التشيخي إيفان كليما: أتابع ما يجري في الشرق وأحاول أن أفهم

الأحد 2014/04/27
إيفان كليما: الأدب أفضل سبيل للتواصل بين الشعوب

يمشي على مهَل، وبهدوئه المعتاد يستمع إليك، يلقي بكلمات مقتضبة وتعليقات سريعة، يذكر أنّه في المنعطفات الكبرى تنتعش الحكايات ويمكن التقاط قصص كثيرة غريبة حينها. يتابع ما يجري في الشرق ويودّ لو يتفهّم ذلك.

الكاتب والروائيّ التشيخيّ إيفان كليما (براغ 1931) الذي ترجم له مؤخّراً أكثر من عمل إلى العربيّة: "حبّ وقمامة" و"لا قدّيسون ولا ملائكة"، يظلّ اسمه يتكرّر كلّ سنة ضمن الأسماء اللافتة المرشّحة لجائزة نوبل، يتحدّث ببساطة ودون تعقيد، يختصر كثيراً من المراحل، يكتفي بالتعقيب والتكثيف، يتوارى خلف سنواته الأربع والثمانين ويترك أعماله تتحدّث عنه.

بالحديث عن مرحلة قاسية من حياته عاشها في السجن الذي عانى ويلاته يقول: بقيت ثلاث سنوات ونصف في سجون النازية حين كان عمري عشر سنوات. تلك السنوات حفرت عميقاً في ذاكرتي. هناك الكثير من الناس أضاعوا أنفسهم تحت أعباء السجن وأثقال الحياة الشاقّة فيه، وخلّف السجن لديهم آثاراً عميقة لا تمحى. بالنسبة إليّ بقي الأثر لكنّه لم يمنعني من متابعة الحياة كما يجب. وأظنّ أنّي أمضيت حياة طبيعيّة بعد كلّ تلك المدّة الصعبة.

وعن الوطن يقول: الوطن بالنسبة إليّ قيمة عظمى. كنت أرى أنّ من الواجب على الناس كلّهم تجميل الوطن والسعي دوماً لتجميل الحياة فيه.


ظلال كافكا


أمّا عن اشتغاله في روايته "حبّ وقمامة" وحضور كافكا المتكرّر فيها يقول: حينما كنت أكتب "حبّ وقمامة" كنت أشتغل على كتاب عن كافكا، كنت متأثّراً بعوالمه وخياله وحالته، وكنوع من التقدير وردّ الاعتبار له كنت أستشهد به أكثر من مرّة في روايتي. كان كافكا قابعاً في لاشعوري، وكنت أستعين به كمشهد ومثال على ما أستعرضه أو أرويه. في روايتي كثير من السياقات والمحاور والتيّارات، كان كافكا أحد تلك السياقات. قد لا ينتبه القارئ إلى كيفيّة تنقّلي بين تلك المحاور، وانتقالي من محور إلى آخر أو عودتي إلى محور سابق، لأنّ ذلك جزء من الحبكة ومن طريقة الروائيّ في نسج أحداث روايته وإجراء نوع من التداخل فيما بين تلك المحاور. كما أنّني اشتغلت على ثنائيّات وأجريت بينها نوعاً من المزج، ويتبدّى ذلك من العنوان وصولاً إلى تفاصيل كثيرة لاحقة.

سعيد بأن روايتي مترجمة إلى العربية ومبتهج ومتعجّب أنّ شعباً آخر في مكان بعيد عنّا يقرأ لنا وعن حياتنا

وبالحديث عن ربطه بين الحبّ والتنظيف يقول: لم أحاول فرض حكم في الرواية، أو فرض إيجابيات أو سلبيات، حاولت استعراض وجوه الحياة المختلفة وتقديمها. وربّما هناك جانب رومانسيّ أو ميتافيزيقيّ، ذلك أنّ بطل الرواية عاشق وفي الوقت نفسه ينظّف الشوارع، والجانب المشترك هو أنّ الحبّ يطهّر النفس والروح وينظّف ما قد يعكّر صفوهما.

أما عن سبب تفضيله ضمير الأنا في كتابته الروائيّة يقول: استعنت بالخيال، أجريت نوعاً من التداخل بيني كروائيّ وبين بطل روايتي، كتبت بضمير المتكلّم، ذلك أنّ هذا الضمير "الأنا" حمّال طاقة كبيرة. تستطيع أن تكتب من خلال الأنا كلّ شيء، فالأنا أنَوات وآخرون أيضاً. أستطيع أن أكتب عن الـ"هو" بـ"الأنا". ربّما هذا نوع من إشعار القارئ بالمشاركة، ومنحه جانباً من الإمتاع.

ويضيف: كتبت لأنّي أعشق الكتابة، عندما كنت صغيراً تعلّمت أن أكتب شيئاً، وأنا لا أفكّر بالقارئ كثيراً كرقيب، لكن أحرص دوماً أن تكون كتابتي مفهومة بسهولة وبعيداً عن التعقيد والغموض. فأنا لا أحبّذ الأدب الضبابيّ الغامض والمعقّد.


قرار صعب


أما عن سؤال كيف يمضي إيفان كليما يومه..؟ فيقول: يومي طبيعيّ جدّاً. أكتب حتّى قرابة الواحدة ظهراً، بعد ذلك أتابع ما يتعلّق بعملي الإداريّ في نادي القلم الدولي ببراغ. أقرأ كثيراً، أتابع الأخبار، وسابقاً كنت أعمل في حقلي أيضاً. ليس هناك شيء مميّز في حياتي. أنا متقاعد الآن وقد أصبحت حياتي لوناً واحداً. تتشابه أيّامي تقريباً، كما قلّ نشاطي. ابنتي وابني جيراني وهناك ترابط كبير بيننا، نجلس معاً بمناسبة ودون مناسبة. أتسلّى مع أحفادي وأبناء أحفادي وأمضي معهم أوقاتاً طيّبة، ونحن نجتمع بشكل منتظم.

في مرحلة الشباب يكون كلّ شيء أمام المرء منفتحاً ولكن عندما يكبر يوقن أن كل ما أراد أن يقوله قاله أو كتبه

أمّا عن قراءاته فيقول: أقرأ لغريم غرين وفيليب روث. وفي كلّ مرحلة من حياتي كنت أنشدّ لجانب وثقافة، أقتفي أثرها وأتعمّق فيها. كونديرا تربّى في الأدب الفرنسيّ، أمّا نحن فقد تربّينا في الأدب الإنكليزيّ. أقرأ الإنكليزيّة لكن أفضّل القراءة بالتشيخيّة.

وفي تعليقه على اعتزال فيليب روث قال: أعتقد أنّه قرار عاقل وجريء. أقول دائماً إنّه يجب على الكاتب ألّا يكتب شيئاً إن لم يكن أفضل من سابقه. وبعد الثمانين وارد جدّاً أن يكون ما يكتب أقلّ جودة من سابقيه. حقيقة إنّه قرار صعب جدّاً لكنّي مع ذاك القرار. ولا أخفيك أنّه لأمر محبط جدّاً ألّا يكتب الكاتب ويعتزل الكتابة.

وحين سؤاله هل تفكّر باعتزال الكتابة..؟ أجاب: تجاوزت الثمانين ولم أكتب الكتب الكبيرة، أكتب قصصاً قصيرة، والأمر ليس بذاك التعقيد والمشقّة. كلّما كبر الإنسان تقلّ كلماته، يتلخّص تعبيره ويتقلّص. التاريخ يذكر أنّ مَن يكبر فكتابته تقلّ، ربّما هو أثر الزمن وتأثيره.

في مرحلة الشباب يكون كلّ شيء أمام المرء منفتحاً، ولكن عندما يكبر يوقن أنّ كلّ ما أراد أن يقوله قاله أو كتبه، سواء إن كان هو مَن قاله أو كتبه أو غيره. وقناعة أنّ هناك غيرك مَن كتب ولا حاجة إلى التكرار والإعادة. وما أودّ قوله قلته في كتبي. عندما يكبر الإنسان يفكّر بالموت. أنا لا أحبّ الكتابة عن الموت. الموت أمر طبيعيّ. أنا أحبّ الكتابة عن الأمل والتفاؤل والحياة. هناك كتّاب ارتبطوا بموضوعة الموت أنا لست واحداً منهم. أنا مرتبط بالحياة، وأرى أنّ الكتابة عن الحياة هي الأهمّ من الكتابة عن الموت.


جسور التواصل


عن جائزة نوبل وترشيحه المتكرّر لها، وبعد أن يستعيد فوز مواطنه ياروسلاف سيفريت بها سنة 1984 يقول: فرصتنا ضئيلة. هل حقّاً مرّت ثلاثون سنة فقط..؟! نحتاج إلى وقت آخر أطول. حين بدأت الكتابة كنت أفكّر بالجوائز وبنوبل، أمّا الآن فلا أفكّر فيها أبداً.

حين بدأت الكتابة كنت أفكر بالجوائز وبنوبل أما الآن فلا أفكر فيها أبدا

أنا مفعم بالجوائز وأرى نفسي مليئاً بها. هناك الكثير من الجوائز التي فرحت بها، أعتزّ بجائزة فرانز كافكا كثيراً. كما أجد أنّ جائزتي الحقيقيّة حين أجد أن عملي يشدّ الانتباه.

ويذكر كليما في معرض حديثه عمّا يجري في الشرق: أتابع ما يجري في الشرق وأحاول أن أتفهّم ما يجري هناك. وللأسف ليست لي تجربة مع الشرق والقارئ الشرقيّ بعد. أقتفي آثار العرب وإسرائيل وأتمنّى أن يسود السلام. لم يسبق لي أن زرت أيّ بلد عربيّ، زرتُ فقط الجانب العربيّ من مدينة القدس.

وعن ترجمة رواياته إلى اللغة العربيّة يقول: أنا سعيد بأنّ روايتي مترجمة إلى العربية، ومبتهج ومتعجّب أنّ شعباً آخر في مكان بعيد عنّا يقرأ لنا وعن حياتنا. سعادتي مشوبة بالتعجّب. الأدب الجيّد والثقافة البنّاءة رسول عظيم بين الشعوب. والأدب هو أفضل وسيلة للتعرّف إلى الشعوب والثقافات. الأدب والكتابة من أفضل السبل للتواصل بين الشعوب والتقريب بينها.

16