"التصديف" في مصر خلطة من الذوق الفني والصبر الطويل

ظلت الزخرفة عبر “التصديف” على الخشب، ملازمة لبيوت المصريين، في العصرين الفاطمي والمملوكي، كإحدى وسائل تجميل الأثاث المصنوع من “الأرابيسك”، وكانت ضيفاً على زخرفات منابر المساجد التاريخية والقِبلة، واليوم تواجه خطر الاندثار، بسبب ارتفاع سعر الدولار ومنافسة الصين وغياب السائحين، وإهمال الحكومة.
الخميس 2016/10/27
أنامل الفنان تواكب مراحل اللوحة الصدفية

القاهرة – لا يعتبر صُنّاع المنتجات الصدفية بمصر أنفسهم من أصحاب الحرف، بل ينظرون لمهنتهم على أنها فن خالص، يحتاج إلى أنامل ذهبية، فنظم القطع الصغيرة مختلفة الألوان من الصدف في أشكال فنية، يعد أكثر تعقيدا في عُرفهم، من فرشاة في يد رسام، يحوّل بها قطعة ورق صماء، إلى لوحة زيتية أخاذة.

ولا تحتاج صناعة “التصديف” إلى آلات معقدة، أو رأسمال ضخم، وإنما فقط إلى مجموعة من أدوات الحفر المعدنية على الخشب أو ما يعرف بـ “الأزاميل”، والمادة اللاصقة (الغراء) الطبيعية، مع خلطة من الذوق الفني والصبر الجميل، فالصندوق الخشبي الصغير قد يستغرق إعداده يومين كاملين من العمل، لإتمام ترصيفه بالصدف.

في ورش “التصديف” يفخر العاملون بأن الصين لم تستطع أن تنافسهم بقوة، فالصبر الذي يمتلكونه غير قابل للتقليد أو للتكرار، إلا أن جل ما يخشونه هو استمرار أزمة الدولار، التي أشعلت أسعار الخامات المستوردة، وتوقف حركة السياحة، الذي حرمهم من المشتري الذي يقدر جهدهم وفنهم.

حاجة صناعة “التصديف” بمصر إلى السياحة أشبه بحاجة الكائنات الحية إلى الماء، فالأغلبية العظمى من المصريين لا تقبل على شراء المنتجات الصدفية، ولا تفرق بين صناعتي الخزف والصدف، وينحصر معظم نشاط الصناعة حاليا في “التابلوهات” والقطع الخشبية الصغيرة، كصناديق المجوهرات.

قال عصام عبدالتواب، صاحب ورشة لصناعة الصدف بالقاهرة، إن حجم المبيعات تأثر كثيرا بسبب أزمة السياحة، فالسائحون كانوا المستهلك الأول للمنتجات الصدفية، التي كانت تلقى رواجًا واسعا بحي خان الخليلي الأثري وسط القاهرة، وبازارات (أسواق) منطقة الهرم بالجيزة المجاورة للقاهرة، والمناطق الأثرية في صعيد مصر.

مواقع التواصل الاجتماعي تحمي صناعة الصدف من الانهيار، من خلال ترويج البعض من منتجات الصناع لدى الطبقات الثرية

شهد عام 2010 ازدهارا في صناعة “التصديف”، حيث سجل أعلى معدل لحركة السياحة في مصر، باستقبال 14.7 مليون سائح، جلبوا عائدات لمصر، قدرت بنحو 12.6 مليار دولار. إلا أن هذه الصناعة تواجه حاليا أزمة حادة، خصوصا منذ سقوط الطائرة الروسية فوق صحراء سيناء في نهاية أكتوبر 2015، وإعلان العديد من الدول وقف رحلاتها لمصر.

أكد عبدالتواب لـ”العرب”، أن هذه الصناعة التي يطلق عليها أيضا اسم صناعة الصدف المصرية، تتميز بسمات جعلتها غير قابلة للمنافسة، فهي مهنة متوارثة منذ عهود طويلة، ثم أضاف إليها الفتح العربي – الإسلامي معظم التصاميم الدارجة حاليا، علاوة على أنها تعتمد في المقام الأول على العمل اليدوي، والصبر بالجلوس ساعات طويلة، لتشكيل الصدف صغير الحجم قطعة قطعة، على “التابلوه” أو القطعة الخشبية، وهو أمر لا تجيده البلدان التي تعتمد على الآلة الصناعية لإنتاج أكبر قدر من المنتجات في وقت وجيز جدا، كالصين.

جدل تاريخي

ظهر جدل تاريخي بشأن توقيت نشأة صناعة الصدف، فالبعض يرجعها إلى عصر الفراعنة، بينما أكد آخرون أنها نشأت في بيت لحم بفلسطين، لكنّ هناك إجماعا على أن المصريين أكثر الشعوب التي طورت هذه الصناعة وجعلتها تصل إلى أزهى عصورها في عهد دولة المماليك، الذين استمر حكمهم من عام 1250 إلى 1517.

وأدخل المماليك تعديلات على طرق بناء المنابر والكراسي والمشربيات والسقوف والأبواب والصناديق في مصر، باستحداث الأشكال الهندسية المحفورة عليها من مربعات ومعينات ومنحرفات ونجوم تتداخل مع بعضها البعض، وتطعيم “الحشوات” بأنواع نادرة من الخشب والعاج والصدف والفسيفساء.

ويضم متحف الخزف الإسلامي بالقاهرة أندر القطع الخشبية المطعمة بالصدف، التي تعود خاصة إلى الحقبة المملوكية، ومنها دولاب حائطي من الخشب المطعّم بالصدف وعدد من صناديق المجوهرات، إلا أن البيوت القديمة بمصر كانت تضم الآلاف من القطع التي أهملت واندثرت مع مرور الوقت.

وهناك بعض المصنوعات الواردة من الصين، فهي لم تترك شيئا إلا وحشرت نفسها فيه، لكنها ليست يدوية، ولا يفضلها الأجانب الذين يقدرون قيمة العمل اليدوي وجماله والمجهود المبذول فيه.

والآن يتخوّف القائمون على تلك المهنة اليدوية النادرة من اندثارها، إذ بدأ يهجرها الكثير من الشباب منذ ثورة 25 يناير 2011، بسبب ضعف حركة السياحة، ولم تستطع الورش جذب قطاعات جديدة للعمل بها تعوض المنقطعين عن العمل فيها.

طرق غير تقليدية لإنقاذ حرفة تحتضر

وتتسم القطع المصنوعة من الصدف بارتفاع سعرها، الذي يتزايد وفقا لحجم القطعة المصنوعة، ونوعية الصدف المستخدم في صناعتها، فثمن غرفة الأثاث المطعمة بالصدف قد يصل إلى نحو 6 آلاف دولار، ولا تقتنيها سوى بعض الشرائح الثرية في المجتمع، التي لا تزال تخصص غرفا للتراث كنوع من الوجاهة الاجتماعية.

شهدت السنوات الماضية تدشين عدة مبادرات، لتعليم الأطفال والشباب تلك المهنة، ومهنا يدوية أخرى من بينها “التصديف” في منطقة “الغورية” وسط القاهرة، التي تشتهر بإعداد تجهيزات العرائس، لكن هذا المشروع لم يكتب له النجاح، لأن المتدرب يريد مقابلا ماليا، وهو أمر لا تستطيع الورش توفيره.

واعترف المجلس التصديري للحرف اليدوية والتراثية في مصر، بتناقص أعداد الحرفيين المهرة، واتجاههم إلى مزاولة أعمال أخرى، بسبب المنافسة الشرسة من السلع الصينية، وعدم استدامة الجهود المبذولة من قبل الجهات الرسمية، على خلفية ربط تلك الجهود بمنح مالية خارجية، ذات مدد زمنية محددة من قبل الجهات المانحة.

وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، انتشرت ورش لتعليم الأطفال فن الصدف والخزف مقابل أن يدفع الطفل 85 دولارا، لكن المحاولة لم تلق قبولا، بسبب ارتفاع تكلفتها، في مجتمع يعاني من انخفاض مستوى المعيشة وارتفاع التضخم بصورة مطردة، ( سجل التضخم في مصر 16.4 بالمئة في أغسطس الماضي، وهو أعلى مستوى في 8 سنوات).

وتعد مواقع التواصل الاجتماعي حاليا “قُبلة الحياة”، التي حمت صناعة الصدف من الانهيار، إذ جنبت الصناع التوقف عن الإنتاج، من خلال ترويج بعض منتجاتهم لدى الطبقات الثرية في المجتمع المصري، والأثرياء العرب المقيمين في مصر، وهو ما خفف عنهم الضغوط الناتجة عن تراجع السياحة وضغوط تجار الجملة في خان الخليلي، الذين يخفضون أسعار مشترياتهم من التحف باستمرار، مقابل شراء كميات كبيرة من المنتجين.

مراحل متعددة

تمر الصدف، قبل استخدامها في الصناعة بمرحلتين، أولاهما “الصنفرة” كي تصبح الصدفة ذات ملمس ناعم، ثم التقطيع إلى قطع ذات أحجام متعددة، تسمى الواحدة منها “مبرزة”، بسمك 3 مليمترات، بينما تنقسم مرحلة الصناعة إلى خمس خطوات، تبدأ بإنتاج العلب الخشبية، ثم التطعيم بالصدف، فالتلميع، ثم إكساء داخل العلبة بالقماش (التنجيد)، ثم التنعيم النهائي والدهان بالزيت المعدني، تمهيدا للبيع. وطالب صُناع “التصديف” بضرورة تدخّل الدولة لحماية المهن التراثية -ومنها التصديف- وفتح معارض لها بالخارج، ما يدر العملة الصعبة، ويحمي تلك المهن من الاندثار، واعتبروا هذه المهن مشروعا قوميّا ضخما يجب أن يحظى بالاهتمام الذي يستحقه من قبل المسؤولين.

القائمون على المهنة اليدوية النادرة يتخوفون من اندثارها، إذ بدأ يهجرها الكثير من الشباب منذ ثورة 25 يناير 2011، بسبب ضعف حركة السياحة

وكانت وزارة التجارة والصناعة بمصر، أعلنت عن ضرورة تنمية وتطوير الصناعات التراثية والحرفية، التي بفضلها تحظى مصر بمزايا تنافسية كبيرة، تؤهلها للتواجد في مختلف الأسواق الخارجية، لكن أرباب تلك الحرف يؤكدون أن الجهود الحكومية بقيت مجرد حبر على ورق، ولم يتم تطبيقها على أرض الواقع.

وقال مجدي العوضي، صاحب أكبر ورشة لصناعة الصدف بالقاهرة لـ”العرب”، إن ورش “التصديف” علمت أكثر من مرة بوجود معارض للمهن التراثية، لكن أصحاب الورش لا يعرفون من الذي يشارك في هذه المعارض، وكيف يتم الاختيار، فعلى سبيل المثال حي “خان الخليلي” الذي يعدّ الموطن الحقيقي لصناعة “التصديف”، لم تشارك منه أي ورشة في تلك المعارض.

وتعتمد الطريقة المصرية لفن “التصديف” على نظم الصدف وفق الشكل المراد، ولصقه بغراء طبيعي، وملء الفراغات بمعجون حتى يظهر في شكل متناسق، على عكس الطريقة الشامية المعقدة، التي تحتاج إلى نجار يصنع القطعة الخشبية كاملة، ثم رسام يرسم الشكل المرغوب فيه، ثم عامل دق القصدير، الذي يحفر مكانا للخيوط القصديرية، وبعدها يثبت العامل قطع الصدف على تلك الخيوط.

وأشار أصحاب الورش إلى أن أسعار الخامات المستوردة باتت غولا يهدد الصناع، فبعضها ارتفع بنسب تتراوح ما بين مئة وخمس مئة بالمئة منذ ثورة يناير، بسبب الدولار وارتفاع تكلفة العمالة، فالورشة الصغيرة المكونة من أربعة أفراد قد تستغرق حوالي أسبوع كامل في “تصديف” 50 علبة مجوهرات، وأجور العمال بالورشة الواحدة تتراوح ما بين 10 و11.3 دولار يحصلون عليها يوميا، بصرف النظر عن وجود مبيعات أم لا.

أربعة أنواع

تعتمد الورش المصرية على أربعة أنواع من الخزف المستورد، أهمها النوع الاسترالي، المسمى بـ”العروسيك”، و”العُماني”، والإيطالي بسعر 15.6 دولار، والياباني، أما الصدف المصري فيحمل اسم “سيرديا”، ويتم استخراجه من البحر الأحمر.

ورغم امتلاك مصر شواطئ ساحلية طويلة، إلا أن القواقع البحرية المستخرج منها الصدف المستخدم في الصناعة، تتسم بالرداءة، الأمر الذي يدفع المصنعين إلى الاعتماد بشكل أساسي على الصدف المستوردة - خصوصًا النوع الاسترالي والإيطالي - التي زادت أسعارها بنسب قياسية بسبب أزمة الدولار.

وتوجد مدرستان لـ”التصديف” بمصر، إحداهما “فرعونية”، وتواجه شبح الانقراض، إذ لا يتجاوز عدد الورش العاملة بها عدد أصابع اليدين العشرة، على عكس مدرسة “التصديف” الإسلامي، التي تفضلها نحو 200 ورشة، يعمل بها قرابة الثلاثة آلاف عامل.

جهود الحكومة حبر على ورق

وأوضح العوضي، أن الورش المصرية تعتمد على الطراز الإسلامي، لصعوبة الفرعوني، الذي يحتاج إلى جهد كبير في تشكيل الخشب، علاوة على الجمع بين “التصديف” و”الآركت” بتفريغ الخشب، الأمر الذي يزيد تكلفة وجهد الصناعة ويرفع الثمن، واعتبر دخول بعض القرى المصرية في مجال “الصنعة” عنصرا سلبيا، لأن منتجاتها تتسم بكونها عائلية، وتعتمد على خامات رديئة، بالإضافة إلى أن الأشكال التي تنتجها تتسم بالتكرار وفقدان العنصر الجمالي، الأمر الذي يضر بسمعة المنتج المحلي.

وشهدت مصر منذ بداية الثمانينات، دخول بعض القرى في مجال “التصديف”، كقرية ساقية المنقدي بالمنوفية “65 كيلو مترا شمال القاهرة”، والتي وفقا للبيانات الرسمية تضم 70 ورشة لـ”التصديف”، يتم تسويق منتجاتها في المناطق الأثرية، خصوصًا منطقة خان الخليلي.

ووفقا لهاني محسن، مدير معرض لبيع المنتجات الصدفية بالقاهرة، فإن المعارض فقدت الصانع القديم، الذي كان يجلس على القطعة الصدفية ثلاثة أيام بلا ضيق أو ملل، حتى يخرجها في صورة تحفة فنية متكاملة، على عكس العمالة الجديدة من الشباب، التي تتسم بالاستعجال وعدم الصبر والرغبة في إنهاء أكبر قدر من القطع في وقت وجيز، الأمر الذي يؤثر على الجودة النهائية للمنتج.

ورغم إصدار الحكومة المصرية في أبريل 2015، قرارا بوقف استيراد السلع والمنتجات ذات الطابع الفني الشعبي (الفلكلور المصري) والنماذج الأثرية لمصر، بهدف الحفاظ على التراث وحماية حقوق الملكية الفكرية للمصريين من التعديات والتقليد، إلا أن محسن أكد أنها لا تزال موجودة، فالمنتجات الصينية النحاسية والخزفية بالمناطق السياحية تضغط على المنتجات المصرية، خصوصا منتجات خان الخليلي.

من جانبها قالت نوسيلة أبوالعمر، عضو لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة بمجلس النواب المصري، إن اللجنة تدرس حاليًا العشرات من المقترحات الخاصة بإعادة إحياء الصناعات التراثية، خصوصًا الصدف والخزف، وحل المشكلات التي تواجه العاملين بها، بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة. لكن العاملين في الصناعات التقليدية، يؤكدون أن بعض المسؤولين لديهم قدر قليل من المعلومات حول المهن التراثية، وهم دائمًا ما يخلطون بين صناعات الخزف والفخار والزجاج والصدف والفسيفساء، رغم خصوصية كل صناعة وتباين مشكلات كل منها.

20