التصوف يواجه التطرف في جبهة غير موحدة

مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية يدعو إلى نشر التصوف الصحيح وتفعيل دوره في مواجهة الإرهاب.
الأربعاء 2018/06/13
الصوفية تتقدم على حساب السلفية

القاهرة - كلما حدث تراشق جديد بين صوفيين وسلفيين، يتذكر الناس ليلة مولد الإمام الحسين بن علي في عام 2012. في هذه الليلة دارت معركة كبرى في الساحة المقابلة للمسجد الشهير في قلب القاهرة، كادت أن تسفر عن معركة محتدمة بين سلفيين قرروا غلق المسجد ومنع المصليين المتصوفة من دخوله بحجة إنهاء سنوات عريضة من “شرك” الصوفية في تقديس المقامات والأضرحة.

تدخلت الشرطة وأنهت شجارا كبيرا بعد أن وصل المتجمعون من الفريقين إلى الآلاف، ووصف البعض ما حدث بأنه معركة “كربلاء” جديدة، كناية عن المعركة التي قتل فيها الإمام الحسين منذ قرون طويلة.

لم تكن الواقعة سوى صدام معتاد منذ أن صعدت الوهابية السلفية وحرّمت شعائر الصوفية، من حضرة وحلقات ذكر وأناشيد في مدح الرسول محمد وزيارات أضرحة.

 

بدأت أصوات مصرية تتعالى بشكل ملحوظ، مطالبة بضرورة دعم التصوف وأئمته باعتبارهم خط الدفاع الأول في محاربة تفشي التطرف في المجتمع. لكن يبقى مشايخ الصوفية أمام معضلة مواجهة الفكر السلفي الجهادي لضعف الإمكانات وتشتّت الشمل ورغبة البعض بالانغلاق والانزواء للابتعاد عمّا يسمونه بـ”الفتن”.

وبات العداء تاريخيا مع مرور العقود وانحسرت الصوفية سنوات طويلة أمام صعود السلفية المدعومة ماديا ولوجيستيا من جهات مختلفة، وسيطرت الأفكار المتشددة على خطب المساجد وارتفع صوت التطرف وخرجت من رحمه جماعات إسلامية تعلن الجهاد وترهب العامة.

أمام سياسات محاربة التطرف وتجديد الخطاب الديني وصعود الإرهاب تحول المشهد إلى إعادة بلورة قيم التسامح والمحبة والسلام التي يتضمنها الدين الإسلامي ويتجاهلها المتشددون.

ورأى الكثير من العلماء أن تلك القيم يمتلك تقديمها المتصوفة لأن لديهم فلسفة فكرية تقوم على المحبة والعشق الإلهي وترويض النفس، بعيدا عن فرض الشرائع عنوة وتكفير الآخرين قسرا.

وتحدث باستفاضة مفتي مصر السابق علي جمعة ولفيف من علماء الأزهر في ندوة عقدت بمشيخة الأزهر مؤخرا، عن فضل التصوف وضرورة دعمه باعتباره البديل القادر على إنهاء التطرف وانتزاعه من جذوره.

ودعا مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية إلى نشر التصوف الصحيح وتفعيل دوره في مواجهة الإرهاب، وأن الصوفية الصحيحة مثلت في فترات تاريخية، خصوصا في أوقات الأزمات، أبرز صور الفاعلية الدينية والسياسية والاجتماعية للإسلام وحفظ استقلال واستقرار الأوطان وبث الطمأنينة والسلام في المجتمعات.

وأوضح التقرير أن الصوفية تحمل خطابا روحيا وتربويا أساسيا في مواجهة الإرهاب والتطرف. فهي ترقق القلوب وتشغل الفراغ الروحي.

ويحمل التصوف في جعبته أفكارا وسطية بشكل عام، ويرى أهل الصوفية أن المتصوف الحق هو القادر على غلق الباب على نفسه بحثا عن التهذيب والتربية بشكل زاهد بعيدا عن التدخل في شؤون الآخرين، ما يتعارض مع السلفية التي ترى في دعوتها ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل حازم.

تحمل كتب التصوف العملاقة، من نوعية “الحكم العطائية”، و”منازل السائرين”، قيما تقوم بالأساس على الحب الإلهي في شتى سبل الحياة بشكل يمنع المؤمن وينزهه عن الخطأ، ليس فقط خوفا من العقاب، لكن تقديرا وعشقا للذات الإلهية.

الصوفية تحمل خطابا روحيا وتربويا أساسيا في مواجهة الإرهاب والتطرف. فهي ترقق القلوب وتشغل الفراغ الروحي

ويرى أهل التصوف أن حب الله تنبع منه قيم التسامح والحب والزهد والتخلص من مساوئ النفس، كالحقد والحسد والغضب. ويقارن علماء بين أبرز كتب التراث الإسلامي لدى أهل السلفية الجهادية وأهل التصوف.

ويستمد كل فريق أيديولوجيته الفكرية من كتب مختلفة، أبرزها إحياء علوم الدين، للإمام أبي حامد الغزالي والعقيدة الوسطية واقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية.

ويعبّر كل شيخ عن مدى التضاد والتناقض بين المذهبين. فيقدم ابن تيمية موقفه برؤية شاملة حول المعاملات الجافة غير القابلة للنقاش، ويقول مثلا في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم” إن التشبه باليهود والنصارى وأعيادهم كفر وشرك واضح، ويستدل في أسانيده على أحاديث مختلف عليها أبرزها شرحه لحديث الرسول “من تشبه بقوم فهو منهم”.

وعلى النقيض يقدم الغزالي في كتابه الضخم، أربعة أبواب عن المعاملات الدينية الحياتية بكل الأشكال بأسلوب فلسفي قائم على تفكير ومرونة وتغير طبقا للحال والأحوال. ويرى سلفيون أن الغزالي وقع في خطيئة الظاهرية والتسهيل والتيسير على حساب قواعد الدين الصحيحة التي لا تقبل التعديل.

ويقول متولي إبراهيم، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، إن أهم ما يميّز تاريخ الصوفية عن غيرها بعدها عن السياسة والميل نحو نزعة الزهد والانصراف عن طيّبات الحياة والبعد عن الاستعراض باستجلاب الوجدان الروحي والتي أبقت التصوف حيا لأكثر من ألف عام.

ويضيف لـ”العرب” أن التاريخ شاهد على خدمات المتصوفين ودورهم في نشر الإسلام في الكثير من بقاع العالم. وأغلب مواطني غرب أفريقيا انتشر الإسلام بينهم بناء على دعوات جماعات الطوارق الصوفية في المغرب العربي.

يبقى السؤال الشاغر، هل كان التصوف قادرا على المواجهة القوية والصعبة مع تيارات التطرف المتأصلة والمدعومة ماديا؟

ويرى علماء أن التصوف يواجه مشكلات تجعله فاقدا لأهلية المواجهة، منها غياب الدعم المادي والمعنوي القوي والذي جعل التصوف في انحسار دائم أمام الخطاب السفلي في المساجد، بعد أن سيطر تيار التشدد على المنابر وتوغلت جمعياته في النجوع والقرى. ورغم بدء تغير المشهد مرحليا بصعود مشايخ التصوف وظهورهم على شاشات التلفزيون وتحركهم بشكل أوسع بين المساجد، فإن هؤلاء يظلون بعيدين عن التأثير الحقيقي ومواجهة قدرات السلفية الإعلامية والمادية.

تغيير الواقع الصوفي وآليات العمل واختيار المشايخ وتوحيد الصفة، من العراقيل التي يحتاج التغلب عليها سنوات طويلة

كما أن طبيعة الطرق والمشايخ تجعل من صوت الصوفية خافتا في الكثير من الأحيان بسبب القواعد العقلية والفكرية التي تعتمد على الانغلاق وتهذيب الشخص لذاته بدلا من الدخول في صراعات ومجادلات مع فرق إسلامية أخرى. وهي معركة ظلت الصوفية غائبة عنها على مر التاريخ.

منذ أن بدأت مواجهة التشدد بالتصوف في الصعود، رأى الكثير من المتصوفين الدخول في معركة مثل تلك لن يجدي نفعا، بل قد يخرج كل من فيها خاسرا.

ويعتقد هؤلاء أن الدخول في معارك فكرية وفقهية مع علماء لا يقبلون النقاش وكأوصياء على الدين، يتنافى مع جوهر الصوفية في التزام كل شخص بتصحيح نفسه ليكون في النهاية نواة من شأنها تصحيح المجتمع دون الدخول في وصاية على أحد في المعاملات.

ويؤدي تشعّب التصوف وعدم اصطفافه تحت لواء واحد إلى المزيد من المشكلات. ورغم تواجد مجلس الطرق الصوفية في مصر منذ أكثر من 50 عاما، لكنه يبقى مختصا فقط بالأمور الإدارية بعيدا عن توحيد صف أكثر من 70 طريقة رسمية ومئات الطرق الأخرى التي تعمل بعيدا عن أعين الحكومة.

وتواجه الصوفية أزمة اتهام بعض رموزها بنشر أفكار بعيدة عن قيم التصوف الصحيح وميل أكثر نحو الجهل، ويستغل البعض ذلك لبسط نفوذهم بزعم أنهم “أولياء ولهم كرامات خاصة لجذب المزيد من المريدين”.

وتغيير الواقع الصوفي وآليات العمل واختيار المشايخ وتوحيد الصفة، من العراقيل التي يحتاج التغلب عليها سنوات طويلة. لكن تبدو الحكومة المصرية عازمة على توفير المزيد من الدعم للتيار الصوفي لنجاح استراتجيتها في تجديد الخطاب الديني.

وظهر ذلك في دعوة رموز متصوفة لحضور اجتماعات وندوات دينية كبرى، وتخفيف قيود وزارة الأوقاف على مساجد المتصوفين لتكثيف الخطب والمواعظ، والسماح لفرق الإنشاد بالغناء في المسارح الرسمية والتحرك لإقامة مشروعات خاصة ودور خيرية تكون بديلة لتلك التي تم إغلاقها وعملت كغطاء للإخوان والسلفيين المتشددين.

13