جهة أخرى، أوضحت جولي أنّ انتشار الاعتماد على الأدوات المعلوماتية في كل جانب من جوانب الحياة العصرية في المجتمع، دفع عددا من البلدان المنتمية، وغير المنتمية، إلى منظمة التعاون الاقتصادي إلى تطوير سياسات وطنية للتّعامل مع تهديدات الأمن “السيبراني”. لكن لم يتم في أغلب الأحيان التعامل مع خصوصيات مشكل التداخل في إشارات “السواتل” في هذا المستوى.

ونادرا ما يتقاطع الأمن “السيبراني” الوطني مع الأمن الفضائي، ومع ذلك تقوم بعض البلدان حاليا بأقلمة هياكلها القانونية والتنظيمية مع هذه التهديدات وذلك بوضع أجهزة جديدة وذلك بهدف التعامل بالتحديد مع أجهزة التشويش على الإشارات “الساتلية”، مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ويجب تكافل جهود القطاع الخاص والحكومات من أجل مجابهة هذه التهديدات المتفاقمة. وهنا تبرز الحاجة إلى التطورات التقنية من القطاع الصناعي من أجل الحيلولة دون التعطيلات غير القانونية، كما أنّ هناك حاجة إلى آليات حوكمة متطورة على المستويين الوطني والدولي.

في سياق آخر، ومع تطور أساليب التشويش وآلياته، أضحت الدول تحسب حسابات عدة لهذا الطارئ التكنولوجي والتكتيكي، خاصة زمن الحروب، وعلى سبيل المثال، يعيد مراقبون إحجام الولايات المتحدة عن تنفيذ الضربة العسكرية التي أعلن باراك أوباما أنه سيوجهها إلى النظام السوري منذ حوالي سنة ونيف، إلى مخاوف بشأن إمكانية التشويش عن العمليات الأميركية.

وفي كتاب نشرته ‘جامعة الدفاع الوطني’ الأميركية، هناك إشارة إلى أن “المؤسسة العسكرية حددت واعترفت بإمكانية تعرض أحدث جيل من أسلحتها الموجهة بواسطة ‘جي بي إس” للتشويش. فمن دون توفر الذخيرة الدقيقة والشروط الضرورية لاستخدامها الناجح، فإن الحاجة إلى أعداد الهجمات المفاجئة والمجازفة المرتبطة بكل ضربة تتزايد بشكل كبير”.

نادرا ما يتقاطع الأمن 'السيبراني' الوطني مع الأمن الفضائي، ومع ذلك تقوم بعض البلدان حاليا بأقلمة هياكلها القانونية والتنظيمية مع هذه التهديدات

وقد تم الإدلاء بهذا التصريح الأخير في سنة 2002، ولكن مؤخرا في مجلة “الإلكترونيات العسكرية والفضائية” اعترف مسؤول في القوى الجوية، اسمه، دان فوكنر، أنّ المشكلة عصية عن الحل. فالولايات المتحدة، وفق رأيه، تطوّر أنظمة توجيه يمكنها العمل من دون “جي بي إس”، لكن هذه الأنظمة بحاجة إلى 20 أو 30 سنة قبل أن تدخلَ حيز الخدمة.

ويوجد حاليا نظامان متوفران لزيادة مقاومة أجهزة “جي بي إس” للتشويش. إذ يحاول إحداها تحقيق تزاوج دقيق بين “جي بي إس” و”آي إن إس” باستخدام الرقائق المتطورة. ويمكن لهذه الطريقة أن تكون مفيدة عندما يكون التشويش على “جي بي إس” متقطعا، ولكن ليس عندما يطير الصاروخ عبر منطقة مستمرة يكون فيها “جي بي إس” مقطوعا. بينما تتمثل الطريقة الثانية في استخدام هوائي توجيهي يعمل على منع تلقي الإشارة باتجاه مصدر تشويش أو عدة مصادر تشويش. وقد تم تقديم نظام مماثل من قبل الشركة الكندية “نوڤ آتيل”. ولكن من غير المؤكد إن كان نظام كهذا، حتى في حال تركيبه على صواريخ “توماهوك”، سيعمل ضد مصادر متعددة أو ضدّ إشارات تشويش قوية.

6