التصوف ترياق ضد الفكر التكفيري والإسلام الراديكالي

الثلاثاء 2014/11/11
مقام ولي تعرض للحرق من قبل جماعة من المتشددين

تونس- تواجه تونس، كغيرها من دول العالم، خطر الإرهاب وما يحمله من عقائد فاسدة ونهج تكفيري متعصّب ونمط دموي مدمّر، لا يحتاج إلى عمليات عسكرية لمحاربته بل إلى استراتيجيات خاصة تنبع من أعماق المجتمعات المتضرّرة وتاريخها. في هذا السياق يطرح الباحث الدكتور مازن الشريف العودة إلى الصوفية كإحدى استراتيجيات الحرب ضدّ الجماعات الإسلامية المتشدّدة والتكفيرية؛ فحين تكشف التقارير الدولية أن تونس هي أول مصدّر للإرهاب وأن عدد الشباب التونسي في تنظيم داعش بالآلاف، وحين يعلن العالم حربه على الإرهاب، فإن أولى الناس بتوفير مناعة وعلاج هم المتصوفة.

أي دور يرتجى من الطرق الصوفية في التصدي للفكر التفكيري والإرهاب؟ وأي أثر للتصوف في تونس اليوم؟ وماذا على أهل التصوف بتونس – وكذا في المغرب العربي والعالم الإسلامي ككل – أن يفعلوا حتى يكونوا درعا لأوطانهم ويسهموا في إنقاذ شعوبهم والإنسانية من حمم بركان الحقد والكراهية والتطرف والإرهاب؟، شكّلت هذه الأسئلة منطلق دراسة أعدّها مازن الشريف، نائب رئيس اتحاد الطرق الصوفية بتونس، حول “الطرق الصوفية في تونس ودورها المحتمل في التصدي للإرهاب والفكر التكفيري”.

في بداية الدراسة قدّم الدكتور مازن الشريف، نائب رئيس اتحاد الطرق الصوفية بتونس، خلاصة جامعة عن حقيقة التصوف ومسار نشأته. ثم قدّم في الفصل الثاني لمحة تاريخية عن التصوف بتونس.

حين يعلن العالم حربه على الإرهاب، فإن أولى الناس بتوفير مناعة وعلاج هم المتصوفة

وأثبت المفكر الإسلامي التونسي مازن الشريف بالبراهين والقرائن، ما نسبه بعض المستشرقين للزوايا الصوفية وأهل التصوف عامة من صفات الخمول والسلبية، التي حاول المستعمر الفرنسي تبني بعضها، مثلما يحاول اليوم أنصار الإسلام الجهادي التكفيري إلصاقه بالصوفية.


هل أدى تغييب الصوفية إلى التشدد؟


التصوف قبل الثورة: بعد المقدّمة التاريخية عن التصوف في تونس، انتقلت الدراسة، إلى فصل “الصوفية قبل الثورة”، وهو يعتبر مقدّمة هامة للبحث في أسباب انتشار الفكر المتشدّد داخل المجتمع التونسي المعروف باعتداله.

في هذا السياق تشير الدراسة إلى أنه من بين الأخطاء الكبيرة لدولة ما بعد الاستقلال إغفالها الجانب الصوفي الذي رأى بعض المثقفين أنه سبب للتخلف، وهو ما أدى إلى شبه تصحّر ديني تعمّق تدريجيا خاصة زمن النظام الذي قامت عليه الثورة.

ويستطرد الباحث قائلا، إنه رغم الإهمال ظلّ تيار الصوفية يلعب دورا اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا كبيرا، مع بعده عن السياسة ومعتركها ونأيه عن مسارات الإسلام السياسي الذي أخذ موقفا عدائيا من التصوف ناسبا إليه التخاذل.

التصوف بعد الثورة: بعد ثورة 14 يناير 2011، تنفّس الصوفيون كغيرهم من التونسيين الصعداء وتفاءلوا خيرا، وقد تم السعي لإعادة تعمير وإصلاح عدد كبير من الزوايا المهجورة لتكون منارات لتعليم القرآن والفقه والتصوف كما كانت. لكن في غفلة تم افتتاح مدارس قرآنية جديدة كثيرة وجمعيات عديدة تروّج للفكر السلفي المتشدّد الذي يكفّر الصوفية.

أهم الطرق الصوفية في تونس
الطرق الصوفية في تونس كثيرة، منها طرق وافدة، وأخرى ناشئة محليا، ومنها طرق تفرعت عن طرق أخرى.

* الطريقة القادرية: نسبة إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني (470هـ -561هـ).

* الطريقة الشاذلية: نسبة إلى مؤسسها أبي الحسن الشاذلي (593هـ - 656هـ) – (1197م-1258م).

* الطريقة التيجانية: تنسب إلى مؤسسها الشيخ أحمد التيجاني. وكان أول من أدخلها لتونس سيدي إبراهيم الرياحي الفقيه العلامة (1180-1266هـ).

* الطريقة العروسية: نسبة إلى الولي الصالح أحمد بن عروس (778هـ – 868هـ). ولها امتداد بتونس وليبيا.

* الطريقة العيساوية: نسبة إلى الشيخ محمد بن عيسى المغربي الحسني دفين مكناس. ولهذه الطريقة منتسبون في كامل المغرب العربي.

* الطريقة المدنية: متفرعة عن العلاوية الشاذلية، تنسب إلى الشيخ محمد المدني. وهي طريقة منتشرة جدا بفرعيها (الإسماعيلية ثم القاسمية المتفرعة عنها).

* الطريقة القاسمية: نسبة إلى الشيخ بلقاسم بلخيري، وهي اليوم وفق الإحصائيات أكثر طريقة منتشرة في تونس ولها أكثر من 400 زاوية وما يقارب 250 ألف مريد.

* هنالك طرق أخرى كالطريقة الرحمانية الخلوتية والبرهانية الدسوقية نسبة إلى الشيخ إبراهيم الدسوقي.

لم يكتف هؤلاء بهذا بل عمدوا إلى حرق وتخريب أكثر من مئة زاوية، وعلى رأسها زاوية سيدي أبي سعيد الباجي وزاوية السيدة المنوبية، الأمر الذي صدم جميع التونسيين.

وقد تأسس لأجل ذلك ولجمع كلمة المتصوفة بتونس وجميع الطرق الصوفية “اتحاد الطرق الصوفية” الذي كان له دور كبير في إيقاف حرق تلك الزوايا ودفع الدولة لإصلاحها رغم أن الإسلام السياسي كان يدعم التيارات السلفية بأشكال عديدة.

تحولت تلك الفرحة بالثورة إلى غم وبلاء لعموم التونسيين وللصوفيين خاصة، عندما انبثق من رحم الفكر التكفيري تنظيمات إرهابية مقنّعة بداية ثم انكشف قناعها وظهر تورطها في القتل والتدمير وحرق الجبال والغابات والزوايا والاغتيال السياسي على غرار تنظيم “أنصار الشريعة” وما تعلق به من خلايا عنقودية نائمة أو مفعّلة مثل “كتيبة عقبة بن نافع”.

لم يكن المخطط الوهابي الذي دمّر من قبل الآثار النبوية وآثار الصحابة في مكة والمدينة وسائر الحجاز والعراق واليمن، لم يكن ليتوقّف عند حد أو يرتدع لرادع، وهو الذي تم رفضه كليا وقطعيا من أهل أفريقية وعلماء الزيتونة وحكام البلاد حينها.

وربما انتقم المتشدّدون بعد الثورة من تلك الرسائل الدامغة. والمشروع كان عامّا ولم يكن تونسيا فقط، ففي ليبيا صعق كل صوفية العالم الإسلامي بتدمير جميع الزوايا والمقامات تقريبا بكامل التراب الليبي مثل زاوية سيدي الشعاب وزاوية سيدي الأندلسي والزاوية السنوسية وتم نبش قبور عدد كبير من الفقهاء والصالحين مثل سيدي أحمد زروق، بل تم اغتيال أعداد كبيرة من مشايخ التصوف في ليبيا.

لم يصل الأمر في تونس إلى هذه الدرجة لكن كان يريد بلوغ ذلك وتجاوزه، ولم يكن حكّام البلاد حينها يعون خطورة الأمر أو ساهموا فيه بدرجات مختلفة لقرب الإسلام السياسي من التيارات السلفية ويجمعهم الجانب الجهادي وهو ما تم عبر كتابات وأيديولوجيات سيد قطب والمودودي.

لقد كانت السنوات التي أعقبت سقوط النظام، خاصة 2011 و2012 سنوات صعبة جدا على التونسيين وعلى المالكية والصوفية خاصة، فحتى المساجد تمت السيطرة على معظمها من أصحاب الفكر السلفي المتشدّد، فكفّروا الناس ونشروا الشك المذهبي والعقائدي وغرّروا بأعداد كبيرة من الشباب تحول جزء كبير منهم إلى إرهابيين ومقاتلين في تنظيمات دولية فكان منهم في جبهة النصرة، والعدد الأكبر في تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. في حين لبث آخرون في معسكرات درنة للتدريب في ليبيا أو في خلايا نائمة بتونس.


كيف يبدو الوضع الحالي؟


الوضع الحالي مُركّب ومربِك: مركّب من حيث أنه يحمل احتمالات كثيرة تتعلق بالوضع الإقليمي والانتصارات السريعة والكبيرة لتنظيم داعش. وما يجري في ليبيا من اقتتال ومستقبل تونس ومسار الانتخابات الحالية ومنظومة الحــكم القــادمة وتوجهــاتها العــامة والخــاصة.

وهو مربك لأن مشاهد القتل وذبح الجنود مع التكبير هي مشاهد صادمة للناس عامة، فكيف بأهل التصوف وهم محبّون للسلم داعون إليه. لقد كان المأمول أن تقدم الثورات مزيدا من الحرية والمجال للجميع، لكنها انقلبت إلى حريق كبير استغلّه فاسدو العقيدة وهم أشد ضررا وخطرا من فاسدي الأخلاق الذين طغوا وبغوا قبل الثورة بل لعلهم اتحدوا معا بعدها.

لقد تدهورت الحالة العامة للدولة في جميع القطاعات: ثقافيا وبيئيا واقتصاديا وأمنيا وصحيا وتعليميا.

مازن الشريف: أول خطوة لهزم الفكرة الإرهابية تكون بزرع الفكرة الصوفية

وهذا يؤثّر أيضا على المجتمع ككل، ممّا يشجع على الجريمة والعنف، والنسب في ارتفاع كبير كمّي ونوعي، ويخلق مناخا مناسبا لتفريخ الفكر الإرهابي ونمو الخلايا الإرهابية النائمة، ولا بديل عن مشروع شامل يكون للتصوف دور مهم فيه لما له من أثر في الإصلاح الاجتماعي ولما يحمله المنتمون إليه من تأثيرات على مختلف القطاعات.

لكن أهم الإشكاليات هي التي نتجت عن اجتماع أخطاء ما قبل الثورة وأخطاء ما بعدها:

•التصحّر الديني مما أعطى مجالا لتأثير الأفكار المتعصبة والعقائد المنحرفة.

•الفوضى التي أدت إلى إضعاف الدولة، مما جعل التيارات السلفية تتغوّل وتتموّل وتنشر الكثير من الإرباكات في المجتمع.

•الحرب المعلنة التي شنّها المتشددون على عقائد أهل تونس.

•غياب مشروع استراتيجي ناجع للمعالجة، وغياب الرؤية التكتيكية للتنفيذ، وقد حاول اتحاد الطرق الصوفية من خلال مشروع “ميثاق علماء تونس” الذي بنيتُ فكرته ووقّع عليه عدد كبير من العلماء الزيتونيين أن نوحد الصفوف حول المرجعية الزيتونية وحول حقيقة المذهب والعقيدة والتزكية ولكن دعم الدولة كان غائبا رغم الوعود.

• تم إقصاء عدد كبير جدا من الزيتونيين ومن الصوفية من المساجد وحل محلّهم السلفيون أو أنصار الإسلام السياسي، فأصبحت المساجد مجالا لنشر التبديع والتشكيك والتضليل والشحن المذهبي والطائفي والسياسي، ومن بعضها صدرت دعوات للقتل ولما سمي بالجهاد في سوريا وصار بعضها الآخر أوكارا لغسل أدمغة الشباب وتفريخ الخلايا الإرهابية وحتى تخزين الأسلحة وهو ما تم اكتشافه بالدليل من قبل وزارة الداخلية. وهو وضع مستمر إلى اليوم رغم كل محاولات الحكومة.

وحين يغيب صوت الإصلاح والاعتدال والتزكية والتربية الروحية السليمة والعقيدة الصحيحة عن المساجد، فإن ذلك باب لكل أنواع الكوارث والنوازل.

حين تكشف التقارير الدولية أن تونس هي أول مصدّر للإرهاب وأن عدد الشباب التونسي في تنظيم داعش بالآلاف، وحين يعلن العالم حربه على الإرهاب، فإن أولى الناس بتوفير مناعة وعلاج هم المتصوّفة، لكن هذا الدور لا يكفي في غياب تنسيق مع الدولة ومأسسة للتصوف وإدماج له في المناهج بما يحمله من ترياق لسم التكفير ومن علاج لوباء التكفير ومن حلّ لمعضلة الفكر التكفيري وغيره من الأفكار المنحرفة.


ما هو الدور المحتمل للتصدي للإرهاب؟


ليس الإرهاب مجرّد تنظيمات حركية جهادية تستخدم التفخيخ والانتحاريين والعمليات المباغتة والإعدامات والخطف والابتزاز، بل الإرهاب نسيج كامل فيه البعد العقائدي الديني والبعد الفكري التكفيري المسموم والخبيث الذي يتقن فنّ غسل الأدمغة والتغرير بضعاف العقيدة أو المتحمّسين لأمجاد الخلافة.

وله أبعاد ثقافية عبر نشر ثقافة الموت وكره الثقافة والفن والموسيقى والرسم فهي جميعا محرّمات. وكذلك أبعاد اجتماعية في استغلال الحالات المهمّشة والمفقّرة أو الباحثة عن معنى لوجودها والفاقدة لمعنى اجتماعي.
مازن الشريف يدعو حكام تونس إلى تجنيد المتصوفة لمحاربة المتشددين

وله أبعاد اقتصادية من تهريب وغسيل أموال وجريمة منظمة.. هذه الأبعاد جميعا تنطلق من الفكرة: تكفير سائر المسلمين وتبديع عقائدهم. وحين نعلم أن التصوف يتعلّق بالذوق ومقام الإحسان وبعلوم التربية ومراتب السلوك، فإن أول خطوة لهزم الفكرة الإرهابية، التي تتخذ الإسلام قناعا وخداع، يكون بزرع الفكرة الصوفية.

إن التصوّف الإسلامي بما يحمله من تسامح، ومن عمق اجتماعي وقدرة على الاقتراب من الناس ومذاكرتهم واستقبال جميع فئاتهم ومحاورتهم حوار القلب للقلب، وعلى دمج الثقافي والأدبي والفني ووجود أبعاد موسيقية فيها علاجات للنفس، فلا يُخفى ما للموسيقى الراقية من أثر في تهذيب النفس وعلاجها، لذلك تجد التفكيريين يحرّمونها بالكليّة، في حين يفرد التصوف بابا لها ضمن السماع العرفاني.

والدور المستقبلي للتصوف والطرق الصوفية في تونس (وفي العالم العربي والإسلامي والعالم ككل) مهمّ جدا، ولكن من أجل تفعيل ذلك لابد من مخطط ومن منظومة كاملة، لأن غياب التنسيق بين الجهات الرسمية والطرق الصوفية يجعل الجهد ضعيفا والناتج ناقصا.

وهو ما يفترض وعيا جديدا لدى السلطات يسخّر من إمكانات الدولة لهذا المشروع. ووعيا جديدا لدى الصوفيين يمكّنهم من التعامل مع برامج الدولة وهياكلها بعيدا عن أي توظيف سياسي أو رغبة في الانزواء.

لابد من تحيين حقيقي للوعي لدى الجانبين. ولابد من تفعيل هذه المناعة وحسن إدارة قوتها الكبيرة. وإن ما قيل عن تونس يصح عن المغرب العربي ككل ويمكن أيضا أن يصح بنسب في المشرق العربي خاصة الجانب الاستراتيجي العربي الإسلامي والدولي، إذ التصوف علاج للتطرف.

6