التصالح مع الموت

السبت 2017/10/28

في سن صغيرة، ربما في السنة الأخيرة من المدرسة الابتدائية، غابت زميلتي عن المدرسة يومين متتاليين وكانت هذه مفاجأة كبيرة للجميع؛ إذ أنها لم تفعلها من قبل فقد كانت تلميذة ملتزمة ومجدة ونادراً ما تتغيب حتى في أشد حالات مرضها. عندما حضرت في اليوم الثالث، كانت ملامحها غائمة وعيناها متورمتين وفيهما أثر واضح لساعات طويلة من البكاء، وكانت هذه مفاجأة ثانية، فلماذا يا ترى تقبع في المنزل ثم تعود بكل هذا الحزن والذبول؟

حاولت المعلمة معرفة سبب الغياب والحزن لكن الفتاة اكتفت بالصمت. في اليوم التالي، وبعد أن هدأت أحزانها، همست الفتاة إلى صديقتها، أثناء فرصة الاستراحة بين الدرس الثاني والثالث، بأنها لن تتابع مجدداً أي مسلسل كارتون على التلفزيون وبأن ما حدث لبطلة المسلسل الأخير الذي تابعته كان فوق طاقتها على التصديق، فقد ماتت من دون أن تعثر على أمها! كانت هذه القصة الغريبة تسليتنا المفضلة لبقية العام الدراسي، تبادلنا عنها الطرف والضحكات المبتورة، خوفاً من أن تسمعنا صاحبة القصة وينزف جرحها النفسي مجدداً.

بعد مرور أيام قصيرة عادت زميلتنا إلى مرحها وابتسامتها ولا أعرف كيف كانت تقضي أوقات فراغها بعد ذلك، ومدى التزامها بالوعد الذي قطعته على نفسها من يدري، ربما عادت إلى شغفها بأفلام الكارتون وشيعت العديد من بطلات وأبطال القصص إلى مثواهم الأخير، وهذا قد يعني بأنها تصالحت مع الموت ولو إلى حين!

التصالح مع الموت؛ هذه النتيجة خرج بها علماء نفس أميركيون مؤخراً، بعد أن رصدوا نهايات بعض أبطال قصص أفلام الرسوم المتحركة التي تنتجها شركة “ديزني”، والتي تكون بموت الشخصيات الكارتونية في مشاهد مهيبة ومحفزة لدموع الصغار الذين يقبعون بقهر ويأس خلف الشاشة الفضية.

ويرى علماء النفس أن هذه القصص قد تكون مناسبة جيدة للوالدين لمناقشة قضايا محرمة مثل الموت، مع صغارهم لجعلهم يتقبلونها كحقيقة ولكن بأسلوب مخفف، في حين أن فكرة تأجيل الحديث مع الأطفال عن هذه الحقيقة المهمة لا يبدو أسلوباً ناجحاً، لأنهم قد يتعرضون لصدمة كبيرة إذا ما واجهوا موت أحد الأشخاص المقربين منهم في الواقع وهو أمر وارد حدوثه.

موضوع الموت فكرة مكررة يستخدمها منتجو أفلام الرسوم المتحركة بكثرة، وهي فرصة جيدة لمناقشة قضايا نهاية العمر وملابساتها مع الصغار ومن شأن هذا أن يعزز تجربتهم في الحياة ويجعل منهم أشخاصاً بالغين بشخصية قوية، حيث أن الاستجابة العاطفية لأحداث موت شخصيات كارتونية يمكن أن تكون مفيدة للأطفال والكبار على حد سواء، من خلال مراقبة سلوك الشخصيات الكارتونية وطبيعة ردود أفعالها على حوادث الموت، سواء أكانت خاصة بالمقربين أو الأعداء، أسبابها، ملابساتها وطريقة تمثيلها وعرضها في تفاصيل الفيلم وما إذا كانت المشاهد مباشرة أو عن طرق الإيحاء.

أفلام الكارتون هي فرصة لمناقشة المعتقدات وقضايا الموت مع الصغار بطريقة سلسة، ولأننا لا نستطيع أن نناقش هذه المواضيع الصعبة مع طفل عمره 3 سنوات مثلا، فإن طريقة طرحها البسيط ضمن شخصيات أفلام الكارتون التي يتعلق بها الأطفال ويثقون فيها، قد تسهل من طريقة تقبل أفعالهم وتصديق الأحداث والظروف التي يمرون بها على أنها وقائع وبالتالي، يمكن أن تسري مفاهيمها على الحياة الواقعية للطفل.

كاتبة عراقية

21