التصاميم "الصديقة للمصابين بالزهايمر" تخفف المعاناة من أمراض الشيخوخة

المدن والمنازل يجب أن تكون أكثر مراعاة لاحتياجات المسنين.
الأحد 2021/06/13
تجب مراعاة الحاجات البدنية والنفسية والاجتماعية للمرضى

لم يتوصل الطب حتى الآن إلى علاجات فعالة تساعد على الوقاية من تلف الخلايا العصبية الذي يتسبب في مرض الزهايمر وخرف الشيخوخة، لكن من المؤكد أن تصميم بيئات سكنية صحية للمصابين بأمراض الشيخوخة سيساهم في تخفيف وطأة معاناتهم ويحسن بشكل كبير في جودة حياتهم.

يتزايد عدد كبار السن الذين يواجهون صعوبات في الحركة ومشاكل في الذاكرة والإدراك، وهذا ما دفع عددا من المصممين والخبراء إلى إعادة النظر في السياسات الحضرية للمدن وتصميمات المنازل ودور الرعاية، لتكون أكثر قدرة على تلبية احتياجات المسنين والمصابين بالزهايمر والخرف، لتخفيف وطأة معاناتهم وتذليل الصعوبات في حياتهم.

ومع ارتفاع تكاليف الصحة والرعاية الاجتماعية ونقص مقدمي الرعاية المحترفين تحاول المدن والبلدان في أنحاء العالم تجنب النهج القائم على العلاج الدوائي في ما يتعلق برعاية المصابين بأنواع مختلفة من الخرف، لصالح نهج آخر يعتمد بشكل كبير على تكيف هياكل المدن والمنازل والمؤسسات وخدماتها ليسهل على جميع المسنين ومرضى الخرف تلبية مختلف احتياجاتهم.

ويتنافس اليوم مهندسون وخبراء تصميم لابتكار معدات وتصاميم جديدة تكون قادرة على الاستجابة لمتطلباتهم المتنوعة، مثل الممرات الآمنة ووسائل النقل والخدمات الأساسية، بالإضافة إلى التصاميم الداخلية للمنازل ودور الرعاية الصحية، التي يمكن أن تساعد في خلق أجواء مريحة ومبهجة لهم وتعزز إحساسهم بالاتجاه والإرشادات البصرية.

تغييرات صحية

تحسين البيئة المادية والاجتماعية والابتكارات التكنولوجية ضروري، لتوفير ما يحتاجه مرضى الخرف من خدمات وحقوق ورعاية جسدية ونفسية

مع مواجهة بلدان العالم مشكلة الارتفاع المطرد في أعداد كبار السن، من المتوقع أيضا أن يزداد عدد المصابين بالخَرَف بسرعة، ليصل إلى 152 مليونا بحلول عام 2050، وهو ما يجعل تحسين البيئة المادية والاجتماعية والبنى التحتية والابتكارات التكنولوجية ضروري، لتوفير ما تحتاجه هذه الفئة من حقوق ورعاية صحية بمختلف أبعادها الفسيولوجية والنفسية.

ووفقا لبعض الخبراء فإن مستقبل المجتمعات في جميع أنحاء العالم ستحدده الجهود الحالية المبذولة لتحقيق نوعية عالية من الحياة الكريمة لكبار السن، والقدرة على العيش في المنزل والمجتمع بأمان وبشكل مستقل بغض النظر عن العمر أو الدخل.

وأشارت المنظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر يتضاعف كل 5 سنوات بعد سن 65 عاما. ومن المحتمل أن يصل بحلول عام 2060 إلى ثلاثة أضعاف العدد الحالي تقريبا.

وأظهرت بعض الدراسات أنَّ انتشار الخرف في العالم العربي يتراوح ما بين 1.1 في المئة حتى 2.3 في المئة بين الأفراد الذين أعمارهم 50 عاما أو أكثر، وأيضا ما بين 13.5 في المئة إلى 18.5 في المئة في الأفراد الذين أعمارهم 80 عاما أو أكثر، وعلى الرغم من أنَّ جميع هذه الإحصاءات لا تختلف كثيرا عن باقي دول العالم، إلا أنَّ الانتشار لهذه الأمراض في الدول العربية يعتمد بشكل كبير على السمات الاجتماعية السكانية.

ويؤدي الخرف إلى مجموعة من الأعراض المؤثرة في الذاكرة، والتفكير، والقدرات الاجتماعية ما يجعل البيئة المكانية تبدو غير معروفة للمريض أو معقدة التهيئة، وقد لا يستوعب معنى الإيحاءات التي تشير إلى أماكن الأشياء ولا يستجيب لها.

ولذلك سواء كان المريض يعيش في منزل أو في دور الرعاية، فمن المهم أن تكون بيئته مكانا يشعر فيه بالراحة، وتراعي حاجاته البدنية والنفسية والاجتماعية، وتحد من الصعوبات التي تواجھه، وبالتالي تساعده على التكيف والتواصل الاجتماعي وتحد من عزلته.

ويكون مرضى الخرفِ عموما أكثر ميلا لإساءة تفسير ما يرونه، لذلك فهم بحاجة إلى إضاءة ساطعة نسبيا، كما قد يكون من المفيد أيضا ترك إضاءة ليلية أو تركيب مصابيح ذات استشعار للحركة؛ ويُمكن أن تُساهم هذه التغييرات في الوِقاية من حوادث السقوط، وتساعدهم على القيام بوظائفهم بشكل أفضل.

ويوصي الخبراء باعتماد الضوء الطبيعي لإضاءة الغرفة أثناء النهار، نظرا لأن البيئات الطبيعية المشرقة لها العديد من التأثيرات الإيجابية على الحالات الفسيولوجية للمرضى، وقد يساعد ضبط الإضاءة أيضا بشكل يتناسب مع حالة المرضى في تجنب “متلازمة غروب الشمس”، وهي حالة الارتباك الشائعة لدى كبار السن، وتنجر عنها زيادة في أعراض الهذيان وفرط النشاط وربما الهلاوس والضلالات والأعراض السلوكية غير المعتادة (مثل السب والعنف الجسدي وضلال الطريق) وهي أكثر شيوعا عند مرض الزهايمر، وتشير الدراسات إلى أن ما بين 20 إلى 45 في المئة من المصابين بمرض الزهايمر يعانون من متلازمة الغروب الناتجة عن تلاشي الضوء الطبيعي للنهار ودخول الليل وزيادة الظلام.

وبشكل عام، يجب أن تكون البيئة السكنية لمرضى الخرف آمنة وتبعث على البهجة، فعلى سبيل المثال، بدلا من وضعهم في دور الرعاية، اتخذت بعض الدول نهجا أكثر ابتكارا، حيث أنشأت فرنسا قرية خاصة بمرضى الزهايمر البالغ عددهم 105 والذين يعانون من المرض في مراحله المختلفة.

واستوحت الفكرة من مشروع مشابه في هولندا، وهدفه إتاحة الفرصة لمن يعانون من الزهايمر لعيش حياة طبيعية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

روتين مألوف للمرضى

Thumbnail

أما الشكل الهندسي للقرية فهو لا يختلف كثيرا عن القرى الفرنسية التي تعود إلى القرون الوسطى، فهي متكونة من ساحة تحيط بها أقواس، وعلى جوانبها تصطفّ بيوتٌ صغيرة، إضافة إلى حديقة بمساحة هكتارات ستضم بين جوانبها مستقبلا مكانا لزراعة الخضروات وآخر لاستضافة الحيوانات الأليفة.

وتحتوي القرية الفرنسية على دور رعاية خاصة بالمسنين ومحل بقالة وصالون لتصفيف الشعر وقاعة شاي ومكتبة وغرفة موسيقى.

ويتمتع سكان هذه القرية بقدر ما تسمح به ظروفهم الصحية بحرية التنقل في قريتهم، ويحق لهم الحصول على الكثير من وسائل الترفيه، كما يتم تشجيعهم أيضا على المشاركة في الأنشطة اليومية التي تشمل التسوق والطهي والالتحاق بمواعيد تصفيف الشعر، نظرا لأن التمسك بروتين مألوف للمرضى من شأنه أن يمنع تطور المرض إلى الأسوأ.

ويُراد لهذا المشروع أن يكون لقاطنيه بمثابة فضاء للحرية مع الحفاظ على شروط الأمن بشكل يكفل لمرضى الزهايمر حرية الحركة في المكان مع تجنّب كل ما من شأنه أن يهدد سلامتهم.

45

في المئة من المصابين بالزهايمر يعانون من متلازمة الغروب الناتجة عن تلاشي الضوء الطبيعي للنهار ودخول الليل

وقالت مادلين إليسالدي (82 عاما) وهي من أوائل سكان القرية لوكالة رويترز “الأمر يشبه الوجود في المنزل، نحن نعامل بشكل جيد”.

ولا تعد القرية الفرنسية الأولى من نوعها، فقد تم تصميم مدينة صديقة للمصابين بالخرف في جنوب ولاية كاليفورنيا تتميز بطابعها المعماري الذي يعود إلى خمسينات القرن الماضي، بهدف مساعدة هؤلاء المرضى على استرجاع ذكريات شبابهم.

وتمثل هذه المدينة التي أطلق عليها اسم “ساحة مدينة جلينر” والموجودة تحديدا بسان دييغو، بمثابة البوابة التي يطل منها زوارها على تفاصيل حقبة الخمسينات، وتشتمل هذه المدينة على أكثر من خمس وعشرين منشأة لمرضى الزهايمر.

ويوجد بالمدينة مسرح وسينما لتقديم عروض وأفلام يعود تاريخها إلى الزمن الماضي وتحديدا من الخمسينات، أما المتاجر والمطاعم فتقدم للمرضى خدمات وسلعا بسيطة ودمى طبية خاصة، من أجل مساعدة مرضى الزهايمر على استرجاع ماضيهم وشبابهم والتخلص من عزلتهم والتواصل مع بعضهم البعض.

وأشار مهندسو المدينة إلى أنها ليست مدينة صناعية بل هي مدينة حقيقية باستطاعة المرضى التجول فيها وزيارة منشآتها وارتياد متاجرها والحصول كل الضروريات بالنسبة إليهم.

وفي عام 2009، أنشأت هولندا مدينة “هوغيوي” لمرضى الزهايمر التي بلغت تكلفتها 3.19 مليون يورو، إلا أن تاريخ المبادرة الأولى لبعث مثل هذا النوع من المدن يعود إلى عام 1993 عندما قرر عدد من الممرضين الذين توفي بعض أفراد عائلاتهم بسبب هذا المرض تأسيس منازل رعاية تفاعلية، مختلفة عن أساليب المستشفيات وتقوم بالأساس على تبادل الأفكار بين المريض والمسؤولين عن رعايته.

21