التصعيد الإقليمي يفرض على حماس الاختيار بين محور الاعتدال وإيران

يخشى الفلسطينيون ارتدادات التصعيد الإقليمي الجاري على ملف المصالحة بين فتح وحماس في ظل تمسك الأخيرة أو بالأحرى الجناح القوي داخلها بالعلاقة مع إيران المسؤولة عن حالة التأزم التي بلغتها المنطقة، والتي قد تؤدي إلى انفجار يصعب احتواء شراراته.
الجمعة 2017/11/10
تقارب ملغوم

القاهرة - وضع التصعيد الجاري بين إيران والمملكة العربية السعودية حركة حماس الفلسطينية في موقف بالغ الحساسية، حيث تجد نفسها مجبرة على الاختيار بين الاصطفاف إلى جانب الدول العربية المعتدلة أو الانحياز إلى جبهة إيران بكل ما تحمله من تداعيات كارثية على القضية الفلسطينية.

وتقول أوساط سياسية يبدو أن هناك تمشيا واضحا من السلطة الفلسطينية للضغط على الحركة لوقف سياساتها المزدوجة، وإعلاء المصلحة الفلسطينية ودعم الموقف العربي في مواجهة التهديدات الإيرانية، التي بلغت أقصاها بتمكين الحوثيين في اليمن من صواريخ نوعية استهدفت العمق السعودي.

وسجلت في الأشهر الأخيرة عودة قوية للعلاقات بين حماس وإيران، بالتوازي مع انفتاح الحركة على مصر التي رعت مفاوضات بين الحركة والسلطة الفلسطينية انتهت باتفاق مصالحة وقع في القاهرة في 12 أكتوبر الماضي.

وبتوسيع دائرة تحالفاتها المتناقضة ترمي حماس إلى عدم تكرار سياسة وضع جميع بيضها في سلة واحدة، بيد أن اللحظة الراهنة تفرض عليها نفض هذه السياسة وحسم موقفها المزدوج خاصة وأن المسألة باتت تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها.

وعاد التوتر بين حركتي حماس وفتح، عقب قيام الأخيرة الأربعاء بإعادة نبش ملف سلاح كتائب عزالدين القسام الذراع العسكرية لحماس مشددة على ضرورة أن يكون تحت إشراف سلطة واحدة هي الحكومة الفلسطينية.

ويؤدي فتح ملف “سلاح القسام” إلى الدخول في نقاشات ساخنة، قد تفضي إلى انهيار ما تم التوصل إليه في القاهرة.

وكررت حماس رفضها المساس بسلاحها وأنه “خط أحمر”، في حين اعتبرت السلطة الفلسطينية بقاء السلاح في يد حماس بمثابة تهديد صريح للمصالحة ويقلل من هيبة الحكومة وقدرتها على أداء دورها ويحرجها أمام المجتمع الدولي.

وشددت قيادات بارزة في السلطة الفلسطينية على رفض تكرار نموذج حزب الله اللبناني، في إشارة إلى عدم الاستعداد لوجود جبهة موازية لها امتدادات خارجية، للقوة المنوط بها ضبط الأمن والدفاع عن الأراضي الفلسطينية.

ومعلوم أن الجناح العسكري للحماس، قريب جدا من إيران حيث تعتبر أحد أبرز داعميه، وهذا الوضع يُخشى من تداعياته على المنطقة مستقبلا.

وتعتقد السلطة الفلسطينية أن التصعيد المتزايد مع إيران يستلزم إجراءات صارمة مع حماس لمنع تطوير علاقاتها مع طهران والانجرار وراء مهاترات تضر بمصالح الفلسطينيين.

سمير غطاس: ثمة محور يتشكل داخل حركة حماس يميل ناحية إيران وحزب الله

وبدأت تفاعلات المصالحة تتعرض لانتكاسات من حماس، وأثارت الحركة نقطة الرقابة على معبر رفح، مؤكدة أنها “مصرية فلسطينية” فقط، رافضة وجود عناصر من الاتحاد الأوروبي وفقا لاتفاق نوفمبر 2005 الذي قضى بوجودها مع عناصر مصرية وفلسطينية، عقب انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، ولوحت حماس بأن هذا الاتفاق “انتهى العمل به”.

وذهبت بعض المصادر إلى أن موقف حماس الجديد بشأن الرقابة يرمي إلى محاولة تنصل الحركة من التزاماتها في اتفاق القاهرة، وتبرير تصرفاتها الإيجابية نحو إيران.

ويرى البعض من المراقبين أن الحديث عن سلاح حماس لا ينفصل عن التطورات الإقليمية الأخيرة المناهضة للدور الذي يلعبه حزب الله في كل من لبنان وسوريا، والحلف الذي يدور في فلكه مع إيران وقاد إلى المزيد من التوترات الإقليمية.

وقال متابعون إن العلاقات بين حماس وإيران، مرجح أن تشهد تقاربا كبيرا الفترة المقبلة، وربما تعود كما كانت سابقا، قبل الأزمة السورية، وهو ما لا يستطيع قطاع كبير من الفلسطينيين تحمل تداعياته.

وتميل بعض الشخصيات “الحمساوية” إلى استعادة العلاقات مع إيران، للحصول على دعم مناسب يبعدها عن العزلة أو تقديم تنازلات صعبة لحركة فتح.

وتوترت علاقات حماس مع إيران، عقب مغادرة رئيسها خالد مشعل، دمشق، في فبراير 2012، واتخذ من الدوحة مقرا له.

وبعد التغيرات التي طرأت على الوضع في سوريا، وتزايد الضغوط على قطر لوقف دعمها للإرهاب، أعادت الحركة علاقتها مع إيران التي سرعان ما التقطت الأمر لإدراكها أهمية أن يكون لها فصيل مسلح على الساحة الفلسطينية تستخدمه كورقة ضغط وتهديد.

وزار وفد برئاسة صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، طهران، في 23 أكتوبر الماضي، والتقى مسؤولين إيرانيين كبارا، وقال العاروري إن حركته “تتعهد بالحفاظ على علاقات وثيقة مع إيران واحتفاظ الحركة بسلاحها”.

وفي مطلع نوفمبر الجاري التقى العاروري في بيروت، حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله، وشددا على “التلاقي بين الحركات المقاومة والتنسيق فيما بينها لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.. وتجميع قوى المقاومة وحشدها ضده”.

وأوضح سمير غطاس، رئيس مركز مقدّس للدراسات الاستراتيجية، أن هناك صراعًا بات مكشوفًا بين حماس الداخل والخارج، لافتا إلى أن الجناح الذي يروج لإقامة علاقة قوية مع إيران وحزب الله هو من يتصدر المشهد وله كلمة عليا داخل الحركة.

وأضاف لـ”العرب” أن ثمة محورا يتشكل داخل حماس يميل ناحية إيران وحزب الله وربما سوريا لاحقا، ويريد مواجهة المحور المعتدل، لكن الحركة لا تريد الإقرار بذلك، لأنها تريد أن تلعب على تباينات الأوراق الإقليمية كما كانت في الماضي، وهو ما لم يعد يسمح به الوضع الإقليمي حاليا، لأن ممارسة حماس لعبتها التقليدية بأن “ترقص في فرحين مختلفين” لم تعد مقبولة.

وأشار غطاس إلى أن حماس أصبحت منقسمة لتيارين، الأول يناهض المحور المصري السعودي الأميركي لصالح التقارب مع إيران وحزب الله (يمثله صالح العاروري وموسى أبومرزوق)، وهذا التيار يلعب على التضحية بالمصالحة، والثاني يريد إتمام المصالحة، لكن كلمته أصبحت ضعيفة داخل الحركة ويمثله إسماعيل هنية ويحيى السنوار وأنصارهما.

وأكد أن حماس لا تدرك أن إيران لم يعد لديها ما تقدمه لها وهي تتعرض لضغوط شديدة، وإذا اختارت الحركة التقارب مع طهران فسوف تضحي بما تبقى لديها من رصيد عند الفلسطينيين، ووقتها تدخل في مواجهة غير محسوبة مع الشارع وينهار مشروع المصالحة الوطنية.

وقال مصدر دبلوماسي مصري لـ”العرب” إن مصر لديها أكثر من سيناريو للخروج من العقبات التي تقف حائلًا أمام المصالحة وبينها عودة تحالف حماس مع إيران، مؤكدا أن القاهرة لن تعطي لأي طرف فرصة التضحية بما تم إنجازه على الأرض، لتحقيق أهداف لا تتفق مع طموح الشعب الفلسطيني.

ولفت إلى أن لعبة حماس القديمة للاستفادة من التناقضات الإقليمية لم تعد مقبولة، كما أنه حان الوقت لوقف استثمار طهران للأزمات العربية.

2