التصحر والاحتباس من المخاطر التي تهدد العالم أكثر مما تهدده الحروب

ما هي التنمية المستدامة؟ ما هي أسسها؟ وما هي أهم مؤشراتها؟ وما إمكانية تحقيقها؟ بهذه الأسئلة بدأ حسن أحمد شحاتة أستاذ الكيمياء الفيزيائية واستشاري البيئة في كلية العلوم بجامعة الأزهر، ومحمد حسان عوض أستاذ الجيولوجيا ونائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث سابقًا بجامعة الأزهر، بحثهما في السياقات الجديدة للمنظومة البيئية العالمية التي أًصبحت هاجسا يؤرق الإنسان والحكومات والدول والمفكرين اليوم.
الاثنين 2016/08/01
بيئة الإنسان تحترق

أكد الباحثان أن “الإنسان مرهون ببيئته بل ومرتبط بها ارتباطا وثيقا، ولو اختل هذا الرباط اختلت موازين البشر واعتلت صحتهم وانتابتهم الأسقام والأوجاع والأمراض المزمنة. لهذا، فإن حفاظه على البيئة فيه حفاظ له وللأجيال من بعده بما يحمله من موروث جيني ورّث له من أسلافه وتوارثت معه الأحياء مورثاتها منذ ملايين السنين، وحافظت لنا البيئة على هذه المورثات، حملتها أجيال تعاقبت وراءها أجيال حتى آلت إليه”. جاء ذلك في كتابهما المشترك “البييئة والتنمية المستدامة”.

تغيرات مناخية

عالج العالمان المصريان القضايا التي تشكل تهديدا للبيئة والمناخ مثل قضايا التدهور البيئي والتصحر، والفقر وعدم المساواة الاقتصادية، والدفء الكوني والانفجار السكاني وتزايد معدلات انقراض الكائنات الحية بشكل مخيف، والأمطار الحمضية واستنفاد طبقة الأوزون وتلوث الماء والهواء.

ولفتا إلى أن تقلبات المناخ كانت في الماضي تعزى أساسا إلى الطبيعة وصارت اليوم تعزى أيضا إلى الأنسان، غير أن العامل البشري قد أضيف إلى المعادلة المناخية؛ إذ أن إطلاق البعض من الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الجو أدى إلى تغير كبير في تركّز هذه الغازات، مقارنة بما كانت عليه قبل التقدم الصناعي. وعلى سبيل المثال، فإن نسبة تركّز ثاني أكسيد الكربون في الجو قد ازدادت حتى وصلت تقريبا إلى 31 بالمئة، فبلغ 868 جزءا في المليون، كما ازداد تركّز غازي الميثان وأحادي أكسيد النتروجين بنسبة 145 و15 بالمئة على الترتيب.

وقالا إن ظاهرة الاحتباس الحراري الطبيعية موجودة منذ ملايين السنين، إلا أن تزايد غازات الاحتباس الحراري في الجو نتيجة للأنشطة البشرية ينذر بحدوث تغير مناخي خطر، والتغيرات التي حدثت في طرق استخدام الأرض، وإحراق الوقود الأحفوري مؤخرا أدت إلى إضافة أكثر من 180 بليون طن من ثاني أكسيد الكربون في الجو. والجدير بالذكر أن التغيرات المناخية المتوقعة من الممكن أن تغير مناطق التبريد الجارية وتنقلها إلى جهات أخرى من الأرض عن طريق تغير أنماط الرياح.

التصحر آفة العرب والعالم

كشف الباحثان أحمد شحاتة ومحمد حسان عوض أن مجموع المساحات المتصحرة في العالم بلغ حوالي 46 مليون كيلومتر مربع يخص الوطن العربي منها حوالي 13 مليون كيلومتر مربع، أي حوالي 28 بالمئة من جملة المناطق المتصحرة في العالم. وقالا في تعريف التصحر إنه “تناقص في قدرة الإنتاج البيولوجي للأرض أو تدهور خصوبة الأراضي المنتجة بالمعدل الذي يكسبها ظروفا تشبه الأحوال المناخية الصحراوية، لذلك فإن التصحر يؤدي إلى انخفاض إنتاج الحياة النباتية”.

تغيرات جذرية في المناخ تمس الإنسان

وأضاف المؤلفان أن التصحر هو تعرض الأرض للتدهور في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة، مما يؤدي إلى فقدان الحياة النباتية والتنوع الحيوي بها، ويؤدي ذلك بدوره إلى فقدان التربة الفوقية، ثم فقدان قدرة الأرض على الإنتاج الزراعي ودعم الحياة الحيوانية والبشرية.

ويؤثر التصحر تأثيرا مفجعا على الحالة الاقتصادية للبلاد، حيث يؤدي إلى خسارة تصل إلى 40 بليون دولار سنويا في المحاصيل الزراعية وزيادة أسعارها. ففي كل سنة يفقد العالم حوالي 691 كيلو متر مربع من الأراضي الزراعية نتيجة لعملية التصحر، بينما حوالي ثلث أراضي الكرة الأرضية معرض للتصحر بصفة عامة. ويؤثر التصحر على القارة الأفريقية بشكل خاص، حيث تمتد الصحاري على طول شمال أفريقيا تقريبا.

كما أنها أصبحت تمتد جنوبا، حيث أنها اقتربت من خط الاستواء بمقدار 60 كم عمّا كانت عليه قبل 50 سنة، وفي أكثر من 100 بلد من بلاد العالم يتأثر ما يقارب البليون نسمة من إجمالي سكان العالم البالغ عددهم 6 بلايين نسمة بعملية تصحر أراضيهم مما يرغمهم على ترك مزارعهم والهجرة إلى المدن من أجل كسب العيش.
ويخلق التصحر جوا ملائما لتكثيف حرائق الغابات وإثارة الرياح، مما يزيد من الضغوط الواقعة على أكثر موارد الأرض أهمية ألا وهو الماء. وحسب تقرير الصندوق العالمي للطبيعة فقدت الأرض حوالي 30 بالمئة من مواردها الطبيعية ما بين سنتي 1970 و1995، حيث تثير الرياح الأتربة في الصحاري والأراضي الجافة وتدفعها حتى تصل إلى الكثير من مدن العالم، وتصل الأتربة من صحارى أفريقيا إلى أوروبا من خلال رياح الباسات حتى أنها تصل إلى أراضي الولايات المتحدة الأميركية، ويتم استنشاق تلك الأتربة التي قد ثبت أنها تزيد من معدلات المرض والوفاة.

وحول حجم مشكلة التصحر في العالم نبها إلى أن ظاهرة التصحر تؤثر على 80 بالمئة من مراعي العالم الطبيعية في الأراضي القاحلة، وعلى 60 بالمئة من أراضي الزراعة البعلية، بالإضافة إلى 30 بالمئة من الأراضي المروية. ولقد تعرض البعض من المناطق للتصحر؛ إذ فقدت أكثر من 25 بالمئة من إنتاجيتها وتحتاج إلى استصلاح هائل، كما أن هناك أراضي مهددة بالتصحر جراء النشاطات البشرية غير المرشدة. وتعتبر المنطقة العربية من أكثر المناطق التي تعرضت للتصحر؛ إذ أن 85 بالمئة من مساحة البلاد العربية تقريبا الواقعة في آسيا قد تضررت من التصحر، إضافة إلى البعض من البلدان العربية في الشمال الأفريقي.

وأوضحا أن وسائل مكافحة التصحر متعددة، ورصدا منها التوعية البيئية بشتى الوسائل لتوضيح أهمية المحافظة على البيئة وتنظيم عمليات الرعي للحد من عمليات الرعي الجائر الذي يسهم في القضاء على الغطاء النباتي وإيقاف زحف الرمال بتثبيتها بالطرق المختلفة كزراعتها أو رشها أو وضع مصدات للرياح التي تعمل على إعاقة حركة الرمال وترشيد استهلاك المياه الجوفية في الزراعة وأيضا ترشيد عملية الاحتطاب، ووضع طرق للوقاية من حرائق الغابات وسن وتطبيق القوانين الرادعة، لتحد من تصرفات البشر الضارة بمكونات البيئة.

العاملان البشري والصناعي سرعا في وتيرة الاحتباس الحراري

حماية المناخ

تساءل الباحثان عن ردة الفعل التي يمكن القيام بها حيال التغير المناخي؟ وأجابا بأن حماية الغلاف الجوي هي مسعى واسع النطاق ومتعدد الأبعاد يشمل قطاعات مختلفة من الأنشطة الاقتصادية، وعليه فإن الاحتياجات المستقبلية من الطاقة والطعام والمياه لا بد أن تتم من دون أن يؤثر ذلك في المناخ، وهذا يعني أن على البشرية أن تتبنى استراتيجيات من شأنها أن تلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية من الطاقة والطعام دون أن يتسبب ذلك في زيادة مستمرة في غازات الاحتباس الحراري في الجو.

ومثل هذه الاستراتيجيات يمكن أن تشتمل على نشر السلوكيات الاجتماعية والاقتصادية التي تحافظ على البيئة، وتنفيذ الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى التقليل من الانبعاث الغازي للمحافظة على توازن الغلاف الغازي، مثل بروتوكول كيوتو الملحق، واتفاقية الأمم المتحدة حول التنوع الإحيائي، واتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمحاربة التصحر، والاتفاقيات الخاصة بحماية طبقة الأوزون.

وأوضح الباحثان في كتابهما “البيئة والتنمية المستدامة” أن التنبؤات المستقبلية للمناخ تستند إلى نماذج مناخية حسابية تتضمن تمثيلا للغلاف الجوي والمحيطات والغلاف الجليدي والسطوح الأرضية، والتأثيرات في ما بينها، وهي مبنية على القوانين الفيزيائية التي تصف حركة الغلاف الجوي والمحيطات، وتتضمن تمثيلا للسحب ومحيطات الكرة الأرضية كاملة.

وتتولى منظمة الأرصاد الجوية العالمية باستمرار تقييم صلاحية هذه النماذج للتأكد من مدى قدرتها على التنبؤ بالتغير المناخي الذي يمكن أن تحدثه الأنشطة البشرية. ويتم تشغيل هذه النماذج في الحاسب الآلي لتغطي فترات طويلة ممتدة في المستقبل بمعزل عن أي تغير في المؤثرات الخارجية، مثل الزيادات في تركّز غازات الاحتباس الحراري. وفي هذه المرحلة يمكن مقارنة النتائج التي يتوصل إليها النموذج بالتسجيلات الفعلية للمناخ الحالي، ومن ثمّ تشغيل هذه النماذج مع إضافة التغيرات المتوقعة إلى المؤثرات الخارجية. وهكذا، فإن الفرق بين المناخين يوفر لنا تقديرا للتغيرات المناخية التي ستسببها هذه العوامل الخارجية.

وأورد المؤلفان أن التنبؤات المناخية تؤكد أن متوسط درجات حرارة الكرة الأرضية سوف يرتفع ما بين درجة واحدة و35 درجة سيلزية في نهاية القرن الحادي والعشرين. كما تظهر هذه التنبؤات أن ارتفاع مستوى سطح البحر الذي سيصاحب ارتفاع درجة الحرارة المتوقعة سوف يتراوح بين 15 و95 سنتيمترا، وسوف تستمر الحرارة ومستوى سطح البحر في الارتفاع بعد ذلك نتيجة للأنشطة البشرية المتنامية. وتشير تقديرات التغيرات المناخية إلى أن الخسائر التي سوف تنجم عن تسخين الكرة الأرضية بمقدار 2.5 درجة سيلزية، سوف تتراوح ما بين واحد و 1.5 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي سنويا في الدول المتقدمة، وما بين 2 و9 بالمئة في الدول النامية.

كاتب من مصر

6