التشيع السياسي.. السلطة غاية والدين وسيلة

الاثنين 2013/10/21
استحضار الدين والتاريخ من أجل غايات سياسوية

لا يجد المسلمون في النموذج الإخواني المصري (المسبوق والمتحدد بالنموذج السلفي) نظاماً جامعا ودامجا لأمتهم أو لأممهم بالتدقيق في دولة جديدة (إمبراطورية مؤجلة)؛ ولا يرون في النموذج الإيراني سوى منهاج مذهبي لا يصلح لغير إيران بذاتها (96 بالمئة شيعة)، وحتى إنهم يقولون: لا يصلح حتى لإيران نفسها، فلا العراق يقتدي بها، ولا سوريا تحاكيها، وإن تفرد حزب الله بتقليده للولي الفقيه مذهبيا، مع أنه يعلم أن النظام التعددي اللبناني لا يشي بقبول «خلافة إسلامية» كما يحلم متشددون سنيون، ولا بدولة حزب الله كما يُراهن بعض أتباع أو وكلاء «ولي الفقيه».

يبقى أن على السنة والشيعة الانتقال من حرب الفقهاء والمفتين إلى سلم القرآن والإسلام؛ سلم السياسة وبناء دول الشراكة، ما يعني ضرورة تحديث الخطاب الإسلامي السياسي، تمهيداً لإنشاء دولة أكثر عصرية. والحال، أن حوار المذاهب السياسية في الإسلام أجدى الآن، وأهم، من حوار الأديان، بدعوى أن تطوير المحلي يفضي إلى عولمة، فيما هذه الأخيرة لم تفض حتى الآن إلى غير تدمير الإسلام من داخل جغرافيته السياسية وتاريخيته الأنثروبولوجية.

«حق الإمام في السلطة»

يستفاد من سجلّ «الثورات» في الإسلام، أن الحركات الدينية غالبا ما تنقلب إلى فتن مذهبيّة أو طائفية، وأن أهدافها السياسية تتحوّل بذلك إلى مثالات عقيدية تدور في مجالات اجتماعية نبذية منغلقة على ذاتها، متعادية في محيطها. ويستفاد من بحث هشام جعيط في كتاب «الفتنة» أن مجال علي الذي انطلق منذ «اجتماع السقيفة» يمكن وصفه بالاعتراضي، الرافضي للسلطة المُقامة، والساعي إلى إقامة حكم ديني، يظنّ دعاته أنه «إسلامي» بامتياز، ما يعني أن الأنظمة الأخرى المقامة في بلاد المسلمين لا تتّصف بهذه الصفة القديمة، ولا تتطابق سياساتها مع معتقداتها.

ففي الإسلام المبكر، تحول «مجال علي» مرة واحدة إلى سلطة ظرفية جاء بها السيف وذهب بها السيف (مقتل علي)، وانبثق «مجال علي» مجددا في «شيعية ثورية» تحولت ذاتيا إلى «فرقة مذهبية» في إسلام سياسي آخذ في التمذهب على إيقاعين: امتلاك السلطة وتأويل الدين سياسيا؛ فمنذ مقتل عثمان إلى مقتل الحسين بن علي، كان مجال الفتوحات يطغى على مجال الصراعات الداخلية بين المسلمين، ولكن دون اجتثاث جذوتها الاجتماعية وإجراء تسوية أو مصالحة سياسية تبعد شبح الحروب والفتن والثورات عن فضاء الجامعة (الأمة) المسلمة الآخذة في التكون والتوسع. مع مقتل الحسين تجدد مجال علي سياسياً حول «حق الإمام في السلطة» ونمت العقيدة الإمامية على قاعدة «المعصومية» التي تربط حكم المسلمين بحكم الله، والتي تجعل المعصوم مقدسا فوق البشر من مواليه ومن مناصبيه؛ أي ليس حرا في ألا يكون إماما من جهة، ولا حرا في التخلي عن حقه الإلهي «ولا عن مسار أسلافه».

صراع عربي- أعجمي

ارتدت بعد الحسين المعصومية الإمامية الشيعية رداء العقيدة الاستشهادية والانتظارية معا، وعلى إيقاعات التحولات السلطوية الكبرى، كان «مجال علي» يتحول إلى «مجال الحسين» باستبعاد المتحررين من سلالة الحسن بن علي الذي أجرى تسوية سياسية مع معاوية. وكان الصراع العربي والأعجمي على السلطة في الإسلام، يغري العلويين أو الطالبيين في الاستشهاد في سبيل الله والسلطة معاً ويدفعهم إلى المشاركة في الثورات والحركات الاعتراضية وحتى الاضطرابات والفتن، استرداداً لموقع مفقود أو استئنافاً لدور منشود (استبدال الخلافة بالإمامة على أمّة متفرّقة).

لكن مع الفشل السياسي المتراكم، منذ العهد الراشدي حتى نهاية العهد الأموي، لاحت بارقة أمل أمام الشيعة الطالبية- المنتمية إلى علي بن أبي طالب حصرا، والمطالبة بالسلطة لنفسها حصراً كحق إلهي (حق الوصي على الأمة كلها)- ما لبثت أن تبددت مع تغلب العباسية على الطالبية/ العلوية، ومع استئناف «مقاتل الطالبيين» على إيقاع عنفي غير مسبوق، الأمر الذي حول الشيعية الثورية إلى فرقة انتظارية تستشهد وتغرق في دمائها حتى «ظهور المهدي» واسترداد السلطة المفقودة المنشودة.

بعد الإنتظاريّة الناشطة، الديناميكية، ظهرت الانتظارية السلبية، التقوية التي تخفي مطلبها السياسي المعلن سابقا، وتعتمد التقية السياسية وحتى المذهبية (في العهد العثماني مثلا) ولكنها تعي أهمية مجالها العلوي /الطالبي/ الحسيني (حيث التشيع الثوري الحديث ينطلق من الحسين، لا من أبيه علي) الموزّع بين إمارات شيعية عربية وبين الدولة الصفوية، حيث شكّل التشيع الإيراني فاصلةً في تاريخ الإسلام.

في هذه الفاصلة التاريخية في مسارات الإسلام السياسي، شهد جبل عامل (لبنان حالياً) منذ مطلع القرن العشرين، ظهور الشيعية الإصلاحية، الممتدة من السيد محسن الأمين إلى السيد موسى الصدر، والمتحوّلة في الحرب إلى «شيعية فوضوية» ما لبثت أن تنظمت كمقاومة في المقاومة اللبنانية، وأعلنت وأخفت معاً إغراءات السلطة ورغبتها في إقامة «جمهورية إسلامية» ولو بغطاء ماروني (حزب الله وإميل لحود، ثم ميشال عون).

إذا كانت الإصلاحية الشيعية قد اعتبرت من كوارث الشيعية الثورية واعتمدت سياسة التقية والتسويات، فهل تعتبر الشيعية الثورية الراهنة وتدمج الإصلاحية والثورية في سياسة تسوية مبتكرة؟ أم أنها ستضيع الفرص المتاحة أمامها، فرصة الاندماج في السلطة، وفرصة المشاركة في الاقتصاد الوطني؟ أم أنها تراهن على تغييب الدولة الوطنية اللبنانية بدعوى الشراكة وتتحيّز الفرصة الحاسمة لإقامة «دولتها»- بالتفاهم مع إيران وسوريا- على شاطئ البحر المتوسط، وجها لوجه مع «دولة إسرائيل» والغرب؟

خلاصة بحث خليل أحمد خليل «إشكاليات الشيعة والسُّنة»، ضمن الكتاب 81 (أغسطس 2013) «إيران والإخوان.. توظيف الدين والسياسة» الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

13