التصحر يزحف على "رئة الأرض" ويهدد بانهيار الحضارات

التصحر يهدد بفقدان الحياة النباتية والتنوع الحيوي وقد يقود إلى مجاعات وحروب، وأجزاء كثيرة من المجال الطبيعي على وشك الفناء بسبب استهتار البشر بالبيئة.
الاثنين 2019/04/15
الحروب لم ترحم البشر ولا الطبيعة في العراق

يعد التصحر وإزالة الغابات نتيجة مباشرة للأنشطة البشرية العشوائية والمكثفة وتدخل الإنسان في المجال مما انعكس سلبا على تغيرات المناخ، وهي تهديدات بيئية لا يمكن التغاضي عنها، وفق ما يحذر الكثير من الخبراء، بمن فيهم السير ديفيد أتينبورو، المذيع التلفزيوني والكاتب في المجال البيئي، وأيضا المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، حيث يؤكدان أن التهديدات التي يتسبب فيها البشر للحياة على سطح الأرض، لن تؤثر فقط على مصادر رزق الملايين من البشر، بل إنها من غير المستبعد أن تؤدي إلى انهيار الحضارات وفناء أجزاء كثيرة من المجال الطبيعي على سطح المعمورة.

تهدد مشكلة إزالة الغابات والتصحر المتسارع، الذي طال العديد من الدول في العقود الأخيرة، بعواقب وخيمة قد تصل بالبعض منها إلى حد العجز عن سد الحاجة الفعلية من الغذاء لمعظم سكان العالم الفقراء، الذين يعانون في الأصل من الجوع والحرمان، في وقت لا تحظى الكثير من المبادرات الهامة بالاهتمام اللازم.

وثمة طرق عديدة لمواجهة التصحر، مثل زراعة الأشجار، وهي طريقة فعالة للحد من مستويات الكربون في الغلاف الجوي، كما من شأنها أيضا أن تحمي التربة والمحاصيل والحيوانات من أشعة الشمس والرياح، فغالبا ما تكون المساحات الخضراء غنية بالتنوع البيولوجي، إذ تشكل أوراق الأشجار وثمارها مصدر غذاء للناس وعلفا للحيوانات، وتستخدم أخشابها للطهي والتدفئة، كما تمثل كذلك مصدر دخل للأسر الفقيرة.

لكن معظم الحكومات لا تتخذ الخطوات اللازمة للحد من مشاكل التصحر، إذ واجه مشروع “السور الأخضر العظيم” المدعوم من قبل الاتحاد الأفريقي عقبات بالجملة وقفت في طريق تنفيذه، رغم ما رافق ذلك من تصميمات استراتيجية وبحوث ميدانية من أجل جمع التمويل اللازم لهذه المبادرة الهادفة إلى وقف زحف الصحراء على القارة الأفريقية. وأصبحت أغلب التربة في أفريقيا تفتقر إلى الخصوبة المطلوبة، فعلى مدار ملايين السنين تصحّرت الطبقات الأكثر خصوبة وتعرّت الأرض. وفي مناطق أفريقيا جنوب الصحراء، أسهمت زراعات الذرة على نطاق واسع في إضعاف التربة أكثر.

تداعيات الحروب

يهدد التصحر بفقدان الحياة النباتية والتنوع الحيوي، وقد يقود إلى مجاعات وحروب طاحنة، وفق ما يشير الكثير من الباحثين بمن فيهم السير ديفيد أتينبورو، المذيع التلفزيوني والكاتب البريطاني في المجال البيئي والمؤرخ أرنولد توينبي، وهما لا يستبعدان الفكرة الأكثر تشاؤما ألا وهي انهيار البعض من الحضارات في المستقبل، بسبب القطع الجائر للأشجار وتلوث المياه وتدهور التربة وفقدان التنوع الحيوي والتهديدات الكثيرة التي يتسبب فيها البشر للحياة على سطح الأرض.

ويؤكد المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، في كتابه “دراسة التاريخ” الذي يستكشف فيه عوامل نهوض 28 حضارة وانهيارها، أن الحضارات العظيمة تحمل في طياتها أسباب زوالها.

ويبدو محقا إلى حد ما، فالعوامل البيئية والمناخية يمكن أن تساهم فرادى أو مجتمعة في انهيار الحضارات وزوالها، عندما تعجز المجتمعات عن مواجهة الضغوط المتزايدة، ولا تبحث عن حلول لمجابهة مشاكل تداعيات المناخ والتدهور البيئي.

ديارميد كامبل لندروم: استنشاق الناس للهواء الصحراوي الملوث جراء العاصفة الترابية يتسبب في إصابتهم بأمراض القلب والجهاز التنفسي
ديارميد كامبل لندروم: استنشاق الناس للهواء الصحراوي الملوث جراء العاصفة الترابية يتسبب في إصابتهم بأمراض القلب والجهاز التنفسي

وقد لوحظ انهيار العديد من الحضارات في الماضي بسبب تغيرات مناخية مفاجئة ومن هذه الحضارات: أناسازي وتيواناكو، والإمبراطورية الأكدية وحضارة المايا والإمبراطورية الرومانية.

ويتعرض حوالي 4 بالمئة من الأراضي المزروعة بالمحاصيل في العالم إلى الجفاف في أي سنة من السنوات. لكن بحلول نهاية القرن الحالي يتوقع أن تصل النسبة إلى 18 بالمئة سنويا .

وتشير البيانات الصادرة عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في البلدان التي تعاني من الجفاف الشديد أو التصحر، إلى أن هذه الظاهرة تفاقمت بشكل كبير، حيث طال التصحر اليوم 168 دولة، في حين كانت في التسعينات 110 دولة فقط، بينما يقدر عدد الأشخاص الذين يعانون من العواقب بشكل مباشر، بنحو 850 مليون شخص.

وتعتبر الدول العربية من أكثر المناطق تأثرا بظاهرة التصحر، بحكم موقعها الجغرافي وأنظمتها البيئية الهشة، التي يلعب المناخ دورا هاما في تركيبتها، بالإضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وكذلك الإفراط في النشاط الرعوي الجائر وأساليب الري الخاطئة.

ويجتاح التصحر إلى نحو 13 مليون كيلومتر مربع في العالم العربي (28 بالمئة من جملة المناطق المتصحرة في العالم)، وقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة القيمة الإنتاجية المفقودة سنويا في الدول النامية بسبب التصحر بنحو 16 مليار دولار.

ويعيش قرابة ملياري شخص في المناطق الجافة، 90 بالمئة منهم في الدول النامية. وأظهرت دراسات حديثة الحاجة لاستصلاح هذه الأراضي لمواجهة آثار الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي.

وتوقع تقرير أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن ينخفض مستوى وفرة المياه في الأراضي الجافة نتيجة لتغيّر المناخ وسوء استخدام الأراضي، وسيكون الفقراء الذين يعيشون في المناطق الريفية النائية أكثر عرضة لنقص الغذاء، الذي يقود جنبا إلى جنب مع العنف والاضطراب الاجتماعي، إلى الهجرة القسرية من المناطق الجافة في أفريقيا وغرب آسيا.

وبالرغم من أن التصحر يرتبط بشكل مباشر بالقارة الأفريقية، إلا أن بقية دول العالم لن تكون بمعزل عن مثل هذه التهديدات وعواقبها. ويقول علماء المناخ، إن الإنتاج الزراعي سوف يتدهور في آسيا بينما ستعاني أستراليا من نقص في المياه. وأشار خبراء تابعون للأمم المتحدة إلى أن منطقة الشرق الأوسط قد أصبحت المنطقة الأكثر تأثرا بالزيادة الكبيرة في العواصف الترابية التي يشهدها العالم، وأن لذلك تأثيرا سلبيا كبيرا على صحة سكان المنطقة.

العواصف الترابية

يرجّح العلماء أن البلدين الأكثر تضررا في المنطقة هما إيران والكويت، وذلك نتيجة الأتربة والرمال القادمة من سوريا والعراق، مضيفين أن سوء استغلال التربة والمياه نتيجة الحروب التي تشهدها المنطقة، يعد أيضا عاملا مهما في التسبب بظاهرة التصحر وزيادة العواصف الترابية، إضافة إلى التغير المناخي بشكل عام.

ويقول علماء الظواهر الجوية إن مناطق لم تألف العواصف الترابية بدأت تشهدها مثل بعض أجزاء آسيا الوسطى.

وأكد إنريك تيراديلاس، أحد علماء مركز التنبؤ بالعواصف الترابية التابع لمنظمة الأنواء الجوية العالمية، أن “منطقة الشرق الأوسط شهدت زيادة كبيرة في عدد العواصف الترابية في السنوات الـ15 الأخيرة، والعراق أحد أهم مصادر هذه العواصف نتيجة انحسار مستويات الأنهار بسبب السباق المحتدم على بناء السدود في بلدان المنابع”.

وفيما كانت الصحاري دوما مصدرا مهما للعواصف الترابية في المنطقة، يقول علماء إن نشاطات التعدين غير المستدامة واستخراج النفط والنشاط الزراعي والحروب المستمرة تزيد الوضع سوءا.

وتنبأ برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة بأن يشهد العراق 300 عاصفة ترابية سنويا في غضون 10 سنوات، بينما يشهد اليوم نحو 120 عاصفة سنويا.

وأشار مسؤولون في وزارة الصحة الإيرانية إلى 14 من محافظات بلادهم قد تأثرت بالعواصف الترابية بما في ذلك العاصمة طهران.

التصحر أكبر تحد بيئي في العصر الحالي
التصحر أكبر تحد بيئي في العصر الحالي

وبدوره أكد ألكساندر باكلانوف، الخبير في قضايا التصحر والعواصف الترابية لدى منظمة الأنواء الجوية العالمية، أن بحر آرال آيل للجفاف، ومشكلة التصحر والعواصف الترابية في ازدياد في كل من كازاخستان ومنغوليا على سبيل المثال.

وتصل الأتربة التي تنقلها الرياح من منغوليا وصحراء جوبي إلى الصين وشبه الجزيرة الكورية واليابان وتثير مخاوف صحية كبيرة. كما تنقل العواصف الترابية القادمة من الصحراء الأفريقية الكبرى جراثيم مرض التهاب السحايا الدماغية القاتل إلى دول وسط أفريقيا.

وأشار ديارميد كامبل لندروم، الخبير في العلاقة بين الصحة والتغير المناخي لدى منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، إلى أن العاصفة الترابية تتكون من كميات هائلة من الجزيئات، وعندما يستنشق الناس هذا الهواء الملوث تصل هذه الجزيئات إلى رئاتهم مما يتسبب في إصابتهم بأمراض القلب والجهاز التنفسي.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن العواصف الترابية تسهم في تلويث الهواء الذي يتسبب في موت 7 ملايين شخص سنويا على مستوى العالم.

مكافحة التصحر بزرع الأشجار

وصف تقرير سابق للأمم المتحدة التصحر بأنه “أكبر تحد بيئي” في العصر الحالي محذرا من أن الملايين من الأشخاص سيواجهون خطر التشرد والنزوح خلال السنوات القادمة.

وذكر التقرير أن السكان الذين يضطرهم التصحر إلى الهجرة يشكلون عبئا جديدا على الموارد الطبيعية وعلى المجتمعات التي ينزحون إليها، مما يشكل تهديدا للأمن والاستقرار الدولي. وشجع التقرير على بعض الممارسات التي من شأنها التصدي لظاهرة التصحر، مثل زارعة الأشجار في المناطق الجافة، لما لهذا الإجراء من دور فعال في إزالة الكربون من الجو والتخفيف من حدة التصحر.

ويمكن أن تساهم زراعة الأشجار إسهاما حيويا في معالجة آثار تغير المناخ عن طريق امتصاص غازات الدفيئة، وخلق بيئة أكثر قدرة على التكيّف من خلال تنظيم تدفقات المياه، وتحسين التربة، وصيانتها من أجل الزراعة، وحماية المجتمعات الساحلية من الظواهر المناخية المتطرفة، وارتفاع منسوب مياه البحر، وطرق الهجرة لأنواع الطيور والحيوانات.

12