التشيع السياسي وجنون الانقراض

الثلاثاء 2015/04/14

منذ بداياته كان التشيع حركة سياسية، أما التصريف الفقهي بما يضفي على تلك الحركة طابعا مذهبيا مختلفا فقد حدث متأخرا. ولكن هل كانت المغالاة في حب آل بيت النبي من سلالة علي بن أبي طالب، تاريخيا، من أصول ذلك المذهب الذي بدأ سياسيا؟

كانت المظلومية هي أساس الفتنة. وهي فتنة لا علاقة ظاهرية لها بالفتنة الكبرى التي شهدتها سنوات حكم الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وإن كان التأويل اللاحق قد أعادها إلى يوم السقيفة، وهو ما درج عليه الفكر الشيعي التقليدي المعتمد من قبل المرجعيات الرسمية، والمشاع بمرويّات مختلقة بين صفوف العامة.

كان التشيع في أساسه التاريخي انعكاسا سياسيا للانقسام والخلاف اللذين دخل العرب في نفقهما ولم يخرجوا بعد حول مَن هو أحق بالحكم، نسل النبي محمد من ابنته فاطمة، وهو ما يشير عمليا إلى نسل ابن عمه علي بن أبي طالب زوج ابنته والخليفة الرابع، أم مَن تمكن عمليا من تأسيس دولة وإدارة مستعمرات والتصرف بالثروات ورعاية التطور العلمي والأدبي بما حقق ازدهارا وتفوقا لا سابق له في حياة العرب؟

لقد أقفل مفكرو الشيعة الرسميون طرق تفكيرهم على الحق الديني في الحكم، وهو حق كانت الدولة الأموية قد تجاوزته في السنوات الأولى من حكم خليفتها الأول معاوية بن أبي سفيان منتقلة إلى ما يشبه الإدارة المدنية في حقبة عبدالملك بن مروان الذي لم يجد مانعا في ضرب الكعبة بالمنجنيق حين احتمى بها خصومه.

لم تدرك المدوّنات الشيعية معنى ذلك التحول في كيان الدولة، بل إنها لم تستسغ أن تقدم ثورة الحسين في إطارها الحقيقي كونها محاولة لاسترداد حق افتراضي في الحكم. كان هناك دائما حديث عن ثورة الحق على الباطل، ولم يكن ذلك الحق ليستقيم في إطار البنية التاريخية لفكرة الحكم، وهي بنية لم يقاومها مفكرو الشيعة إلا من خلال اللجوء إلى الحكايات الخرافية والحكايات المنسوبة إلى النبي والمعجزات التي أنجزها علي بن أبي طالب في حياته، وبعد مماته على حد سواء، حيث مكانته في السماء حسب المرويات الشيعية تفوق مكانة كل الأنبياء.

يومها غادر التشيع الذي كان نوعا من الفكر السياسي منطق التاريخ، ليكوّن مجموعة من المرويات الملفقة التي يضمها كتاب الكافي بين دفتيه ليكون دليلا على الضلالة العقائدية والعمى الفكري وسوء الفهم الموجه إلى الآخر، الآخر العدو الذي سيكون دائما مسؤولا عن مقتل الحسين في أرض كربلاء التي كان سكانها من الموالين لآل البيت. وهو ما يعني أن اللعبة كانت عبثية ومجانية منذ البدء.

الآن وفي عصرنا الحـالي، يُقـاد جزء عظيم من الشعب العراقي إلى منطقة تقع خارج التاريخ باسم التشيع السياسي وهو الذي أُفرغ من معانيه منذ أكثر من ألف عام. فلا معنى اليوم لولاية علي في يوم الغدير، ولا معنى أيضـا لحق الحسين، ابنه في الحكم بدلا من يزيد، ولا معنى لما يردده البعض من خلاف بين عائشة زوجة النبي وعلي ابن عمه. التاريخ لا ينظر إلى مخلفاته بعين قلقة. هناك ما ينقرض دائما، فهل قرر مفكرو الشيعة أن يقودوا شعبا إلى الانقراض؟

شيء من هذا القبيل يحدث في العراق اليوم.

فالشعب هناك لا يرغب في شيء بقدر رغبته في إحياء المناسبات الدينية. ما بين مولد ووفاة إمام يقع مولد ووفاة إمام آخر. وهكذا تجري الحياة مشيا وركضا ونواحا ولطما وأدعية واستغاثات ومواقع للأكل والشرب، ونسيانا لمشكلات الواقع اليومي. أكل هذا من التشيع؟

في الوقت الذي تفكر فيه إيران في صيانة ما تبقى من مشروعها النووي، يفكر العراقيون في الطـريقة المثلى للوصول، زحفـا، إلى ضريح الحسين. ألا يحق لنا ونحن نرى الإنسان زاحفا أن نفكر في انقراضه؟

كاتب عراقي

8