التشويه المتعمد لدور مصر في غزة

الأربعاء 2014/07/30

سألتني مذيعة بإحدى الفضائيات الناطقة بالعربية قبل أيام قليلة، لماذا تصر مصر على غلق معبر رفح والاستمرار في حصار غزة؟ قلت لها، لكن المعبر مفتوح منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي، ومستشفيات مصر استقبلت الكثير من الجرحى والمصابين، ودخلت كميات كبيرة من المساعدات من خلاله، كما أن مصر لا تشارك في حصار غزة، بدليل أن جميع المعابر مغلقة مع إسرائيل، وهي تفرض على القطاع حصارا بحريا وجويا، مع ذلك لا يزال الفلسطينيون أحياء، فمن أين جاؤوا بالغذاء وكيف يقاومون بهذه البسالة؟ ثم أضفت من مصر.

حاولت المذيعة أن تبطل حجتي السابقة فقالت، لكنّ هناك أصواتا تتهم مصر تمانع في إنشاء ميناء بحري ومطار جوي في غزة، لأنها ترفض رفع الحصار عن القطاع.

أجبـت بأن هذا غير صحيح، لأن استمرار الحصار يضاعف الأعباء السياسية والأمنية والإنسانية على مصر، بالتالي من مصلحتها رفعه فورا من جميع الاتجاهات، ولماذا يتباكى العالم الآن على حصار مضى عليه أكثر من سبع سنوات، ولم يوجه الجميع لوما واحدا إلى إسرائيل المتسببة الأصلية فيه؟ بل الكثير من القوى الكبرى متواطئة معها، وتمنحها غطاء سياسيا محكما للتنصل من الالتزامات القانونية، كقوة احتلال للأراضي الفلسطينية عموما.

أما بخصوص رفض مصر إنشاء ميناء وإصلاح المطار، قلت للمذيعة أنه تحفظ مؤقت ومشروط وليس رفضا قاطعا، لأن مصر من المؤكد لن تقف ضد مصلحة الشعب الفلسطيني أبدا، والتحفظ مرده أن إسرائيل تسعى إلى تكريس فصل القطاع عن الضفة الغربية، وتريد تدعيم سلطة حماس، وزيادة الهوة بينها وبين السلطة الفلسطينية، ومصر تدعم السلطة المركزية وتعمل بكل السبل على منع ترسيخ مكونات الاستقلال الذي تبينه تصرفات حماس، فالحركة تتنصل من المصالحة الفلسطينية، وتتهرب من موافقتها على الحكومة الوطنية.

ووجود الميناء، البحـري والجوي، في هذا التوقيـت سـوف يعزز فـرص العـزل الذي تسعـى إليه إسرائيل، وتـوافـق عليـه، ضمنيا على الأقـل، حركة حماس، الأمر الذي يضر بالقـضية الفلسطينية، ويؤثر سلبا على حلم الـدولـة، ويحولـها إلى «كانتونات»، ومصـر هنـا تفكر بمنطق الدولة المسؤولة، التي تنظر لما يـدور فـي غزة من منظور استراتيجي، بمعـنى من المهم توحيد الصفوف الفلسطينية، ومنح الدور اللازم للسلطة الوطنية، وعدم مناطحتها من قبل حركات أو تنظيمات لأسباب تكتيكية، سـوف تفضي إلى انعكاسات استراتيجية. انتهى حواري مع المذيعة الذي تشعب لنقاط مختلفة، لكن بقي في ذهني سؤال لماذا يبدو الدور المصري في غزة على غير الحقيقة ومشوها إلى هذه الدرجة؟

بحثت في الأمر، ووجدت بالفعل كأن هناك تشويها متعمدا، لكن له مبررات وأسانيد يعتمد عليها، جعلته مقبولا من جانب من يقفون خلفه ويروجون له، فلا أحد ينكر أن حماس لديها طغينة سياسية عميقة مع النظام المصري، منذ إسقاط نظام حكم الإخوان، وتعلم أنه يغلب، في نظرته لما يجري في غزة، الأبعاد الوطنية والقومية على الحركية والأيديولـوجيـة، لذلك تريد أن تقصي القاهرة، وتغـض الطرف عن المضامين التاريخية والاستـراتيجية، ولم تجد وسيلة لتحقيق هـذا الهدف سوى التشكيك، وإثارة الغبار حـول المواقـف المصرية، ويدور في فلكهـا كل من قطر وتركيـا، والجميـع يملكـون آلـة إعلامية توفر البيئة المناسبة لأغراضهم السياسية، والتي ترمي إلى هدم أي جهد مصري مخلص.

المشكلة أن المحاولات السابقة نجحت أحيانا، ليـس بفضل عبقريتهـا أو منطقها أو صواب حجتها، لكـن بفعل بعـض الأخطاء التي وقعت فيها مصر، وفي مقـدمتها عدم القـدرة على توصيل صوتها بصورة صحيحـة، فهناك كثيرون لا يعرفون أن معبر رفح مفتـوح لعبور البشر والمساعدات، ولا يعلمون شيئا عن حجـم الجهود السيـاسية التي تبذل لدعم القضية الفلسطينية، ولا حتى التعاطـف الذي يكنـه المصريون للشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال، ولم يفشـل النظـام الحاكم في توضيح رؤيته فقط، بل ساهمت بعض وسائل الإعـلام في تشويـه موقفه، عندما قام عدد من مقدمي البرامج والمحللـين بإظهار قدر من الشماتة في ما يحدث في غزة بسبب العدوان، ولم يفرقوا بين الاتهامـات الموجهة لحماس بالتدخل في الشأن المصري، وبين ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من دمار وهلاك، وجرى تقديم كلام وصور هؤلاء على أنه تعبير عن موقف مصر، فكان من السهولة أن تجد الهواجس حيال تصرفات القاهرة رواجا إعلاميا، وتبدو مصر كأنها في المربع المعادي للمقاومة.

من جهة أخرى، كانت إسرائيل تتصرف بدرجة عالية من الذكاء، لأنها تفهم عقلية حماس، ففي الوقت الذي أعلنت قبولها وقف إطلاق النار حسب المبادرة المصرية مبكرا، أعلنت الثانية (حماس) رفضها لها، فبدا موقف إسرائيل مؤيدا للطروحات المصرية، التي تم تسويقها على أنها ضد المصلحة الفلسطينية، وموقف حماس رافض لها، بزعم أنها تصب في خانة إسرائيل، وزاد الطين بلـة أن الحـركـة أشاعت أنها لم تكن على علم بالمبادرة، بينما الحقيقة أنه تم التشــاور معها في جميع تفاصيلها، ورغم نزاهة وصواب المواقـف المصريـــة، لكن بقي عالقـا في أذهان كثير من القطاعات العربية أن القاهرة بدأت مرحلة التخلي عن القضية الفلسطينية.

النتيجة السابقة غير صحيحة بالمرة، لسبب بسيط، وهو مركزية هذه القضية في الحسابات الاستراتيجية لدى مصر، والتي تحاول جهات كثيرة الضغط عليها، إما لتوريطها في الصراع الجاري مباشرة، أو استنزاف جهودها، بتكثيف الضغوط السياسية عليها، حتى تخفف من اهتمامها بالقضية الفلسطينية، وفي الحالتين يسهل لأميركا الداعم القوي لإسرائيل تحقيق هدفها في إرباك النظام المصري على أمل إضعافه، أو تدشين الترتيبات الخفية التي تريدها في غزة، وهو ما تدركه القيادة المصرية التي أدى حذرها من الوقوع في أي من الفخين إلى فهم البعض له على أنه ينطوي على شيء من التخاذل، ويمعن في تشويه صورة مصر.


كاتب مصري

8