التصفية السياسية وتجفيف الأرض حول الأسد

الثلاثاء 2013/10/29
تمثال الأسد وقد أسقطه سوريون مشحونون بظلم سنوات طويلة

لم تبدأ الستينات في سوريا بالعام 1960، ولكن بالانقلاب الذي قادته فئة تطلق على ذاتها في أدبياتها السياسية "انقلابية" كما ورد في جميع وثائق حزب البعث العربي الاشتراكي، وأيضا في الوثائق الناصرية التي رافقت نمو وتطور حركة القومية العربية.

بعد أن قام أشرس الأطراف في حركة الثامن من آذار 1963 بالانقضاض على بعضهم، في تموز – يوليو من العام نفسه، وتم قتل مئات الضباط الناصريين (من السّنة حصراً) والإبقاء على البعثيين الذين كانوا الأقل مشاركة في انقلاب كان هدفه المعلن «إعادة الوحدة» بين مصر وسوريا، بدأ البعثيون في فرز أنفسهم وفقاً للأكثر ولاء للمشروع الطائفي الضيق الذي كان قد بدأ بالتشكل والإعلان عن نفسه، فانتقل البعث الحاكم إلى انقلاب جديد في العام 1966، بمحاصرة القصر الجمهوري ومحاولة قتل أمين الحافظ، رئيس الدولة، والحكم بالإعدام على مؤسسي البعث، ميشيل عفلق، ورئيس الوزراء، صلاح الدين البيطار، ونفي عدد كبير من الشخصيات التي حكمت سوريا. واستمرت الحلقة السياسية الفكرية في التقلّص، حتى تمّ التخلص من «مؤسسي البعث» والأطراف المتشددة بتولّي اللجنة العسكرية بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد مقاليد الحكم الفعلي في سوريا، بعد هجوم عسكري شامل شنّه المقدّم سليم حاطوم الذي ما لبث الحاكم الجديد أن تخلص منه بعد أن هرب إلى الأردن وأدين غيابيا بالتجسس لصالح إسرائيل، ولكن حاطوم عاد بعد اندلاع حرب العام 1967 كي يقاتل، كما أعلن، إلى جانب السوريين ضد «العدوان الإسرائيلي».

ولكن الذي حصل كان أبشع من تصوّرات سليم حاطوم فبمجرد وصوله استقبله ضباط المخابرات واقتادوه إلى دمشق حيث عرضوه على المحكمة العسكرية التي أكدت عليه حكم الإعدام، وقد قام الجندي بتكسير أضلاعه قبل أن يطلق عليه النار وهو نصف حي في الخامسة من صباح 26 حزيران عام 1967.

معركة اليمين واليسار


ثم جاء دور عبد الكريم الجندي، ابن منطقة السلمية وسليل كبرى عائلاتها، التي انتقلت إلى المذهب السني بعد أن كانت على الإسماعيلية تاريخيا؛ فبعد تشكيل مكتب الأمن القومي التابع للقيادة القطرية، وإحداث أمن الدولة، في محاولة لوضع اليد على كل أجهزة الأمن وإلحاقها بمكتب الأمن القومي، ومع دخول العام 1968 بدأ الصراع يستعر من جديد، اليمين البعثي واليسار البعثي، فريق حافظ الأسد وفريق صلاح جديد. وكان عبدالكريم الجندي صديقا قديما لجديد فوقف معه في ذلك الصراع الذي احتدم طويلا.

وكان الجندي قد كلّف بوزارة الإصلاح الزراعي، ثم أصبح مسؤولا عن قوى الأمن الداخلي في سبتمبر – أيلول 1967 فقام بتوسيع أجهزة الدولة القمعية، وزاد من أعداد المخبرين، وشرعن أساليب التعذيب النفسي والجسدي.

وفي لحظة احتدام عاصفة كتب رفعت الأسد لأخيه حافظ بأن صلاح جديد يخطط لاغتياله، وقدم الدليل على ذلك بأن أوقف سيارة كانت تحوم قرب منزل حافظ الأسد، واعترف سائقها بعد الاستجواب بأن عبدالكريم الجندي هو من أرسله لتنفيذ الاغتيال، فقرر رفعت الأسد نزع سلاح عبد الكريم الجندي، حتى ليلة لقاء حافظ الأسد السرّي مع الجندي في أحد مطاعم دمشق الستينات، حيث نصحه وقتها بالابتعاد لأنه يخشى عليه من القتل.

وفي اليوم التالي، وبعد مشادة كلامية عبر الهاتف مع مدير المخابرات العسكرية، علي ظاظا، انتشر خبر انتحار عبدالكريم الجندي في 2 آذارـ مارس من العام 1969 في مكتبه بدمشق بعد أن ترك رسالة وضّح فيها رؤيته للصراع وحذر فيها من ميول وتوجهات الأسد «الصهيوينة»! وتم نشر الرسالة على صفحات جرائد بيروت، وبعد أسابيع أعلنت السلطات أن زوجة الجندي أقدمت على الانتحار.

ولم يبق في الساحة حول الأسد من أقوياء الأمس إلا صلاح جديد، الذي كان مصيره السجن مدى الحياة، بدءا من العام 1970 مع عدد كبير من رفاق حافظ الأسد وقيادة حزب البعث، بعد أن تمت الدعوة إلى عقد مؤتمر لقيادة البعث، لمناقشة «الخيانة» كما سمّوها التي قام بها حافظ الأسد وزير الدفاع ومعه مصطفى طلاس، في ما يتعلّق بتسليم الجولان لإسرائيل، ولكن حافظ الأسد حاصر مقرّ المؤتمر واعتقل القيادة كلّها، وزجّها في المعتقل، وأعلن أنه قام بحركة تصحيحية في مسار حزب البعث.

وبقي الأسد وحيدا إلا من شخصيات ديكورية يزيّن بها حكمه، من أمثال مصطفى طلاس وعبدالحليم خدام وآخرين. وبدأت تظهر الشخصيات المنتمية إلى الطائفة العلوية التي اكتسبت نفوذها بفضل تمكّن حافظ الأسد من السيطرة على الحياة في سوريا بالكامل.

الانتقال من السياسة إلى الأمن


حتى ذلك الحين، كان يحكم سوريا رجال مثقفون، صحيح أنهم قدموا من المؤسسة العسكرية، إلا أن مبادئ الفكر الاشتراكي والحرية والعدالة الاجتماعية، وضرورات الوعي، كانت قد شكّلت جُلّ بنيتهم، فقرّاء الأمس في كتب الثورة، صاروا اليوم حكّاما يتصارعون على السلطة، وعليهم استحقاقات داخلية وخارجية منهكة، لم تمنعهم من التعاطي معها، من زاوية الفكر السياسي أولا، قبل أن يتم تحصين ذلك الفكر (البعثي، القومي العربي الاشتراكي) بعشرات الأسوار من الأجهزة القمعية والمخابراتية، منعاً لزواله، وحمايةً له من أي تهديد، وهو انجذاب شرّعه لنفسه من فكّر في أن البعث سيحمي الأقليات من الطائفية والعنصرية، وسيحافظ على «مدنية الدولة»، في ظلّ تهديد صعود الإخوان المسلمين المتكرّر، وسيحقّق العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، إذاً لا بدّ من حماية هذا الفكر ما دام في السلطة، ومنعه من السقوط مهما كان الثمن!.. وهكذا كان.

ميشيل عفلق.. مؤسس البعث الأول

وبدءاً من لحظة «التكفير السياسي» التي تعرّض لها ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار مؤسسا حزب البعث، انتهت عمليا مرحلة الانتماء إلى منبع عقائدي سياسي أراد تحقيق كل تلك الأهداف، عبر العمل السياسي، وبدأت مرحلة تطبيق فكر جديد، يحمل الأسماء ذاتها، والأهداف ذاتها في الوحدة والحرية والاشتراكية، والرسالة الخالدة ذاتها (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) ولكنه قائم على آليات حكم مختلفة، وبنية داخلية لا علاقة لها بالسياسة بقدر ما تتصل بآليات الاستبداد وطرائقه في التحكم بحياة الشعوب.

استقدم حافظ الأسد لحُكمه رجالاتٍ من الماضي أيضا، كوجوه سياسية تزعم أن اللعبة في سوريا سياسية لا أمنيّة، وأمعن في رغبته بتغليف حكمه بغلالة سياسية في مشروعه الذي يطرح تصوّره عن معنى المعارضة السياسية وذلك بتأسيس «الجبهة الوطنية التقدمية» التي ستضم أحزابا معارضة للحكم ولكنها تعمل تحت هيمنة وقيادة حزب البعث في مؤسسة واحدة!

ذلك المشروع الذي طرحه بالتزامن مع الدستور المعقّد والمدروس بعناية الذي قدّمه له صديقه الدكتور محمد الفاضل، أحد أكبر وأخطر العقول القانونية في الشرق الأوسط حينها، حيث جمّع السلطات الثلاث في يد رجل واحد هو الأمين القطري والعام لحزب البعث ورئيس الجمهورية حافظ الأسد.

وكانت إحدى آخر محاولات حافظ الأسد للظهور كسياسي، تعيينه شقيقة السياسي السوري والمعارض عصام العطار الذي يعيش في المنفى في ألمانيا منذ العام 1963 الدكتورة نجاح العطار، وزيرة للثقافة، كي يظهر بمظهر من غَنمَ من الدمشقيين وإسلاميي سوريا، غنيمة كبيرة، وضع ثقته فيها.

المحاولة الأخرى كانت لقاؤه في ديسمبر – كانون الثاني 1978 مع صلاح الدين البيطار، المؤسس الثاني لحزب البعث، والنائب السابق لرئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر، والذي كان من الموقعين على وثيقة الانفصال عام 1961 والذي أصبح بعد وصول البعث إلى الحكم في 8 آذار 1963، ولأربع مرات متتالية رئيسا لوزراء سوريا ووزيراً لخارجيتها، قبل أن يتمكّن من الفرار إلى لبنان، حيث صدر حكم غيابي بعثي سوري بإعدامه عام 1969. كان حافظ الأسد يريد من البيطار (السياسي الكبير)، الاستقرار في دمشق ليكون واجهة «سياسية» ومعادلا موضوعيا لميشيل عفلق المؤسس الأول لحزب البعث والذي استقر في بغداد حيث الرفيق البعثي صدام حسين، ولكن بعد خمس ساعات من المحادثات بين الرجلين (الأسد والبيطار) لم ينجح الأسد في تلبية مطالب البيطار في إدارة الحياة السياسية إلى سوريا، ولم يوافق البيطار على البقاء، وطار إلى باريس وأعاد إحياء مجلته «الإحياء العربي» للمطالبة بالحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، فكان مصيره كغيره من الرفاق الذين عارضوا الأسد، الاغتيال بمسدس كاتم للصوت في باريس في 21 تموز 1980.

وانتهت السياسة، بمعناها التقني، في سوريا على يد حافظ الأسد، وما تبقى كان مجرّد هياكل كرتونية تغطي المشهد الدامي الذي رسمه الأسد بشراسة ليكون البيت السوري الذي عاش فيه مع بضعة ملايين لم يكن صعبا عليه، والحال هكذا، أن يبرمج حياتهم وينمّطها بالشكل الذي يراه ملائما لاستمرار حكمه.

6