التشيك تغرد خارج الأزمات و"تعاني" من وفرة الوظائف

عدد العاطلين عن العمل في جمهورية التشيك بلغ في نوفمبر الماضي نحو 215 ألف شخص، وهو أقل عدد للعاطلين منذ عام 1997.
الأربعاء 2019/01/23
قلق من تخمة الوظائف

براغ – تحاول جمهورية التشيك إيجاد حلول لظاهرة توفر الوظائف الشاغرة بأعداد تزيد كثيرا على أعداد المتقدمين للحصول عليها، وهي حالة نادرة بين البلدان الأوروبية حيث يندر أن يكون الحصول على عمل بهذه السهولة منذ أكثر من 21 عاما.

كما أن لديها ظاهرة أخرى نادرة هي تحقيق فائض في الموازنة إضافة إلى مؤشرات إيجابية أخرى جعلتها تعرف حاليا في أوروبا على أنها التلميذ المثالي بين دول شرق القارة. وأصبحت عبارة “البلد المزدهر” كثيرة الاستخدام عند ذكر البلاد. وتشير البيانات إلى أن عدد المسجلين كعاطلين عن العمل في جمهورية التشيك بلغ في نوفمبر الماضي نحو 215 ألف شخص، وهو أقل عدد للعاطلين منذ يونيو عام 1997. في المقابل بلغ عدد الوظائف الشاغرة أكثر من 323 ألف وظيفة.

ولا يمثل معدل البطالة الموسمية في ذات الشهر، الذي بلغ 1.9 بالمئة وهو الأقل بين دول الاتحاد الأوروبي، أي مشكلة لأنه يمثل فقط الذين يسعون للانتقال من وظيفة إلى أخرى في ظل وفرة الوظائف والتحولات في طبيعة سوق العمل.

هناك حرب ضارية بين الشركات التشيكية على القوى العاملة المتاحة، حيث إن الكثير منها تجتذب العاملين من خلال عروض إضافية تسمى في التشيك “بنفيتي” على غرار الكلمة الإنكليزية التي تعني “مميزات”.

وتتراوح تلك المغريات بين العضوية في صالات اللياقة البدنية وتقديم بدل عطلات وتوفير عروض للأسرة للاستمتاع بأوقات الفراغ.

ومن السهل التعرف على المحرك الرئيسي للاقتصاد في التشيك حاليا، وهو قطاع صناعة السيارات، حيث حققت البلاد رقما قياسيا لإنتاج السيارات العام الماضي، بلغ أكثر من 1.4 مليون سيارة، إضافة إلى الصناعات الكيمياوية وتقنية المعلومات. ولا تقف قائمة الشركات عند سكودا التشيكية المملوكة لمجموعة فولكسفاغن بل تمتد إلى مصانع كبيرة لشركات هيونداي وتويوتا، إضافة إلى مجموعة شركات بيجو ستروين الفرنسية والكثير من الشركات العاملة في إنتاج مستلزمات صناعة السيارات.

ورغم حالة التفاؤل الكبير ببلوغ العمالة في البلاد ذروتها في العام الماضي، إلا أن هذا التشغيل التام يعد مصدر تهديد قد يكبح جماح نمو الاقتصاد التشيكي، حيث إن نقص العمالة يؤدي إلى إجبار الشركات على رفض الطلبيات أحيانا.

بيرنارد باور: قلق من نقص العمالة رغم الارتفاع الهائل للأجور وظروف العمل المغرية
بيرنارد باور: قلق من نقص العمالة رغم الارتفاع الهائل للأجور وظروف العمل المغرية

ويرجح يان فيمليك، كبير اقتصاديي مصرف كي.بي التشيكي أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأجور، مع عدم تزايد الإنتاجية بنفس المقدار، مما يخفض القدرة التنافسية للشركات على المدى البعيد.

ويؤكد بيرنارد باور من غرفة الصناعة والتجارة الألمانية التشيكية، أيضا أن الوضع في الجمهورية يثير القلق بعد تفاقم نقص العمالة العام الماضي، رغم الارتفاع الهائل في الأجور وظروف العمل المغرية. ويقول إن “الاقتصاد يعيش على القدرة الحيوية على مواصلة النمو وأن تراجع القدرة على توسيع القدرات يمثل عاملا سلبيا”.

وينصح باور صناع القرار السياسي في البلاد بضرورة ربط التدريب والتعليم بنشاط الشركات على غرار النموذج الألماني، ما يؤدي إلى دفع المتدربين أكثر صوب الشركات والتطبيق العملي “حيث يعرف المسؤولون في ألمانيا ما الذي يجب على العامل الشاب إتقانه بالدرجة الأولى”.

ويرى ميشائيل فالاسيك الأكاديمي في الجامعة التشيكية في براغ الذي يشرف على منهج علمي خاص به لتدريس الماجستير، ضرورة استثمار التحول الكبير في التشيك نحو استخدام الآلات والأتمتة في القطاع الصناعي.

ويركز منهجه بالدرجة الأولى على الصناعة حيث أنشأ بالتعاون مع شركاء ألمان حقلا تجريبيا لإنشاء المصنع المرن الذي يستشرف المستقبل. ويتم في ذلك المنهج جمع كل البيانات في الحوسبة السحابية وتحليلها من أجل الوصول بمسارات الإنتاج للشكل الأمثل والالتزام بمعايير الجودة.

لكن البروفيسور فالاسيك يشير إلى وجود مشكلة في ارتفاع تكاليف الاستثمار في الروبوتات وهو ما يجعل القوى العاملة تظل هي الأفضل نسبيا.

وتشير هيئة الإحصاء التشيكية إلى أن متوسط الأجر الشهري في جمهورية التشيك يبلغ حاليا نحو 1230 يورو، أي نحو ثلث نظيره الألماني.

وتحاول الحكومة سد الثغرات في قطاع الوظائف منخفضة الأجور من خلال اجتذاب عمالة من دول مثل أوكرانيا ومنغوليا والفلبين، حيث تصدر التشيك ما يصل إلى 12 ألف تأشيرة عمل سنويا، في إطار إجراءات عاجلة.

ورغم أن “العمالة الوافدة” من شرق أوروبا وآسيا تلقى ترحيبا في التشيك، إلا أن رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيس يواصل رفض اللاجئين القادمين من سوريا، على سبيل المثال.

ويرى ياكوب زايدلر، كبير اقتصاديي مصرف آي.أن.جي أن الأنظار في التشيك تتجه إلى ألمانيا بشكل خاص، حيث إن اقتصاد البلاد يتأثر بحساسية من تطور الأوضاع في ألمانيا التي تعد أكبر شريك تجاري للبلاد.

ويوضح أن إمكانية تباطؤ وتيرة نمو أكبر اقتصاد في أوروبا يمثل أكثر المخاطر التي تحدق بالاقتصاد التشيكي خلال العام الحالي. ويشير إلى المثل الشائع بين خبراء الاقتصاد في البلاد والذي يقول “إذا عطست ألمانيا فإن التشيك تصاب بنزلة برد”.

10