التصميم المبتكر.. وصفة ناقصة لا تنعش الصحف الورقية

يفقد العالم بأسره صحفه الورقية التي تشكو انعدام التمويل وفقدان القراء، بينما يتحدث المتابعون، ومنهم الخبير الإعلامي روس داوسن عن بدء انقراض الصحف الورقية بنسب وأطر زمنية متفاوتة، وصولاً إلى الانقراض التام في العام 2040، بالمقابل أكد مصمم عالمي للصحف الورقية أن التصميم المبهر قد ينقذ الصحف الورقية من ورطتها.
الخميس 2017/05/04
إعادة تصميم

لندن - كشف جيسك أوتكو، المصمم العالمي للصحف الورقية، أن إنقاذ الصحف في صورتها المطبوعة من الاندثار مازال ممكنًا، وهو رهن بأيادي القائمين عليها، من خلال استخدام محتوى ابتكاري مدعوم بتصميم جيد.

وأضاف أنه ما يزال بإمكان الصحف الورقية الانتعاش لسنوات طويلة وتطويعها لتتماشى مع عصر الهواتف الذكية وسرعة وصول المعلومة مباشرة ونقل الأخبار عبر الهواتف الذكية، شريطة استخدام التصاميم التي تزيد جرعات المواد الطازجة والعميقة ذات الجودة العالية.

وأكد أوتكو في جلسة حملت عنوان “هل بالإمكان إنقاذ الصحف الورقية؟” ضمن فعاليات منتدى الإعلام العربي في دبي أن انتعاش الصحافة الورقية قائم على مجموعة من المعايير، إذ بإمكان مصممي الصحف بناء وسائل غير تقليدية تساهم في بناء صحف قوية.

وقال جيسك أوتكو إن هناك اليوم نموذجًا جديدًا من الصحف الورقية يعمل عليها، ويسميها “صحيفة المستقبل”، وهي تُطبع بأسلوب وحجم المجلة مع التركيز على عنصري “الصورة” و”العنوان”، بالإضافة إلى استخدام الأرقام البيانية (Infographic) ضمن المحتوى بشكل مبتكر وبارز، وأيضا الاعتماد على المحتوى المحرر بأسلوب سرد القصص واستخدام الألوان، وتوظيف الغرافيك بدلاً عن أسلوب الطباعة القديمة المعتمد على الحبر الأسود.

وأشار المصمم العالمي للصحف الورقية إلى أن مشكلة الصحافة المطبوعة تكمن في شبكات التواصل الاجتماعي التي تستحوذ بشكل كبير على اهتمام الجمهور، وعدم تعامل الصحف مع هذه المشكلة أدى إلى هجرة القرّاء، مؤكدا أن تجربته العملية أثبتت بأنه بإمكاننا بناء صحف ورقية بجودة عالية، كما تقدّم تسهيلات للقراء.

جيسك أوتكو: ما يزال بإمكان الصحف الورقية الانتعاش لسنوات طويلة وتطويعها لتتماشى مع عصر الهواتف الذكية

واستعرض أوتكو تجربة إحدى الصحف البولندية التي اضطرت إلى أن تغلق أبوابها بعد 50 عاماً من تأسيسها، بسبب المنافسة مع الصحافة الإلكترونية، إلا أنها أعادت بناء ذاتها عبر حزمة من إجراءات التطوير، لتعود مجدداً من خلال أساليب شيّقة وغير تقليدية في كتابة القصة الصحافية المدعّمة بالغرافيك والصور والفيديوهات الجاذبة، لتنطلق بنجاح ويصل عدد توزيع نسخها الورقية إلى أكثر من 250 ألف نسخة بعد أن كان لا يتجاوز الـ10 آلاف نسخة قبل التطوير.

وكان خبير تصميم الصحف العالمي دوغلاس أوكا ساكي، أكد أن مطالعة الصحف أصبحت مملة جدا، ليس لأن الإنترنت أخذ منها القارئ، ولكن لأن تصميمها لا يجذبه، وقال إن العديد من صحف العالم أدركت ذلك جيدا وسعت إلى التغيير في التصميم واستخدام الأدوات التي من شأنها أن تلفت انتباه المستهلك، وهو القارئ، ولذلك قامت تلك الصحف بإجراء تعديل يمكن وصفه بالجوهري والإيجابي في تصميمها.

غير أن هذه الوصفة ليست مقنعة تماما. فلا يتوقع المتابعون الإعلاميون أن يعيد إغراء الشكل القارئ إلى الصحف الورقية، ويطالبون الصحف بالمراهنة على المحتوى المختلف عما تقدّمه الصحافة الرقمية.

وكمثال على ذلك، لم ينجح إعادة تصميم صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية الأسبوعية بـ”ابتكار الحسّ الرقمي على الورق عبر المختصرات والقطع الصغيرة والعناوين الإلكترونية والخدمات الصحفية الذكية الدالة، وعدم إرهاق القارئ بتقارير طويلة غير مصورة” في جذب القراء، فقد واصلت مبيعاتها في الانهيار.

وقبل عام، توقفت النسخة الورقية من صحيفة “ذي إندبندت” البريطانية التي اشتهرت بإيلاء أهمية للصور والعناوين.

وجاء في آخر افتتاحية للصحيفة إيذانا بتحوّلها إلى الصحافة الرقمية بشكل كامل “توقفت المطابع وجف الحبر”.

إعادة تصميم صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية الأسبوعية لم تنجح في جذب القراء إذ واصلت مبيعاتها في الانهيار

ونشر صحافيون من “ذي إندبندنت” التي تأسست قبل نحو 30 عاما، صورا على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر العاملين يقرعون على الطاولات، وهو تقليد يستخدم لتوجيه التحية عند رحيل أحد الزملاء.

وفي افتتاحيتها الأخيرة، أكدت الصحيفة أننا سنتذكر هذا “التحول الجريء” نحو الصحافة الرقمية بشكل كامل “كنموذج تحتذي به صحف أخرى في العالم”.

وبلغت مبيعات الصحيفة في أوجها في عام 1989، أكثر من 420 ألف نسخة في اليوم، في حين لم تعد قادرة على بيع أكثر من 40 ألف نسخة اليوم قبل توقفها.

عالمياً تعدّ عائدات الصحف المطبوعة، الأسوأ منذ العام 2009، وفقاً لصحيفة “وول ستريت جورنال”.

ووفقا للصحيفة ذاتها، يواجه قطاع الصحف انخفاضاً متسارعاً في عائدات الإعلانات المطبوعة، وضغوطاً كبيرة في السوق، مما اضطر البعض من الناشرين إلى اعتماد سياسة تخفيض التكاليف، وإدخال تغييرات جذرية على المنتجات المطبوعة.

وفي دراسة قام بها مركز أبحاث “بو” شملت 353 من العاملين في الصحف والمؤسسات الإعلامية، أفاد 70 بالمئة بقيام مؤسساتهم بتقليص أعداد موظفيها خلال السنوات الثلاث الماضية.

عربيا، وضمن نفس السياق من الصعوبات الاقتصادية والمالية التي تواجهها الصحافة الورقية، فوجئ موظفو صحيفة “السفير” اللبنانية وقراؤها العام الماضي بكتاب من رئيس التحرير طلال سلمان يناقش فيه خيار التوقف عن الصدور بالنسخة الورقية، معللاً ذلك بأن “الظروف اختلفت خصوصاً في ظل ثورة المعلومات (مواقع التواصل)، فضلاً عن تبدّل الأحوال في طول الوطن العربي وعرضه، ونحو الأسوأ، مع الأسف. كذلك فإن الظروف السياسية والاقتصادية فاقمت الأزمة، لا سيما وأنها انعكست على الدخل الإعلاني وعلى الاشتراكات وصولاً إلى البيع”.

وفي مصر المثال الأبرز، فبحسب تصريح رئيس تحرير جريدة “اليوم السابع” المصرية، انخفضت كمية الصحف المطبوعة في مصر إلى 800 ألف نسخة في العام 2015، بعد أن كانت في العام 2010 في حدود مليوني نسخة يومياً.

كانت دراسة أصدرها مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العمل، كشفت عن اختفاء‏ أكثر من نصف وظائف الصحافة منذ 15 عاماً، حيث تأثّر بالدرجة الأولى في هذا الانخفاض، ناشرو الصحف الورقية. وفي يناير 2001 كان يعمل 411.800 شخص بالمهنة، وانخفض الرقم إلى 173.709 موظفين في سبتمبر 2016.

18