التصعيد بين عمر البشير وأسياس أوفورقي: رسائل مشفرة للحلفاء

الخرطوم تطمئن أديس أبابا القلقة من التقارب المصري السوداني، غير أن تحالفات السودان المتناقضة تقلق إريتريا.
الثلاثاء 2018/03/27
خطوات على إيقاع التطورات الإقليمية

الخرطوم - تبادل الخرطوم وأسمرة للاتهامات ليس بجديد، فلطالما أدت العلاقة غير الجيدة بين البلدين وأزماتهما الداخلية إلى أزمات بينهما، لكن الواضح في التوترات الأخيرة هو دخول أطراف جديدة في الصراع، ضمن عملية صعبة ومرتبطة بقضايا معقدة وعلاقات مصالح مع عدة دول.

ويرمي الرئيس الإريتري أسياس أفروقي، القلق من تحالفات نظيره السوداني عمر البشير المتناقضة، من التصعيد الأخير إلى جلب اهتمام أكثر من مصر والدول الخليج المقاطعة لقطر، فيما يرسل نظيره السوداني عمر البشير رسالة إلى إثيوبيا يقول عبرها إنه مازال حليفا رغم تقاربه مع مصر، وبينهما تبرز مساع قطرية ترمي بدورها إلى القول إن البشير لم يتخل عنها لصالح مصر والسعودية.

اتهامات للخرطوم والدوحة

عقب إغلاق الخرطوم المعابر الحدودية مع إريتريا وإرسال تعزيزات عسكرية إلى كسلا، أعلن مساعد الرئيس السوداني إبراهيم محمود، أن بلاده تتحسب لتهديدات أمنية من إريتريا، بعد رصد تحركات عسكرية في منطقة ساوا الإريترية المتاخمة لولاية كسلا.

وردت وزارة الإعلام الإرترية الجمعة الماضي على المزاعم السودانية، مشيرة إلى أن “مسرحية دخول قوات مصرية إلى ساوا، وقيام السودان بإغلاق الحدود، أثارت دهشة الجميع”، مضيفة “لكن القصة لا تنتهي بذلك (..) وحتى يدرك المتابع حقيقة الأوضاع لا ضير من قول الحقيقة أحيانا”.

 

عادت لغة الاتهامات بين الجارين السودان وإريتريا، بعد هدوء نسبي خلال الأسابيع القليلة الماضية، لكن ولئن كان التوتر أمرا عاديا بين الجارين، فإن التصعيد الأخير بين الخرطوم وأسمرة أخرج من سياقه الخاص بالدولتين إلى سياق أعم في علاقة بحالة الاستقطاب في المنطقة كما بتطورات العلاقة بين الخرطوم والقاهرة. والتطور اللافت هو دخول إريتريا إلى حلبة “الاتهامات بين دول الجوار”، وهي التي صمتت منذ 5 يناير الماضي عن توجيه أي حديث صوب السودان، الذي أغلق حدوده معها وعزز قواته في مناطق ولاية كسلا الحدودية (شرق)

الحقيقة، بحسب بيان وزارة الإعلام الإريترية، هي أنه “في نهاية يناير، أهدت قطر الجيش السوداني ثلاث طائرات ميغ تم تموضعها في كسلا، وكان قادة هذه الطائرات ضابطان من قطر وآخر إثيوبي”، وتمت هذه الصفقة بذريعة “التصدي للهجوم الإريتري، الذي يمكن أن يُشن على السودان”.

ثم اتهم السودان بـ“إيواء معارضين إسلاميين من أتباع المعارض الإريتري الداعية محمد جمعة أبورشيد، الذين يتلقون تدريبا عسكريا، وفتح مكتب لهم في مدينة كسلا السودانية، وذلك بتمويلهم قطريا”.

وتابعت أسمرة أنه “قبل نحو ثلاثة أسابيع (مطلع الشهر الحالي) قام وفد عسكري، ترأسه سفير قطر لدى الخرطوم عبدالرحمن بن راشد النعيمي، بزيارة تفقدية لمتابعة الأوضاع الأمنية على حدود كسلا، حيث تفقد ما تُعرف بقوات الدفاع المشترك بين السودان وإثيوبيا، التي تمولها قطر”.

ولم يتأخر رد الخرطوم كثيرا، ورفضت الاتهامات الإريترية، قائلة، على لسان وزارة الخارجية السودانية، السبت، إن ما جاء في بيان وزارة الإعلام الإريترية، ليس سوى اتهامات “ملفقة ولا أساس لها من الصحة”. وأعربت عن استغرابها الشديد من اتهام إريتريا لحكومة السودان بتلقي مساعدات عسكرية خارجية.

وركز السودان في رده على نقطة إيواء محمد جمعة أبورشيد، نافيا الاتهامات بإيواء وتدريب جماعة المعارض الإريتري أبوالرشيد. ووفق مراقبين فإن توجيه أسمرة اتهاما للخرطوم بدعم هذا المعارض الإسلامي، باعتباره يقوم بعمل عسكري، يبدو “واهنا”، لأن لم يُعرف عن أبورشيد أنه من قيادات الحركات الإسلامية العسكرية التي تقاتل الحكومة الإريترية.

اختيار أسمرة هذا التوقيت بعد قرابة ثلاثة أشهر من إغلاق السودان لحدوده مع إريتريا، وحديث الخرطوم عن حشد قوات “مصرية إريترية”، “لم يأتيا من فراغ”، بحسب الصحافي السوداني المهتم بشؤون إريتريا والقرن الأفريقي عبدالمنعم أبوإدريس، لأن “الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لديه قدرة دائمة على المناورة وفق الوضع في بلاده”.

ويضيف أبوإدريس أن “أفورقي يمتاز بذكاء وقدرة على اختيار توقيت يناسبه، وسياساته في الحكم قد تبدو غريبة في لحظتها، لكن لها دلالات واضحة”. واعتبر أن “أفورقي اختار هذا التوقيت لسبب رئيسي، وهو رؤيته للتقارب المصري- السوداني الأخير”، ويعلم إلى أي مدى يمكن أن يقلق المصريون من “دعم الدوحة للخرطوم” وما يمكن أن يسببه ذلك من تأثير على الأمن القومي المصري.

وأثار اقتراب السودان من مصر ونجاحه في تهدئة العلاقات معها بعد تصعيد وصل إلى درجة اتهام القاهرة بدعم معارضة سودانية من داخل الأراضي الإريترية، ومساعدتها في ما وصفه “غزو البلاد من الشرق”، حفيظة كل من قطر وتركيا وإثيوبيا، خشية أن يكون على حسابها.

عبدالمنعم أبوإدريس: أفورقي لديه قدرة دائمة على المناورة وفق الوضع في بلاده
عبدالمنعم أبوإدريس: أفورقي لديه قدرة دائمة على المناورة وفق الوضع في بلاده

ومنذ 5 يونيو 2017 قطعت كل من مصر والسعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر، ثم فرضت عليها إجراءات عقابية، بسبب دعمها للإرهاب، وبينما أعلن أفورقي صراحة تأييده لقرار رباعي المقاطعة وأعلن انحيازه لمحور السعودية – الإمارات، بقي البشير يناور، ثم بدا مؤخرا موقفه أكثر وضوحا على خلفية التقارب مع تركيا والذي أفضى إلى تقارب أكثر مع قطر.

لكن، في الوقت الذي بدا فيه السودان قريبا من مصر، لم يتخل عن علاقته بكل من الدوحة وأنقرة، فالأولى تزايد معدل المشاورات والمحادثات معها، والثانية احتل الحديث عن تعاون اقتصادي واسع مساحة كبيرة من الاهتمام. كما أن إثيوبيا التي تراقب الموقف ولم تستبعد احتمال حدوث تغير نسبي في الموقف السوداني، وجدت في الأزمة التي فجرتها إريتريا مؤخرا سببا مريحا لطمأنتها بأن الخرطوم لم تبدّل ولاءاتها.

وتقول أماني الطويل، رئيس وحدة الدراسات الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن قطر، ومن خلفها تركيا، وأيضا إيران، تحاول إحداث خرق في التحالف العربي لمواجهة الإرهاب من خلال السودان، وما يساعد على ذلك الموقف السوداني المتأرجح بين الوقوف في صف المحور المصري الخليجي تارة وبين المحور التركي الإيراني تارة أخرى.

وتضيف، في تصريحات لـ“العرب”، أن التحالف المصري السعودي الإماراتي لديه من الخبرة ما يمكنه من التعامل مع المراوغة السودانية أو على الأقل العمل على تحييدها، في حين أن العلاقة مع إريتريا، تحمل أبعادا أخرى غير تلك التي تروّج لها تأويلات تصر على حصرها في سياق مقاطعة الرباعي للدوحة.

أهمية إريتريا، بالنسبة لدول الخليج العربي، كما لمصر، استراتيجية في علاقة بالأمن القومي بالأساس، فعبر سواحل إريتريا، ذات الموقع الاستراتيجي المهم على ساحل البحر الأحمر وقبالة مضيق باب المندب، يتم تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين في اليمن، وتسهيل نقل عناصر القاعدة من أفغانستان إلى جنوب اليمن، وهو ما يدفع قوى القاهرة والقوى الخليجية إلى دعم أسمرة نحوها، بما يحمي الأمن القومي في عموم المنطقة.

إغلاق الحدود

في 19 مارس الجاري استقبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نظيره السوداني عمر البشير، على رأس وفد رفيع المستوى من المسؤولين في زيارة رسمية إلى القاهرة. وهذه أول زيارة يقوم بها البشير لمصر منذ أكتوبر 2016، وجاءت بعد تراجع التوتر في العلاقات بين الجارتين، وعودة السفير السوداني عبدالمحمود عبدالحليم إلى القاهرة في وقت سابق من الشهر الجاري.

ومن وقت إلى آخر تخيّم توترات على علاقات الخرطوم والقاهرة، بسبب ملفات خلافية، في مقدمتها النزاع على مثلث حدودي، وسد النهضة الإثيوبي واتهامات لمصر بدعم متمردين سودانيين، وهو ما تنفيه القاهرة.

التقارب المصري السوداني يقلق المصريين من دعم الدوحة للخرطوم
التقارب القطري السوداني يقلق المصريين

ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، الطيب زين العابدين، إن زيارة البشير إلى القاهرة “أكدت عدم وجود قوات مصرية على حدود السودان الشرقية في منطقة ساوا الإريترية”. ويعتبر زين العابدين أن “حشد السودان لقواته العسكرية على حدوده الشرقية وإغلاق الحدود مع إريتريا، جاءا في إطار المجاملة للحكومة الإثيوبية، فإثيوبيا اتهمت إريتريا ومصر بحشد قواتهما في ساوا”.

ويرى الأكاديمي السوداني أنه “لا يوجد تفسير واضح لإغلاق الحدود السودانية مع إريتريا، وتحريك القوات العسكرية إلى الحدود”، فيما يشدد أبوإدريس على أن “السودان لم يغلق حدوده لوجود قوات عسكرية، بل لمحاربة التهريب إلى إريتريا، لا سيما وأن الحدود واسعة بين البلدين، وتسهم في سهولة تهريب السلع من السودان إلى الدولة الشرقية، إضافة إلى التحرك الكبير للقبائل المشتركة بين البلدين، والتي ينقسم جزء منها داخل إريتريا والآخر في السودان”.

مناورات الجارتين

طيلة الأشهر الثلاثة الماضية، ظلت العلاقة متأرجحة بين اتهامات الخرطوم السابقة لإريتريا، ونفي الأخيرة لذلك. إلا أن رفع إريتريا لوتيرة تصريحاتها تجاه الخرطوم ربما يرجّح أن العلاقات قد تسير إلى الأسوأ، وفق مراقبين، وذلك مرهون بالأوضاع الداخلية في البلدين، وكلاهما يشهد اضطرابات داخلية.

ويقول أبوإدريس إن “أفورقي يعاني من ضائقة اقتصادية خانقة، وتململ داخل الجيش، لذلك لجأ إلى إيجاد عدو خارجي يساعده على وحدة جبهته الداخلية”. وتبدو العوامل الداخلية لدى أفورقي الأقوى في حركته ضد الخرطوم، بحسب مراقبين، باعتبار أن سبب تفاقم الأزمة الاقتصادية في بلاده هو “إغلاق السودان لحدوده”، إذ تعتمد إريتريا في توفير 70 بالمئة من موادها الغذائية الأساسية على ما يتم تهريبه من السودان، بحسب تقديرات غير رسمية.

ومنذ إغلاقها الحدود مع إريتريا، أعلنت السلطات السودانية نجاحها في إيقاف تهريب الكثير من المواد الأساسية، بينها مواد غذائية وبترولية، بعد نشرها قوات الجيش والدعم السريع التابعة له، على الحدود الممتدة على مساحة 650 كيلومترا بين البلدين.

7