التصنيف الفكري.. مذهب عربي معاصر

الثلاثاء 2013/11/12

ثمة حوارات تدور هذه الأيام في مجالس العرب وملتقياتهم وزواياهم الذاتية، التي تختفي عن عين الرقيب السياسي والإعلامي. وبعض هذه الحوارات يدور حول المتغير الذي شهده الخطاب العربي بشكل عام، سواء أكان هذا الخطاب عبر منبر جماهيري أو تداول مباشر للحديث أو تلك الـ 140 حرفا التي يكتبها الشخص في تويتر ليعبر بها عن مكنوناته وهواجسه على كل صعيد.

والمسألة التي لاشك فيها أن (اللسان) العربي، في كل الدول العربية، شهد في السنوات الأخيرة تغيرا كبيرا وملحوظا لصالح القول السوء وليس الحسن، إذ ترتفع الآن، دون تردد أو حياء، أصوات منكرة تقلل من هذا وتخفض من ذاك وتسفه هؤلاء وترفع من شأن هؤلاء، وتقذف وتشتم وترتكب كل موبقات التخاطب الذي يفرق ولا يجمع. كأن قومنا- دون أن نستثني منهم أحدا- يئسوا من حالهم فقرروا الانتحار على طريقتهم: أن يتشاتموا ويتنابزوا ويقذف بعضهم بعضا إلى أن يفنوا جميعا بأيديهم وليس بأيدي غيرهم.

وقد كان مما أطلت التأمل فيه، وأنا أتدبر هذه الظاهرة العربية الصوتية أو اللفظية الجديدة، وقوع البعض، عن سابق قصد وتصميم، في مطب النظر إلى الكون، الطبيعي والبشري، بلون واحد، حيث يرفض كثيرون الاعتراف بالتعدد أو التمايز، أو حتى الفردانية التي تعطي لكل شخص طبيعة وجوده ونكهته ونوعية حضوره في حياة الآخرين الذين يشاركونه المكان والزمان. وهذا ما أدى- من وجهة نظري- إلى نشوء حالة من التصنيف الفكري الذي يعصف بمجتمعاتنا ومقدراتنا في كل مكان.

خذ مثلا حالة الاقتتال الجسدي واللفظي التي تحدث بين الشيعة والسنة كل ما حل موسم عاشوراء، حيث يتسابق المتطرفون المعتلون للمنابر ليتباروا أيهم أكثر حنقا وحدة على الآخر واستعداء له، مع أنه يفترض، وهذا حديث الحكماء من الطرفين، أن تكون مثل هذه المناسبة، وغيرها من المناسبات الدينية، فرصة للبحث عن المساحات المشتركة بين أناس تظللهم سماء واحدة وتحملهم أرض واحدة، بل قد يتجاورون في الحي الواحد ويتقاسمون رغيف الحاضر وهم المستقبل. وهذا غيض من فيض التناحر الذي ينشب بين الأخوة في الدين والوطن، على اختلاف مللهم ونحلهم، لأقل الأسباب.

ولذلك لا غرابة أن يأتي من يقول بأن (التصنيف الفكري) يكاد يأخذ صيغة المذهب في زماننا، أي أن له قادته وتابعيه، بعد أن بلغ من الحضور الديني والسياسي والاجتماعي شأنا هائلا وأصبح من الطبيعي أن نشير إلى فلان، أثناء التعرض لموقف أو لفظ ما، بأنه (تصنيفي)، بينما نتحدث عن هؤلاء الأشخاص أو أولئك بأنهم (تصنيفيون). ومن المعلوم أن كل تصنيفي، ذكرا كان أم أنثى، لديه، في المبدأ، إيمان راسخ بأنه على حق مطلق وأن غيره على باطل محض. وما بين هذا الحق وذلك الباطل يتساقط كثيرون من كل التيارات التي تتنابز بأسلحة الإلغاء.

والغريب في مذهب التصنيف، دون غيره من المذاهب، أنه متعدد الهويات، إذ يوجد من المنتسبين إليه متطرفون أو متشددون دينيون، كما يوجد متطرفون أو ليبراليون أو علمانيون أو قوميون إلى آخره من المسميات التي تحتشد في ساحات (التصنيف) وكل بما لديهم فرحون. ولو أننا فقط فتحنا صفحة عربية واحدة من صفحات التداول الاجتماعي على شبكة الإنترنت، لوجدنا من الأدلة على هذا المذهب الجديد ما يكفي للاعتراف بوجوده وكونه واقعا لا مفر منه.

أما الضحية الكبرى لمذهب التصنيف فهي الإنسان أولا والمواطنة ثانيا. ونحن نعلم ما بين الإنسان ووطنه من رابطة روحية وعاطفية، بحيث، وهذا من الطبيعة البشرية، لا يُفترض أن يساوم المواطن على وطنه أو يخونه أو يبيعه لحساب أجندات أو أفكار فئوية خاصة. ولذلك أصبح الشغل الشاغل لدى التصنيفيين العرب تسفيه فكرة المواطنة الكبرى وتصغيرها أو احتقارها، مرة، لدى المتزمتين الدينيين، على أساس أنها ضد الدين، ومرة، لدى الليبراليين المتطرفين، على أساس أنها ضد «المواطنة متعددة الثقافات»:

Multicultural Citizenship».

والهدف من تتفيه فكرة المواطنة لدى الطرفين، الديني المتزمت والليبرالي المتطرف، هو أن تصبح هوية المواطن أممية تتجاوز جغرافيته وتتعدى ثقافته الخاصة. ليس ذلك التجاوز الذي يُعنى ببناء جسور حوار الحضارات واحترام الخصوصيات، وإنما ذلك التجاوز الذي يُجرد الوطن من قيمة الوجود المستقل ذاتها، وبالتالي يجرده عاطفيا من نفوس مواطنيه. وكل ذلك لحساب وجود آخر وعاطفة أخرى تعنى بالمشترك على أساس العقيدة أو الفكرة الإنسانية الأشمل. وبقدر ما يبدو في ذلك من مثالية تُداعبُ مخيلات العوام من الناس إلا أن النتيجة الحتمية هي بلوغ مرحلة التصنيف في من هو معي، في هذه الفكرة الدينية أو الأممية، ومن هو ضدي. ويبلغ هذا التصنيف مداه حين يكون هناك فرز ظاهر داخل التيار نفسه لمن يحسبون له ومن يحسبون عليه إلى أن تتحول هذه التيارات، من داخلها ومن خارجها، إلى شظايا يحرق بعضها بعضا.

وفي يقيني أن السنوات القادمة ستشهد تحولا من التصنيف المفرط إلى الفضح المتبادل الناتج عن حالة التشظي الدقيقة التي تحدث الآن في عالمنا، إذ أن الغايات السياسية، للجماعات الدينية بالذات، تفرض على هذه الجماعات واقعا جديدا سيرسخ لمذهب التصنيف ويوسع مساحاته لتشمل قطاعات من سواد الناس، بعد أن كان هذا التصنيف يختص بالنخب ومحيطها الفكري أو الاجتماعي الضيق.

وفي التجربة المصرية خلال السنوات الثلاث الأخيرة ما يشير بقوة إلى نشوء عوالم صغيرة جديدة من أتباع مذهب التصنيف. وسيكون بالضرورة لهذه العوالم الناشئة أثر آخر سيء على مجمل الحياة المصرية والعربية، السياسية والاجتماعية، بشكل عام. وفي رأي البعض أن تمدد هذه العوالم المنتمية لمذهب التصنيف سبق حتى الحالة المصرية وحالات الثورات العربية الأخيرة بشكل عام، بل قد تكون هذه العوالم، بعيدا عن سلامة نية الشعوب، من وقود هذه الثورات. ولذلك اعتبر كثير من المراقبين، الحالة الثورية العربية الجديدة، بمثابة حرب تصفيات محلية بين التيارات وليست ثورات وطنية من أجل ما توهمت الشعوب حدوثه بعد طول انتظار وهو العيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية. ولذلك كان طبيعيا أن يخيب ظن هذه الشعوب وأن تكفر بما صدقته في بدايات لهيب هذه الثورات ويخيب ظنها بجدوى ما قامت به يوما بعد آخر. وهذا، للأسف، سيعيدنا مرة أخرى إلى تلك الإسطوانة التي لا نحبها وهي أن هذه الشعوب العربية ليست جاهزة بعد لاستحقاقات ما بعد الثورات، أو لاستحقاقات الشعوب الأخرى، التي طوت صفحات تصنيفاتها الفكرية بقرون قبل أن تقوم بثوراتها المعاصرة وتصنع مجدها.


كاتب سعودي

9