التشيع السياسي في مصر يضع الأزهر أمام استحقاقات تجديد الخطاب

قد تكون للمؤسسات الدينية الكبرى في الوطن العربي وظائف عديدة تعنى بالدفاع عن الأمن والسلم الاجتماعيين المتعلقين بالممارسة الدينية للناس، وهي وظيفة أساسية من الوظائف المناطة بعهدة المؤسسات الدينية الرشيدة. لكن إذا تعلق الأمر بالتعاطي المنقوص مع الظواهر الدينية المتعلقة بالسياسة، فإن دور الحماية قد ينقلب إلى الضد، ولعل تعاطي مؤسسة الأزهر مع الانتشار الشيعي في مصر من زاوية نظر سنية يعد تعاطيا خطيرا لأنه يغذي الطائفية بشكل آخر، وهذا الإشكال يعيد وضع الأزهر أمام مهمة تجديد الخطاب الديني برمته وذلك من مواجهة جذرية للتدخل الديني في المجال السياسي.
الاثنين 2015/11/09
التشيع السياسي في مصر تحركه أجهزة إقليمية ومواجهته لا تكون بخطاب طائفي آخر

القاهرة - قالت مشيخة الأزهر في مصر، إنها “لاحظت أن هناك أموالا تضخ لتحويل الشباب المصري إلى المذهب الشيعي”، محذرة من أن “هذا الأمر قد يؤدي إلى فتنة وإراقة دماء في البلاد”. وقد كان هذا التنبيه مرتكزا إلى أن مصر تعتبر “بلاد سنة”، ولم يشر الأزهر إلى أن التعاطي مع التيارات الدينية التي تنشط بشكل مشبوه، يجب أن يخضع لقانون الدولة المدنية وليس لمنطق طائفي بين سنة وشيعة.

وبحسب بيان لمشيخة الأزهر، قال أحمد الطيب شيخ الأزهر “إننا لاحظنا أن هناك أموالا تضخ (لم يحدد حجمها)، لتحويل شباب أهل السنة إلى المذهب الشيعي، وهذا ما نعترض عليه، لأن هذا الأمر سوف يؤدي بالضرورة إلى فتنة وإراقة دماء في بلاد أهل السنة، وهو ما يرفضه الأزهر”. وأضاف الطيب، “حديث الأزهر هذه الأيام عن تفنيد الاتهامات التي وجهها بعض المنتسبين إلى المذهب الشيعي ضد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لا يخدم سياسة معيّنة”.

وحول سبب مواجهة التشيع في مصر، قال الطيب “الأزهر يتحدث في هذه القضايا ليتصدى للعبث بوحدة الأمة الإسلامية”، فيما وجه حديثه إلى إيران قائلا، “أخرجوا الدين من ألاعيب السياسة، وأنفقوا أموالكم الفائضة عن حاجتكم على الفقراء والبؤساء الذين أضرّتهم الحروب”. ودعا شيخ الأزهر مجددا علماء الأمة إلى “الاجتماع لإعلان حرمة قتل الشيعي للسني، وقتل السني للشيعي”.

وفي 22 أكتوبر الماضي، قررت وزارة الأوقاف غلق ضريح الحسين لمدة 3 أيام “منعا لطقوس شيعية” في عاشوراء. وقال البيان إن “مديرية أوقاف القاهرة قررت غلق ضريح الحسين منعا للأباطيل الشيعية التي تحدث يوم عاشوراء، وما يمكن أن يحدث من طقوس شيعية لا أصل لها في الإسلام، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من مشكلات”.

سياسة الأزهر في مواجهة التشكل الطائفي الغريب عن مصر، ليست السياسة المأمولة لتحقيق ذلك الهدف

وسبق أن أكد مفتي الديار المصرية الأسبق علي جمعة وجود حرب خفية بين الخلايا التي تحاول استقطاب مجموعات إلى المذهب الشيعي في مصر، مثنيا على أن استقطاب الشباب يتم عبر المساجد والفضاءات الصوفية التي يرتادها المواطنون بشكل عادي وتلقائي مثل مقام “الحسين” في القاهرة.

وتقول شهادات إن الانتشار الشيعي المفعم بخلفية سياسية في مصر كان أساسه الطلبة القادمون من دول عربية ذوو خلفية طائفية شيعية سياسية. وفي هذا السياق أشار الكاتب المصري المتشيع صالح الورداني إلى ذلك بقوله “بعد خروجي من المعتقل في منتصف الثمانينات احتككت بكمّ من الشباب العراقي المقيم في مصر من المعارضة وغيرهم، وكذلك الشباب البحريني الذين كانوا يدرسون في مصر، فبدأت التعرف على فكر الشيعة وأطروحة التشيع من خلال مراجع وكتب هم وفّروها لي ومن خلال الإجابة على كثير من تساؤلاتي وقد دارت بيننا نقاشات كثيرة”. كما أكد مبروك عطية، أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن سبب انتشار المد الشيعي في الفترة الأخيرة مرده انتشار القنوات الفضائية الشيعية التي أصبحت من أهم وسائل الترويج للفكر الشيعي، كما أنها زادت من الاحتقان بين الطرفين.

ولكن في المقابل، يؤكد عدد من الخبراء أن سياسة الأزهر في مواجهة ملامح التشكل الطائفي الغريب عن مصر ليست السياسة المأمولة لتحقيق ذلك الهدف، إذ لا يعدو خطاب الأزهر بدوره أن يكون طائفيا منطلقه ما يسمّى “الدفاع عن المجال السني أو عن سنية مصر”، وهو أمر لا يستقيم إذا أراد المصريون الدفاع عن أمن الدولة والاستقرار بأن يكون خطابهم طائفيا أيضا.

فعند إحصاء العدد من البيانات التي أصدرتها مؤسسة الأزهر في ما يتعلق بالاعتداءات على المساجد ودور العبادة في بعض الدول العربية، فإن خطاب تلك البيانات يركز بالأساس على “مظلومية” أهل السنة في المناطق التي فيها أكثرية شيعية من ناحية المذهب، وهذا التمييز بين السنة والشيعة في اتخاذ المواقف أثّر على الصورة التي يمتاز بها الأزهر لكونه مرجعية علمية ودينية، ليظهر وكأن الأزهر مؤسسة دينية موجهة إلى مخاطب سني، وهو المخاطب الطائفي الوحيد المعني بخطاب الأزهر وهذا أمر “لا يؤسس إلى إشعاع عالمي لمؤسسة الأزهر الداعمة للنفس المدني والعقلاني في التعاطي مع الشأن الديني والسياسي”، كما صرح بذلك محمد أبو زيد الأمير رئيس قطاع المعاهد الأزهرية.

استقطاب الشباب يتم عبر المساجد والفضاءات الصوفية التي يرتادها المواطنون بشكل عادي وتلقائي

وأضاف العديد من المراقبين أن الخطاب الأزهري يجب أن يتغير بشكل جذري انطلاقا من تغيير رؤيته إلى الواقع الديني وعلاقته بالسياسة والحياة. إذ يقول هشام النجار، وهو باحث في خطاب الجماعات الإسلامية، إن “التعاطي مع شأن المسلمين في العالم وانتشارهم وكيفية تعاملهم بعضهم مع بعض يجب أن يخضع لفلسفة واحدة ومقاييس واحدة في التعامل، فمسألة مواجهة الانتشار الشيعي السياسي في مصر ليست مناقضة لضرورة مواجهة التطرف السني والجماعات الإرهابية في مناطق عديدة من العالم”.

وقد علق النجار على الخطاب الأزهري في السنوات الماضية التي أعقبت ثورتي يناير ويونيو بأنه «خطاب بدأ يتلمس الطريق نحو استيعاب مدنية الدولة لكن دون أن يستوعب ذلك بشكل كامل»، وهو الأمر الذي طبع ارتباكا واضحا على خطاب الأزهر و»انتقائيته في تناول قضايا المسلمين في العالم» خاصة في ما يتعلق بالطائفية في العراق التي انحاز الأزهر إلى السنة فيها حسب التحليل الكمي لبيانات وتصريحات مشايخ الأزهر وشيخه أحمد الطيب.

وما زاد من غموض خطاب الأزهر وطبيعة دوره الفعلي في مقاومة أسلمة المجتمع والدولة من قبل أي تيار ديني ينشد لعب دور سياسي (سواء سني أو شيعي) هو أن الأزهر ذاته لا يزال يصر على «وسطية الإسلام واعتداله» وهذا الأمر يعد لبسا في ذاته باعتبار أن المتقبل لهذا الخطاب «لن يفهم بشكل واقعي وملموس وسلوكي معنى الوسطية في الدين» حسب تصريح الباحث في الجماعات الإسلامية أحمد بان. وتعتبر الوسطية والاعتدال من أكثر المصطلحات تداولا لدى علماء الأزهر دون أن يتم تعريفهما بشكل مبسط حتى يتمكن المتلقي من ترجمة الخطاب إلى سلوك.

13