التصويت الأبيض في تونس: سلاح الغاضبين يرتد على أصحابه

الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها تضع التونسيين في حيرة خاصة مع إفراز الدور الأول من السباق لنتائج غير متوقعة، مع فوز مرشحين من خارج دائرة الحكم التقليدية.
الجمعة 2019/10/11
حيرة ناخب أمام الصندوق

تضيق الخيارات أمام الناخب التونسي في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية. ولا يرى جزء من الناخبين في كلا المرشحين- قيس سعيد ونبيل القروي- رئيسا قادما لهم ولوحوا بورقة التصويت الأبيض دون إدراك لتداعياتها على شاكلة ما أفرزته من نتائج في الانتخابات التشريعية، إذ لا تختلف كثيرا في ضررها عما يحدثه العزوف عن التصويت.

تونس- أعرب الكثير من التونسيين عن أنهم سيلتجئون إلى التصويت الأبيض في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التونسية المبكرة على اعتبار أن هذا هو الخيار الوحيد المتاح أمامهم في ظل انحصار السباق في مرشحين اثنين فقط هما أستاذ القانون الدستوري قيد سعيد الذي يعتبره كثيرون محسوبا على التيار المحافظ ونبيل القروي قطب الإعلام الذي يحقق معه القضاء بسبب تهم فساد مالي وتهرب ضريبي وغسل أموال، وهو مشهد لا يرى فيه العديد من الناخبين ممثلا لهم.

ووضعت الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها عقب رحيل الرئيس الباجي قائد السبسي في 25 يوليو الماضي، التونسيين في حيرة خاصة مع إفراز الدور الأول من السباق لنتائج غير متوقعة، مع فوز مرشحين من خارج دائرة الحكم التقليدية.

وأظهرت توجّهات التصويت للدورة الرئاسيّة الأولى أنّ الناخبين التونسيّين اختاروا اللجوء إلى “التصويت العقاب” ضدّ رموز المنظومة الحاكمة التي عجزت عن إيجاد حلول اقتصاديّة واجتماعيّة وبخاصّة في ما يتعلّق بالبطالة وارتفاع الأسعار والتضخّم، وكانت النتائج بمثابة رد الفعل الذي أحدث زلزالا سياسيا قبل المعادلات والتوازنات السياسية برمتها في وجه النخب الحاكمة.

لكن، على الرغم من التحمّس لرياح التغيير التي طرأت على توجهات الناخبين يتوجس آخرون من وصول مرشحين إلى الانتخابات الرئاسية لا يمثلانهم سياسيا وفكريا، لكن فرضتهما عليهم نتائج الصندوق. مرد هذا القلق عدم انسجام هذه الفئة مع التوجهات السياسية للمرشحين للرئاسة، على سبيل المثال أنصار العائلة الحداثية التي لا ترى في قيس سعيد ممثلا لها نتيجة غموض برنامجه الانتخابي وتوجهاته الفكرية التي تعتبرها “محافظة”، فيما قد يؤثر دعمها لنبيل القروي الملاحق قضائيا على مصداقيتها وشعبيتها المتآكلة أصلا.

هنا يبدو قرار اللجوء إلى “التصويت الأبيض” خيارا واردا أمام هذه الفئة الذي تعمق قلقها بعد نتائج الانتخابات التشريعية -التي أجريت الأحد- والتي توحي نتائجها بولادة برلمان مشتت، ما يعني أن البلاد على أعتاب أزمة سياسية جديدة.

قرار اللجوء إلى "التصويت الأبيض" يبدو خيارا واردا أمام بعض الناخبين
قرار اللجوء إلى "التصويت الأبيض" يبدو خيارا واردا أمام بعض الناخبين

وقد بلغ عدد الأوراق البيضاء في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، نحو 24 ألف ورقة، ولا يستبعد مراقبون أن يلجأ ناخبون إلى هذه الورقة تعبيرا عن الاحتجاج وإبداء لموقف يعارض المستجدات السياسية الطارئة، التي تزيد من مخاوفهم بشأن مستقبل البلاد.

وتقول الشابة التونسية صفا، لـ”العرب”، “لا تغريني وعود وبرامج المرشحين للرئاسة، لا أثق كثيرا في ما سيقدمانه للبلاد ولا أعتقد أن أحدهما قادر على النجاح في مهمته.. لذلك أفضّل الورقة البيضاء”.

ويعكس تفضيل طيف من التونسيين من مختلف الفئات العمرية الورقة البيضاء حالة من عدم الرضا بسبب فشل النخب السياسية إثر الثورة التونسية في التوفيق بين مساري الانتقال السياسي الذي تقدّم خطوات كبيرة، والانتقال الاقتصادي والاجتماعي الذي لا يزال يعاني مشاكل. وانعكس انعدام الثقة بدوره على عملية الاختيار بين أحد المرشحين للرئاسة، وهما من الوجوه الجديدة ما يجعل الاختيار صعبا.

لكن، بالنسبة إلى الأحزاب التي فشلت في السباق الانتخابي فإن الورقة البيضاء بمثابة رد فعل على الهزيمة التي لحقتها. وكانت دعوات مقاطعة الانتخابات والتصويت الأبيض قد انطلقت من أوساط العائلة الحداثية، التي لم تنجح تحذيراتها السابقة في تأمين دخول موحد للانتخابات عبر مرشح توافقي، ما جعل سقوطها مدويا، حسب المراقبين.

وتقول شيماء عيسى، المحللة السياسية والناشطة بالمجتمع المدني، لـ”العرب” إن “تيارات فكرية معيّنة، وخاصة من النخبة، غير مقتنعة بدعم القروي أو سعيد نتيجة التباين في التوجهات السياسية والفكرية، فكان ردها الدعوةَ إلى التصويت الأبيض”.

وتوضح عيسى أن هذا التصويت غير معترف به في القانون الانتخابي التونسي. وهذه الأوراق البيضاء بمثابة أصوات مهدورة ولا تأثير لها على النتائج أو على نسب المشاركة، ومثلها مثل الأوراق الملغاة أو الخاطئة.

وتلفت إلى أن في تونس تعد الورقة البيضاء بمثابة تشكيك في شرعية الانتخابات، “فهي مجرد تسجيل موقف للتاريخ فقط لكن عمليا ليس له أثر”. وعلى العكس من ذلك تعتقد عيسى أن التصويت الأبيض من شأنه أن يفيد مرشحا على حساب آخر بإعطائه الأفضلية على مستوى النتائج.

ويتسق رأي عيسى مع رأي عصام الشابي، أمين عام الحزب الجمهوري. ويشير الشابي، لـ”العرب”، إلى أن الورقة البيضاء هي رد فعل بعض المثقفين من النخب السياسية الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة المنافسة، حيث يرون في سعيد “مرشحا محافظا” وفي القروي “شخصية مشبوهة”، ما جعلهم يفضلون التصويت الأبيض كتعبير عن موقفهم الرافض للمعادلة السياسة الجديدة بالبلاد.

 رد على هزيمة

دعوات مقاطعة الانتخابات والتصويت الأبيض انطلقت من أوساط العائلة الحداثية
دعوات مقاطعة الانتخابات والتصويت الأبيض انطلقت من أوساط العائلة الحداثية

 رغم النجاح النسبي لأحزاب العائلة الوسطية، مثل حزب تحيا تونس والحزب الدستوري الحر، حسب النتائج الأولية للانتخابات التشريعية إلا أنها تواجه خطر البقاء على الهامش مع تراجع نفوذها، في ظل صعود قوى جديدة بالبرلمان الجديد، مثل ائتلاف الكرامة وحزب الشعب، أتت بها رياح التغيير على شاكلة الانتخابات الرئاسية.

ويبدو لافتا أن الأحزاب الوسطية في تونس ما زالت في حالة تردد في دعم أحد المرشحين للرئاسة في الدور الثاني، ما يعكس انقسامها العميق والمسار الذي ستختار المضي فيه في ظل واقع سياسي جاء مخالفا لآمالها وطموحاتها.

وقد خسرت جل الأحزاب الممثلة في البرلمان، والتي تقدم نفسها كأحزاب الطيف الوسطي والتقدمي والليبرالي، السباق الرئاسي، وجاءت نتائج بعض مرشحيها في الدور الأول محبطة وكارثية إذ لم تتجاوز في بعض الحالات نسبة واحد بالمئة من مجموع الأصوات. وحل أبرز مرشحي العائلة السياسية الوسطية في المركزين الرابع والخامس، وهما وزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي بحصوله على 10.73 بالمئة من أصوات الناخبين ورئيس الحكومة يوسف الشاهد بنسبة 7.3 بالمئة.

وكانت النتائج أكثر سوءا في الانتخابات التشريعية خاصة بالنسبة إلى حزب نداء تونس الحاكم الذي يمثل التيار الحداثي البورقيبي في تونس، حيث تراجع عدد مقاعده من 89 مقعدا في البرلمان عام 2014 إلى مقعد وحيد حسب النتائج الأولية، إذ اعتبرها المتابعون نتيجة “مذلة” بالنسبة إلى قياداته وأنصاره.

ويعتبر اختيار التصويت الأبيض سيناريو متوقعا في الدور الثاني من الرئاسيات، رغم أن الحسابات السياسية الضيقة قد تفرض على قيادات العائلة الوسطية الاصطفاف خلف مرشح بعينه في اللحظات الأخيرة، في خطوة تهدف إلى إعادة التموقع في المشهد الجديد.

وأوضح محمد صافي جلالي القيادي بحزب تحيا تونس، لـ”العرب”، أن “الحزب سيحدد موقفه من مسألة دعم أحد المرشحين للدور الثاني أو سيختار المقاطعة من خلال التصويت الأبيض”، مؤكدا “نحن نعتقد أن قيس سعيد ونبيل القروي لا يمثلاننا كحزب ينتمي إلى عائلة تقدمية”. ومع ذلك يشدد جلالي على أن الحزب سيحسم هذه المسألة في اجتماع قياداته، لافتا إلى أن التصويت الأبيض “لا معنى له”.

ولا ينكر جلالي أن هناك اختلافا داخل العائلة الوسطية حول مرشحي الرئاسة، لكنه أوضح “هناك إجماع أيضا على أن سعيد لا يمثل هذه العائلة”.

 مواصلة المعركة الانتخابية

رغم الجدل الذي أحدثته دعوات التصويت الأبيض من المستبعد حسب المتابعين انسياق الناخبين إليها، نتيجة سخونة السباق الرئاسي بين أنصار سعيد والمدافعين عن القروي، وإصرار كل منهما على تأمين وصول مرشحهما لاعتلاء كرسي قرطاج.

ويؤكد عصام الشابي أن التونسيين سيقبلون على الاقتراع للدور الثاني وإن كان بشكل أقل مقارنة بالدور الأول، مشيرا إلى أن دعوات التصويت الأبيض جاءت محتشمة داخل العائلة الوسطية ولا تجد صدى في الشارع التونسي المصر على تغيير السائد.

ويستبعد منذر شريت أن يكون التصويت الأبيض حاضرا في الدور الثاني من الرئاسيات. ويفسر ذلك، لـ”العرب”، بقوله إن “هناك مؤشرات عديدة على ذلك، أهمها ما حصل خلال الدور الأول من الانتخابات حيث كانت نسبة الأوراق البيضاء ضعيفة، وتكرر الحضور الضعيف للأوراق البيضاء في السباق التشريعي الأخير حسب النتائج الأولية”.

تفضيل طيف من التونسيين الورقة البيضاء يعكس حالة غضب الرضا بسبب فشل النخب السياسية بعد الثورة

ويبين شريت أن الخزانات الانتخابية ستترجم تجندها من أجل منح أصواتها لمرشحها للدور الثاني، قيس سعيد، بشكل أرفع نسبيا من الدور الأول استمرارا للانتصارات المزلزلة لقوى الثورة ضمن الانتخابات التشريعية.

من جهة أخرى، فإن الخزان الانتخابي المائل إلى المرشح نبيل القروي -والقليل من يضع نفسه ضمن معسكر القوى الحداثية- سوف يهب إلى مكتب التصويت في محاولة أخيرة لإنقاذ حزب قلب تونس ومرشحه نبيل القروي.

ورغم أن التصويت الأبيض فرضية واردة في الدور الثاني من الرئاسيات نتيجة حيرة الناخبين ورغبة الأحزاب في الرد على إقصائهم وهزيمتهم المذلة، إلا أنه يبقى سيناريو مستبعدا وفي حال اللجوء إليه سيكون تأثيره محدودا وغير وازن.

ويستنتج ممدوح عزالدين، أستاذ علم الاجتماع، أن “التصويت الأبيض لم يتحول بعد إلى ظاهرة في تونس”، ويعزو عزالدين ذلك إلى حداثة التجربة الديمقراطية حيث ما زال الانتخاب الحر شكلا جديدا على التونسيين، الذين عانوا لسنوات من نظام الحزب الواحد.

13