التصعيد في غزة وإحراج مصر

الاثنين 2014/03/17

لماذا كانت جولة التصعيد الأخيرة في غزة؟ هل كان الهدف إحراج مصر وإبعاد الاهتمام عن العلاقة المتأزمة بينها وبين حركة «حماس» التي تتحكّم بالقطاع ولا تتردد في دعم الإخوان المسلمين في كلّ ما يقومون به على الأرض المصرية بصفة كونها جزءا لا يتجزّأ منهم؟

من الواضح أن «حماس» لم تجد سوى مصر لحماية الفلسطينيين من مزيد من الغارات الإسرائيلية. فبين وقت وآخر، ثمة حاجة إلى التذكير بالبديهيات.

من بين البديهيات أن التصعيد مع إسرائيل انطلاقا من غزة لا يمكن إلا أن يعود بالويلات على الشعب الفلسطيني، لا لشيء، سوى لأنّ ميزان القوى لا يسمح بتحقيق أي انتصار من أي نوع كان انطلاقا من غزّة أو من الضفّة الغربية.

لو كان ذلك ممكنا لما كانت إسرئيل انسحبت من القطاع بشكل كامل صيف عام 2005 عندما كان آرييل شارون لا يزال رئيسا للوزراء، وكان هدفه الأوّل والأخير التخلص من عبء غزّة من أجل الإمساك بطريقة أفضل بجزء من الضفّة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية التي تسعى إسرائيل إلى ابتلاعها يوميا.

الملفت في التصعيد الأخير، أكان من الجانب الإسرائيلي أو من جانب حركة “الجهاد الإسلامي” هو توقيته. ليس سرّا أن إسرائيل ترحّب بكل تصعيد نظرا إلى أن حكومة بنيامين نتانياهو تعارض أية تسوية من أي نوع كان، حتى في ظل تراجع السقف الذي وضعه الأميركيون لهذه التسوية. جاءت الحركة التابعة لإيران التي أطلقت عشرات الصواريخ في اتجاه جنوب إسرائيل، في هذا التوقيت بالذات، لتدعم موقف حكومة نتانياهو الذي يقوم أساسا على مقولة أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه في شأن تسوية.

هل اقتربت التسوية بالفعل بعد كلّ الجهود التي يبذلها وزير الخارجية الأميركي جون كيري وبعد الكلام الصادر عن الرئيس باراك أوباما الذي أكّد فيه أن على إسرائيل أن تقرّر أخيرا وأن تعرض أفكارا في حال كانت لديها خيارات أخرى مختلفة عن تلك التي يقترحها جون كيري؟

قد يكون هناك سبب آخر للتوقيت المعتمد للتصعيد، إضافة بالطبع إلى إحراج مصر كي لا تذهب بعيدا في حملتها على «حماس» بعد كشف دورها في دعم الإخوان. ربّما كانت إيران تريد أن تؤكد، خصوصا بعد ادعاء إسرائيل مصادرة سفينة تحمل صواريخ مرسلة إلى غزّة، أنّ وجودها في القطاع بات أقوى من أي وقت. أكثر من ذلك، تريد أن تقول إنها لا تزال اللاعب الرئيسي في غزّة بغض النظر عن طبيعة العلاقة التي تربطها بحركة «حماس». فقد تبيّن أن «حماس» التي تحكم القطاع بالحديد والنار غير قادرة على تجاوز إيران بأي شكل من الأشكال.

في أيّ حال، خدم التصعيد إسرائيل وسياستها التوسّعية، في حين أنّ الخاسر الأوّل هو الشعب الفلسطيني عموما، وأهل غزّة على وجه الخصوص.

خسر الفلسطينيون لأنّهم كشفوا مرّة أخرى أن لا مجال لمصالحة بين “فتح” و«حماس». الأهم من ذلك، كشفوا أن الشرخ بين غزة والضفة الغربية يزداد يوما بعد يوم وأن ليس في الإمكان إيجاد أي قاسم مشترك بين هذين الفصيلين. الضفة في واد وغزّة في واد آخر.

كلما مرّ الوقت، يتبيّن أنّ إسرائيل تزداد تعنتا وأن الجانب الفلسطيني لا يمتلك قرارا واضحا، حتى عندما يتعلّق الأمر بترتيب أوضاعه الداخلية. هناك تله فلسطيني بالقشور في الضفة الغربية بدل التركيز على اتخاذ موقف واضح لا لبس فيه من «حماس» و«الجهاد» وما يدور في غزّة. وهذا يعني في طبيعة الحال أن التسوية باتت سرابا بغض النظر عن الجهود التي يبذلها جون كيري بدعم من باراك أوباما.

يمكن أن يشهد الوضع مزيدا من التصعيد. يمكن لإسرائيل أن تقتل مزيدا من الفلسطينيين. يمكن أن تلجأ حتى إلى تدمير جزء من غزّة. الشيء الوحيد الأكيد والثابت أن إيران أظهرت مرّة أخرى أنها اللاعب الأساسي في القطاع، وأن المجموعة التابعة لها والمسمّاة “الجهاد” جاهزة لإطلاق الصواريخ متى دعت الحاجة إلى ذلك دون استئذان «حماس». هذا واقع. من يلعب لعبة فوضى السلاح، سيتوجب عليه في نهاية المطاف تحمّل نتائج هذه اللعبة التي سمحت لـ«حماس» بتنفيذ انقلابها في منتصف العام 2007 وسط ترحيب إسرائيلي لكلّ خطوة تقدم عليها نظرا إلى أنها تضعف الموقف الفلسطيني على كل صعيد.

كان مطلوبا إيذاء المفاوض الفلسطيني وإثبات أن لا صدقية تذكر لديه. حصل ذلك. لم يعد السؤال هل ستؤدي المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية الدائرة الآن التي يرعاها الأميركيون إلى نتيجة ملموسة؟ صار السؤال هل تحتلّ إسرائيل غزة.. وإلى أي مدى ستذهب في تصعيدها؟

كلّ ما يمكن قوله في نهاية المطاف أن على الفلسطينيين إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية لبيتهم. مثل هذه العملية لا يمكن أن تبنى إلا على الصراحة. الصراحة مع الذات أوّلا بدءا بالاعتراف بأمرين. الأمر الأوّل أن لا مفرّ، أقله في المدى المنظور، من الفصل بين الضفة الغربية وغزة. هناك كيانان منفصلان لا علاقة لأي منهما بالآخر، علما أن الشعب الفلسطيني واحد.

الأمر الآخر الذي لابدّ من الاعتراف به يتمثّل في أن إيران أقوى بكثير مما يعتقد في غزة وهي مستعدة لممارسة نفوذها متى دعت الحاجة إلى ذلك وفي التوقيت الذي يناسبها ويتلاءم مع أجندتها الإقليمية. تشمل هذه الأجندة، بين ما تشمل، استخدام غزة في الضغط على مصر من جهة وتكريس طهران، من جهة أخرى، لاعبا إقليميا مرتبطا عضويا بكلّ ملف من ملفات المنطقة. من لبنان، إلى سوريا، إلى العراق، إلى اليمن، إلى البحرين، إلى السودان وكلّ ما له علاقة بفلسطين والفلسطينيين… أما الباقي فتفاصيل، ما دام لا يوجد، إلى إشعار آخر، في غزة وغير غزّة، أي في كلّ بقعة عربية من يضع المصلحة الفلسطينية والمصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر.


إعلامي لبناني

9