التصدي لفتاوى القتل وعمليات تجييش نفوس المسلمين أول الطرق لمواجهة الإساءة إلى المقدسات

الفكر المستنير والحوار العقلاني يحصنان العقائد الدينية من تشويه المتشددين.
الاثنين 2020/11/30
رهانات على الأحقاد والكراهية

تراجعت موجة غضب المؤسسات الدينية في المجتمعات الإسلامية، التي أجّجتها الرسوم المسيئة للنبي محمد في فرنسا، لكن ألا يفترض إعادة النظر في مشهد الغضب الذي تغذيه أصوات التطرف لبعض رجال الدين المحرضين على الكراهية والعنف؟ لعله من من الأجدى قبل المطالبة بمحاسبة المتجاوزين في حق العقائد السماوية وأنبيائها التصدي لمن يصدرون الخطابات الدينية التي تحرض على القتل وسفك الدماء.

هدأت وتيرة التصعيد من جانب المؤسسات الدينية ضد الرسوم المسيئة للنبي محمد في فرنسا، دون جديد يُقدم، ففي كل مرة تكون ردة الفعل تقليدية ومكررة، بأن تشتد الهجمة الكلامية والتصريحات التي تلهب حماس الشعوب وفجأة تخفت الأصوات، وكأن رجال الدين بذلك حققوا المراد وأحرزوا هدفهم بأن يظهروا كمدافعين عن الإسلام ومتحدثين باسم النبي.

الجديد هذه المرة، أن صوت التطرف كان له الحظ الأوفر في الوصول إلى الناس، وبلغ الأمر حد إصدار فتاوى تبيح قتل المسيئين للمقدسات، من جانب رجال دين متشددين ينتمون إلى مؤسسات دينية يفترض أنها منبر عقلاني يقدم صورة مغايرة للإسلام عن تلك التي يروج لها المتطرفون، ما أعطى انطباعا لدى البعض بأن هناك حالة من الرضا النسبي على هذه النوعية من الفتاوى.

تأسس هذا الشعور على التزام المؤسسات الدينية الصمت أمام تصاعد نبرة التحريض على القتل تجاه من يسيء للمقدسات، ففي وزارة الأوقاف المصرية وقعت عقوبة إدارية على أحد خطباء المساجد بوقفه عن العمل، بعدما أفتى بإباحة سفك دماء المتطاولين على الإسلام، وفي الأزهر ظهرت أصوات مماثلة تتحدث بنفس النبرة، دون اتخاذ موقف حاسم ضد أصحابها.

وأفتى الشيخ سامي السرساوي المنتمي لمؤسسة الأزهر مؤخرا بقتل كل من يسيء للنبي في أي مكان ودون أخذ إذن من أحد، وسار على نهجه الداعية أحمد عشوش الذي أباح سفك دماء المسيء وإن تاب وندم على ما فعل.

وقف الخطاب التحريضي

أحمد بحيري: الفتاوى التي تبيح قتل المسيئين للمقدسات أخطر من تنظيم داعش
أحمد بحيري: الفتاوى التي تبيح قتل المسيئين للمقدسات أخطر من تنظيم داعش

يبني المحرضون على رد الإساءة بالقتل مواقفهم على فتوى ابن تيمية التي قال فيها “إن سب الله أو رسوله ظاهرا وباطنا كفر، وسواء أكان المتهم بالسب يعتقد أن ذلك محرم، أو مستحلا له، أو ذاهلا عن اعتقاده”، وحتى ابن حنبل نفسه شرع نفس الأمر، بقوله إن “من شتم النبي قُتل”.

لم تقتنع مؤسسات دينية عديدة بأن مواجهة الإساءة للمقدسات تبدأ بوقف فتاوى قتل المسيئين بدلا من تجييش المسلمين وتحريضهم على الكراهية، وقبل المطالبة بمحاسبة المتجاوزين في حق العقائد السماوية وأنبيائها تكون هناك وقفة حاسمة ضد من يصدرون الخطاب الديني التحريضي الذي يستهدف ضعاف النفوس.

مجرد البحث وراء موقف أيّ جهة دينية رسمية تجاه المحرضين على قتل المسيئين، لن تجدها سجلت اعتراضا على محتوى فتاوى التكفيرين في هذا الشأن، وبدلا من التحرك بطريقة تدحض ادعاءات هؤلاء، وتطعن في أسانيدهم على الأقل لتبرئة الإسلام منهم، تمت إدارة دفة الهجوم على أصحاب الرسوم ونعتهم بالتطرف الفكري دون البحث وراء خلفيات مواقفهم ولماذا يؤمنون بشرعية الإساءة للنبي.

بدت طريقة مواجهة الرسوم المسيئة تقليدية إلى أقصى درجة، فالأزهر كأنه وجد في الإساءة فرصة لتجييش الناس خلفه، واستثمر فرصة امتلاكه منابر إعلامية، بتبني حملة لإعادة التعريف برسول الإسلام بدلا من مواجهة الفكر بالفكر، والريشة بالريشة، وتفنيد فتاوى علمائه لإعادة تعريف الغرب بالإسلام الحقيقي.

رأى أحمد بحيري، الباحث في شؤون الإسلام السياسي، أن صدور فتاوى تبيح قتل المسيئين للمقدسات أخطر على الإسلام من تنظيم داعش الإرهابي، لأن الأخير يمنح فرصة الاستتابة لمن يختلفون معه فكريا قبل أن يتخذ قرارا بسفك دمائهم، أما أصحاب الفتاوى فإنهم أصدروا أمرا قاطعا بالقتل، فأي إساءة لصورة الدين أكثر من ذلك.

شبكات الإسلام السياسي في البلدان الأوروبية يقودها تنظيم الإخوان من خلال المساجد والجمعيات الخيرية، فهو يستقطب الشريحة التي لديها فراغ ديني ولا تعرف عن الإسلام شيئا

وأضاف لـ”العرب”، أن التصعيد المتكرر ضد الرسوم المسيئة لا يخدم سوى المتطرفين ودعاة التكفير، والمشكلة أن هناك مؤسسات تعمل لصالح خطابهم بشكل غير مباشر، لأن التركيز على اتخاذ مواقف حاسمة بعيدة عن أساس المشكلة يغذي الكراهية والعنف.

ولفت إلى أن “الإساءة للمقدسات لن تنتهي، بل موجودة منذ العقد الماضي، وفي كل مرة يتم استغلالها من متشددين، للترويج لخطابهم التحريضي، لكن المعضلة الحقيقة تكمن في الإجابة عن السؤال الأهم: ماذا فعلت المؤسسات الدينية لوقف توظيف تشويه المقدسات؟”.

وذهب متابعون إلى إشكالية أخرى أكثر تعقيدا، ترتبط بعدم وضع تعريف ديني للإساءة إلى المقدسات، وهل هي عامة أم لها حدود بحيث يكون رد الفعل عليها بنفس مستواها، فلا يمكن التعامل مع كل رأي أو رسمة تعبر عن رأي صاحبها على أنها إساءة، وهنا يجب التفريق بين حرية التعبير والتطاول.

ولفتوا إلى أن تجاهل المؤسسات الدينية وضع ميثاق شرف يحدد معنى الإساءة وأشكالها ومستوياتها، يعطي الفرصة على طبق من ذهب للمتشددين، لاستثمار كل كلمة أو تصرف يخالف قناعاتهم لتصديرها إلى الرأي العام على أنها مهينة للمقدسات.

السلام والتسامح

أحمد زغلول: المزايدات الدينية  لا تخدم سوى دعاة الفكر المنحرف
أحمد زغلول: المزايدات الدينية  لا تخدم سوى دعاة الفكر المنحرف

يؤمن الكثير من أصحاب الرأي العقلاني، أنه لا بديل عن استبدال الخطاب التحريضي والتصعيدي ضد الإساءة للمقدسات بتكثيف الحوار مع الأطراف المسيئة، والحكومات التي ترى في ذلك انعكاسا لحرية الرأي والتعبير، لأن الصدام لن يجني سوى المزيد من تشويه الصورة لكل ما هو مقدس.

يبني هؤلاء وجهة نظرهم، على أن الدين الإسلامي تأسس على التسامح والحوار، وأيّ رد فعل عكس ذلك يكرس الصورة الذهنية الخاطئة عن العقيدة، بأنها تحض على الكراهية والعنصرية والانتقام والترهيب ضد كل من يختلف معها، وإذا تحقق الحوار، فإن الفتاوى التكفيرية ضد المسيئين لن تكون لها قيمة أو تأثير.

تساءل بحيري، لماذا لم يطلب أحمد الطيب شيخ الأزهر نشر مقالة رأي في الصحف المتهمة بالإساءة للنبي، ليظهر الوجه الحقيقي للإسلام في نفس المنبر الإعلامي الذي تعرض للمقدسات برأي يجافي الحقيقة، ويخاطب المجتمع الأوروبي بأن هذا الدين تأسس على المحبة والسلام والتسامح، بدليل أن نفس الصحيفة التي أساءت، هي ذاتها التي نخاطب الناس من خلالها.

مشكلة بعض المؤسسات الدينية، أنها كلما وقعت حادثة إساءة للمقدسات، تكتفي بمخاطبة شعوبها، فتراها تندد وتشجب وتدين، كأنها تبحث عن تسجيل موقف يلبي رغبات الغاضبين، ولا تسير في الطريق الصحيح، بأن توجه خطابها للمواطن الذي يقرأ الصحيفة التي نشرت الرسم المسيء، فرنسية أو سويدية أو دنماركية أو نرويجية.

ويعتقد كثيرون أن مخاطبة المجتمعات الأوروبية بنفس طريقة تفكيرها أحد أهم أدوات تحسين صورة الإسلام ومقدساته، فالمواطن الفرنسي الذي يطالع رسمة مسيئة في صحيفة فرنسية، بحاجة إلى تغيير وجهة نظره حيالها بذات الأسلوب، كأن يطلب الأزهر نشر كاريكاتير يدافع عن الإسلام والمسيحية واليهودية، كدليل على سماحة هذه العقيدة، وبالتالي يكسب تعاطف باقي الديانات.

عبدالغني هندي: لا بديل عن تجريم فتاوى القتل واتخاذ مواقف ضد أصحابها
عبدالغني هندي: لا بديل عن تجريم فتاوى القتل واتخاذ مواقف ضد أصحابها

 وما زال المتطرفون من الجيلين الثاني والثالث في بعض البلدان الأوروبية، مدخل أصحاب الرسوم المسيئة لتبرير مواقفهم، لأن هذه الشريحة صدرت للمجتمعات الغربية صورة سلبية عن الإسلام، ويكفي أن شوقي علام مفتي الديار المصرية، قال مؤخرا، إن خمسة في المئة من شباب المسلمين في أوروبا ينتمون فكريا إلى تنظيم داعش.

ومعروف أن شبكات الإسلام السياسي في البلدان الأوروبية يقودها تنظيم الإخوان من خلال المساجد والجمعيات الخيرية، فهو يستقطب الشريحة التي لديها فراغ ديني ولا تعرف عن الإسلام شيئا ليقنعها بالعودة إلى الدين. لكن الأزهر تجاهل دوره حيال هؤلاء، فلم يرسل مبعوثين من علمائه ليعرفّوهم صحيح الإسلام، ويحصنوهم من الوقوع في فخ الفتاوى التكفيرية التي شرعنت الإساءة للدين في بلادهم.

وأكد أحمد زغلول، الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، أن ترك الساحة للتيارات المتطرفة تستغل موجة الغضب ضد الإساءة للمقدسات، جعل البعض يتعامل معها باعتبارها الحامية للدين، والوحيدة التي لديها شجاعة المواجهة أمام تخاذل الأنظمة الحاكمة.

وأوضح لـ”العرب”، أن المزايدات الدينية والسياسية التي تحدث كلما طفت على السطح أزمة الإساءة للمقدسات لا تخدم سوى دعاة الفكر المنحرف، الذين يستغلون كل فرصة يمكن من خلالها تأجيج وحشد الناس، لتشتبك وتروج لنفسها، وعندما يكون هناك خطاب رسمي مماثل لنفس خطابها يتم استثمار التصعيد لجني مكاسب سياسية.

وانتهز التيار السلفي فرصة الإساءة للنبي، ليتصدر المشهد بفتاوى تحريضية تتناسب مع منسوب التدين في المجتمع، لأن الأغلبية المتشددة تجاه كل مقدس، تبحث عن خطاب يوازي مستوى غضبها، فترى هذه الفئة تقبل بالرأي الذي يبيح قتل المسيء، وتمجد صاحبه، وتستميل فكريا ناحية التيار الذي ينتمي إليه دون أن تبحث في خلفيات الفتوى بشكل عقلاني.

صورة

وتجد المؤسسات الدينية نفسها في موقف بالغ الحساسية، فهي لو خرجت للطعن في الفتوى سوف تتعرض لموجة غضب غير محسوبة، فتضطرر إلى الصمت، وهذه إشكالية جهات الإفتاء عموما، أنها تتعامل بمبدأ إمساك العصا من المنتصف وقت الأزمات التي تستدعي منها التحلي بشجاعة استثنائية، فتراها لا تحسم أمرا جدليا، بل تروج للتطرف والدموية بضعفها وخوفها على نفوذها وشعبيتها.

وتظهر فئة من المؤمنين بفتاوى القتل لتمارس الفعل ذاته، على طريقة الذئاب المنفردة للإخوان، وهو ما جرى مؤخرا في بعض الدول الأوروبية بوقوع حوادث طعن لأبرياء لمجرد أنهم جزء من المجتمع الذي صمت على الإساءة للمقدسات. صحيح أن المؤسسات الدينية أدانت التصرف، لكنها لم ترفض فتوى القتل، أو تطعن في صحيح البخاري وابن تيمية باعتباره من التراث المقدس.

ووفق عبدالغني هندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، فإن أكبر أزمة يعاني منها الإسلام، أن خطابات الجماعات المتطرفة أكثر حضورا من خطاب المؤسسات الدينية، لأنها أحسنت استغلال المنصات الإعلامية وحشدت الناس بوهم الصحوة، في حين ما زال رد الفعل الرسمي تقليديا في عرض القضايا وتصحيح المفاهيم.

واعتبر هندي أن تحصين المقدسات من الإساءة يكون بالحوار والفكر لا بالتصعيد والوعيد، فالدعوة الإسلامية قامت على الأسوة الحسنة والتحلي بالأخلاق والتسامح، ولا يصح عندما يتم الدفاع عن النبي، أن تسلك طريقا كان يرفضه، لأن ذلك يعطي صورة مغلوطة عن العقيدة التي بعث من أجلها إلى الناس.

وقال في حديث لـ”العرب”، “لا بديل عن تجريم فتاوى القتل والتكفير واتخاذ مواقف حاسمة ضد أصحابها، لأن هؤلاء أشد خطرا على الإسلام من الرسوم المسيئة، وإن كنا بحاجة إلى خطاب معتدل وعقلاني يجب البدء من الأمس وليس اليوم في تجديد الخطاب الديني، ليقوم على أسس علمية متحضرة، ومن يريد التأكد من هيمنة خطاب التطرف على عقول الناس يذهب إلى المكتبات المتاخمة لأسوار الجامع الأزهر بالقاهرة ليكتشف أن أغلب الكتب والمراجع ملغمة بفتاوى تسيء للعقيدة أكثر من الكاريكاتير الصحافي”.

13